الرئيسيّة » نصوص نقديّة » حكاية الجُنْد مذكرات حرب
نصوص نقديّة

حكاية الجُنْد مذكرات حرب

Share Button

حكاية الجُنْد مذكرات حرب

صلاح محسن جبر

   “تبقى الصحراءُ صحراءً دائماً ، ولكن الصحراء التي تُخبرك طوال الوقت أنها لم تكُن صحراءً أمرٌ مُقرِف . تِلك هي الحكاية التي ترويها جُذوع الأشجار السوداء المبتورة التي لاتزال قائمة حيث القُرى من قبل . لقد سَلختها شظايا القنابل المُتفجرة تماماً ، وهي تقف هُناك مِثل جُثثٍ مُنتصبة .. واحات مَسمومة مَقتُولة إلى الأبد

رودولف بايندنغ ضابط ألماني يصف مشهداً طبيعياً قرب ساحة معركة السوم 1918م.”

   حكاية الجُنْد الحرب والذاكرة والمذاكرات في القرن العشرين تأليف صاموئيل هانز ترجمة الفذّ فلاح رحيم من إصدارات جامعة الكوفة ، دار التنوير، 2016م ، يقع في 384 صفحة من القطع الوسط ، كتاب متعدد الأصوات والأمكنة والمحاور والمجازر أيضاً، بدأً من معارك الحرب العالمية الأولى والثانية وحرب فيتنام أنتهاءً بالهولوكوست والقنبلة الذرية في هيروشيما ونكازاكي ، حكاية الجُنْد كتاب من دم ولحم قطعة آدمية لاتستطيع قراءته دون الخروج “برضوض روحية” أو آثار نفسية دون أن تنالك شظايا معاركه ، حكاية الجُنْد ملحمة إنسانية سردية قرن بأكمله من حروب القرن العشرين، هذا القرن الذي غيَّر وجه الأرض وإلى الأبد ، حكاية الجُنْد درّس في تكاليف الحرب الباهظة صوت مابعد المعركة صوت الحرب برواية من خاضوا غمارها في الخنادق والصفوف الأمامية بعيداً عن الرواية الرسمية ، فريد في بابه (إنه حكاية المُعذّبين الذين يتصاعد سردهم مضمّخاً بالجراح والتشوهات .. إنه “أدب الجراح” أو “أدب الإصابات والإعاقة” أدب الفظاعة “)أدب الخراب والأنقاض.

وهو عصيّ على التصنيف فلا هو بتاريخ ولاسيرة ذاتية ولاهو أدب رحلات هو مزيج من هذا كله وليس هو في نفس الوقت ، إذ “ليست السرديات الشخصية تاريخاً ولايمكنها أن تكون كذلك ، إنها تتكلم على انفراد بصوتها الإنساني ، وهو أمر لايفعله التاريخ ، كما أنّ لها أشكالها الخاصة التي ليست أكثر قيمة ولاأقل منه، هي مختلفة ببساطة “كما أنّ رواته لايهمُهم ذكر التواريخ والسنين وهم ليسوا بِكتّاب محترفين ، تتميّز كتاباتهم بالبساطة والاعتيادية والواقعية بنقل الأحداث. ومقطع من كتاب مُذكرات أمريكية عن الحرب العالمية الأولى (لهيرفي ألن) تُعبر عن ذلك خير تعبير “حاولت أن أُعيد أنتاج تجربتي في فرنسا خلال الحرب العظمى بوساطة الكلمات . لاوجود لحبكة أو ذروة ، أو نهاية سعيدة للكتاب . إنه سرد بسيط يخلو من التزويق ، دون بطولات ، وصادق . إنه ما رأيت بأقرب ماحفظته الذاكرة وقد سطرته كصورة للحرب دون تعليق” .

 أما الموت هذا الزائر اللامرئي بمختلف تمظهراته يمارس عدم انحيازه ويخيّم بجناحه الأسود، يتخطف الجنود فرادى وجماعات وتزداد غرابته مع تطور الأسلحة وشدت فتكها ، ممتزجاً بمشاعر الخوف ، يوضح لنا (فيليب كابوتو) شهادته متسائلاً “كيف هو الشعور بالخوف وكيف يبدو الموت؟ مارائحة الموت؟ تجربة الإقدام على القتل؟ تحمل الألم وإيقاعه بالآخرين؟ خسارة أحد الأصدقاء ومنظر الجراح ؟ … ماغاية الحرب”.

يذكر صاموئيل هانز أن كتابة المذكرات والرسائل ومدونات الحرب ازدادت مع انخراط المتطوعين من الطبقة الوسطى بسبب مستوى التعليم الجيد وصدمة انتقالهم من الحياة المدنية إلى الحياة العسكرية وصدمة رؤية أُولى مشاهد القتلى والجرحى من الجنود وصولاً إلى الاعتياد عليها كمناظر مألوفة ، هذا مايؤكده (فوغان) وهو يقود مجموعه من رجاله في هجوم على أحد معاقل العدو “على طريق تراجعنا وقد تفجرت القذائف حولنا . تسمّر رجل أمامي واقفاً كالميت ، لعنته وقد تمكن مني السخط فضربته بركبتي على مؤخرته . قال برقة فائقة : “أنا أعمى سيدي” واستدار ليُريني عينيه وأنفه وقد قلعتهما شظية قذيفة . قلت: أوه ياإلهي ، أنا أسف يابني تحمّل الصعاب” وتركته يترنح في ظلامه ” ، بل أن الأمر أصبح اعتيادياً كما يقول أحد الجنود “أصبحنا متعودين تماماً على رؤية الرعب حتى أنّنا صرنا نعثر على إحدى الجُثث في أي مكان من القدمة الأولى أو في حفرة لم يكن يأخذ الأمر منا أكثر من فكرة عابرة وكنا نتعرف عليه كما نتعرف على صخرة أو شجرة” ، بل إنه ممكن للجُثث أن تكون أشياء مفيدة لبناء المتاريس والسواتر كما جاء بشهادة أحدهم وهو يصف خندقاً “بعض أجزاء المتاريس بُنيت من جُثث القتلى ، كانت الأذرع والسيقان ناتئة هنا وهناك . لم يبرز في أحد التجاويف إلا رأسا رجُلين لهما أسنان مكشوفة ظهرا كأنهما يكشران برعب إلى أسفل باتجاهنا.”

   هذا عندما يكون الآخر العدو هو الضحية الذي تقع عليه واقعة الموت ويصبح شيئاً ، لكن في موضع أخر من الكتاب في حرب فيتنام نحصُل على شهادة مختلفة هذه المرة “بلسان المتكلم .. هو جسد السارد نفسه ،.. يمثل الصوت الحقيقي للرجل المنتهك انتهاكاً فظيعاً ، في النقطة التي يكفّ بها عن أن يكون فاعلاً فيغدو ضحية” يقول الجندي (بولر) “عندما سقطتُ على الأرض على مبعدة أقدام أعلى الدرب بفعل شرك الهاوتزر المُفخخ الذي دُست عليه وفجّرته شعرت كما لو أنني محمول على الهواء إلى الأبد . خمدت الألوان والأصوات ، وبالرغم من حركة دؤوبة أحاطت بي الآن إلا أنها بدت لي وكأنها تحدث بالسرعة البطيئة . ظننت في البداية أن فقدان نظارتي في الانفجار هو السبب في ضبابية الصورة في عيني ، ولم يخطر لي أن الغشاوة الوردية التي ابتلعتني كان سببها تبخّر معظم ساقي الأيمن والأيسر . وبينما بدأت الصدمة تخدر جسدي تمكنت عبر ضباب الألم من رؤية أني قد فقدت إبهامي الأيمن وخنصري ، وكذلك الجزء الأكبر من يدي اليسرى وكنت قادراً على أن أشمَّ اللحم المحترق من معصمي الأيمن صعوداً إلى المرفق . علمتُ حينها أن خدمتي في جحيم فيتنام قد انتهت”.

  حاله مثل هذه في الحروب السابقة كما يؤكد صاموئيل هانز مصيره الموت لكن تطور الطب العسكري وإمكانية أخلائهم بالمروحيات ، وضخّ دم لهم بالكامل ، كل ذلك زاد من فرص نجاتهم وبالتالي المد في معاناتهم، ولم تَعُد السردية المحورية في شهاداتهم الجندي بل الضحية ، إذ “تواصلت معاناة بولر حتى أقدم في أحد أيام 1994م ، بعد أكثر من عشرين عاماً من أصابته على الانتحار”.

   وبعد أن أوشكت الحرب العالمية الثانية على نهايتها 1945م وقع حدثان ناشزان يدُلان على مايمكن أن يفعل الإنسان بأخيه الإنسان من فظائع مروعة هما معسكرات الإعتقال الألمانية والقنبلة النووية الأولى على هيروشيما ،  كما يصفها بريمو ليفي  الصيدلاني اليهودي الإيطالي صاحب أحد مذكرات الهولوكوست الأعمق أثراً والأكثر فظاعة بحسب هاينز “هناك في القاع نُدرك أن طبيعتنا البشرية، تلك التي اعتقدنا أنها حصينة ، يُمكن أن تمتهن وتُدمّر، وأن القلب الإنساني قد يكون أبرد وأقسى مما توحي به تجربتنا . لقد بلغت الخيبة في التقدم والحضارة أحط درجاتها هنا ، في هذه المعسكرات التي صمّمها العقل والعلم من أجل تدمير الإنسانية بكفاءة”

ومن فضائل المؤلف الكثيرة غير كونه قد خبر الحرب بنفسه وخدم طياراً حربياً  في الحرب العالمية الثانية ، إنه لم ينزلق في تحيُّزات سياسية بل اعتبر مأساة هيروشيما والهولوكوست متساويان في الفظاعة والوحشية ، وكيف يمكن للحرب أن تمتد للعاجزين والأبرياء ، ومؤكداً في الوقت نفسه “أن الحروب وقصصها تتواصل، بينما أنا أكتب وأنت تقرأ” ومُسدلاً الستار في خاتمة الخاتمات بنص مقتبس أودعه كل آماله ” أتمنى لهذا الكتاب أن يُفلح في أتخاذ شكل نداء من أجل سلام دائم ، نداء يصدر من شخصٍ يعرف ، من شخص كان هناك وعاد ، جُندي قديم ينظر إلى حرب تحتضر” .

Facebook Comments
Share Button

تابعنا على الفيسبوك

Facebook By Weblizar Powered By Weblizar

حمّل تطبيق الموقع

https://i1.wp.com/www.intelligentsia.tn/wp-content/uploads/2017/08/Download-button-now.png?w=1320&ssl=1

تابعنا على تويتر

اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 18٬410 مشتركين