حقائب سفر كثيرة ، عائشة يانس

img

عائشة يانس- طالبة قانون عام

 

في القرية شيخ و عجوز أمي و أبي، أنجبا بنتين و أربعة رجال، ومعهم حقائب كثيرة .
سافر الأوّل قبل سنوات طويلة، فتذّوقا مرارة الفراق للمرّة الأولى .. أذكر أن أمي ذرفت يومها الكثير من الدّموع وهي تسأله وهو يحمل حقيبته ” أذاهب حقّا ” ؟
أتذكّر المشهد بدقّة موجعة، أما أبي فبمكابرة جنوبيّة كان يدّعي شيئا من القوّة و يقول ” هذا ما يجب أن يحدث “.
سافر الثّاني، وكانا قد تعلّما التعامل مع الوجع. لم تسأله “أذاهب حقًّا”؟
فهي تعلم جيّدا ما معنى ذلك .. بكت قليلا ثمّ تنهّدت، لقد أصبح شعورها ناضجا الآن .. أوصته أن يعتني بنفسه ولم تكن تعلم من الذي سيعتني بها، أما أبي فلم يكن وجهه يقول شيئا .. لقد كانت عيناه تصارعان المنطق.
ليلة سفر الثّالث، حزنت أمّي كثيرا .. أحسَّتْ أنَّ البيت أصبح فارغا و قد كان الأمر كذلك، لم تبكِ أبدا و لم تقل شيئا.
أمّي أصبحت تتقن الوجع، كانت الأحداث أكبر من البكاء، ووحدتها أكثر عمقا من أن تحاول التعبير عنها. أما أبي فقد سلّم أمره الى الله .. حتّى أنّه في تلك الليلة ضلّ يردّد بعينيه دون أن يحدّث أحدا ” لابأس، لا بأس “، لم نكن ندري هل كان يقنعنا أم يقنع نفسه.
سافر الرّابع، وأصبح السّفر رفيقا لهما بعد حرب مريرة. لم يستسلما و لكنّهما أقرّا أن ” بعض المعارك في خسرانها شرف “.
قلّ البكاء وتراجع وجع الصّمت .. وأصبحا يتحدّثان عن الأمر بخبرة عاطفيّة.
كلما يتحدّثان عن أحدهم يقولان : سفره كان الأكثر مرارة .. !
الليلة .. وأنا أستعدّ لحزم حقيبتي كي أعود للدّراسة في العاصمة، قلت لأمّي أنني أرغب في الحصول على حقيبة جديدة في السّنة القادمة .. صمتت قليلا ثم رمتني بردّها ” تتعدّد الحقائب و السّفر واحد “.

لا أحد يعلمُ كم يحتمل قلب امرأة مثلها من الفراق .. !!

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: