الرئيسيّة » قصّة » حسين الماغوط:غرفٌ اقتبسنا منها كُلَّ شيء
قصّة

حسين الماغوط:غرفٌ اقتبسنا منها كُلَّ شيء

Share Button

غرفٌ اقتبسنا منها كُلَّ شيء 

حسين الماغوط

****************************

ـ مُتعةُ تحطيمِ الأشياء، طحنها بِيدينِ عاريتين، تحويلها لشيءٍ غيرِ مألوفٍ وغيرُ مُشابهٍ لِخامِها، يأسٌ بِأن تعودَ كما كانت قبلاً، حتى إن تشابهتْ قليلاً عندما أصحو، سيكونُ الأمرُ قد صارَ بالياً، قد أجد لِذةً طُفوليةً ما عندما يُرغِمني خيالٌ بالغوص عميقاً في ذاكرةِ السمكة التي أحتفِظُ بها، الموسيقى نفسُها، بِنفس المقاطع التي أحتقرها وأُخرى قد أبني معبداً لها في وقتٍ ما، الموسيقى نَفسُها، الحديثُ الشيّق نفسهُ، بِنفسِ الدهشةِ كُلَّ مرة، الأكاذيبُ نفسُها، التصديقُ نفسه، الحقيقةُ نفسُها، انعدامُ العيشِ بعيداً هذا الحد، مُحاولات مُكررة طوالَ اليوم بِإقناعِ الوقت بِأن يشتري مُسدساً رخيصاً ويُطلق رصاصةً على رأسه بعدَ كأسهِ الثانية.

بعدَ قتل الوقت لِنفسه، سأُعيدُ نفسَ الموسيقى، بِنفس الدهشة، سأسكبُ كأساً ثالثاً.

*

ـ سأُحاوِلُ مرةً أن أُصبِحَ حوتاً، أنفُخُ الماءَ عالياً، ضخماً بِما يكفي لِأن افتَعِلَ مللاً، أُشعِلُ شوقاً وأُخمدهُ فوراً، أتظاهر بِأنني شيئاً آخرَ، كائِنٌ بريّ، أحفِرُ جُحراً وأعيشُ به، أنقُشُ ما بقيَّ من مللٍ حينَما كُنتُ حوتاً على جُدرانهِ، أُحاولُ تغييرَ الألوانِ كُلَّ مرة، أدعُ يداً جديدة تَعبثُ قليلاً بِاللغةِ المَكتوبة، أُصابُ بالجُنون أثناءَ سماع موسيقى كلاسيكية أُحبها، أبتَكِرُ سبباً لِلبقاء وأُلاحِقهُ حتى أتمكنَ منهُ وأحفِرُ حُفرةً تُناسِبُه مع ما تبقى من أحلامٍ أحتفظُ بها داخلَ صندوق.

*

ـ أن تَعيشَ بوجوهٍ رمادية غيرُ حالمة، تَعيشُ اليومَ بِالحكيِّ عن البارحة، عندما كانوا جميعاً على قيدِ الحياة، أن تُغلق ستائر شبابيكَ الغرفة لِتُحافظْ على بقائكَ كائناً ليلياً.

*

ـ ما زالَ مُنتَصف الليل لم يهدأ، ما زلتُ ألتَقِطُ أحلامَ يَقظة وأقومُ بِخنقِها بِبُطء.

ـ يُصبِحُ الأمرُ عادةً بعدَ فترة، أن يَكونَ الإختبِاءُ في جُحرٍ مُغلق تنمو بهِ كُلَّ يومٍ نبتةٌ مقتولة، تُلَقِنُ موتها لِجميعَ من يُحدق بها أو يلمِسُها، تُحيي موتاً خائِفاً ينتشِرُ كما تمسّكتْ جُذورها بِكُلِّ تفاصيلَ بحثٍ عن ليلٍ يشبِهُ بِعتمتهِ عتمةِ عِناقَ صوتَ من غابْ، عادوا جميعاً يتنفسونَ هُنا، رميتُ ألتقِطُ بقايا الهواءَ المرثيَّ نفسَهُ.

*

ـ موسيقا فقط، بعضُ الهُراء الذي نفتخِرُ بِوحدتهِ في حرقِ حُطامٍ يِتكاثرُ بِقسوةٍ سخيفة، عندما لا تدعُكَ التفاصيل أن تغفو، تأملُ حقاً الليلة بألّا تنتهي مساحةُ الجدار، أن أبقى مُحدقاً ببقايا رحيلٍ يتكررُ كُلَّ يوم، استمرارُ خيالٍ بعيشٍ يُعيدُ مدَّ وجزرَ رِئتينِ لِهُدوئِهما مرةً أُخرى، كَحوتٍ يَقبعُ سجيناً داخِلَ موجٍ يَلتَهِمُ صمتاً مُتربصاً، حينها، ستبقى مُمتناً لِسُخفِ التئامِ ندبةٍ بِقليلٍ من الأوتار.

ـ لِأن الحلَّ الوحيد الآن هو النظرُ للسماء والإقتناع بِأنها هي نفسها فوقنا، هيَ ليست الشيء الوحيد الذي أراه ولا أستطيع لمسه، أستطيعُ أن أتخيل صوتها، رائحتها، كُلَّ التفاصيل المتعلقة التي أُحاول عدم إفلاتها كُلَّ ليلة.

ـ المسافة، البُعد، أغبى خطيئة ارتكبتها الأرضُ حتى الآن.

*

ـ عندما غفى أملُ الإنتظار قليلاً.

Facebook Comments
Share Button

admin

اترك تعليق

اضغط هنا للتعليق

تابعنا على تويتر