حركة الخامس من فيفري المجيدة: مبادئ الأمس تُبلور مشهد اليوم

img

مثل الخامس من فيفري لسنة 1972 تاريخًا حاسمًا رسم بجلاءٍ ملامح التجربة النقابية الطُلابيّة التُونسية حيثُ اِنْبثقتْ جملةُ الشعارات المركزية التي وجهتْ الحركة الطُلابية نحو غاياتها الأساسية.
لعلَّ أبرز هذه الشعارات وأكثرها تجذيرًا للتجربة الطلابية في الوعي الوطني وفي الساحة النضالية، شعار:”الحركة الطُلابيّة جزء لايتجزأ من الحركة الشعبية”.
إنّ الحركة الطُلابيّة في اقترانٍ دائمٍ بالحركة الشعبية تؤثر فيها وتتأثر بها، يُوصف “لينين” في هذا السياق الحركة الطُلابية بأنّها “حركة شبابية برجوازية صغيرة تتأثرُ بواقعِ الصراع الطبقي” وبأنّها “مُجتمع مصغر تنعكس فيه التناقضات..”. من هذا المُنطلقِ يمكننا استعادةُ تاريخ المعارك الكُبرى التي خاضها الاتحاد العام لطلبة تُونس خلال سبعينات القرن الماضي ضد السلطة الحاكمة آنذاك التي تمخَّضت عنها أساليب نضالية شرسة تصدتْ لإنقلاب الدساترة في مؤتمر “قربة” السابع عشر الذي وجههُ “محمد الصياح” وانتهجتْ طريق المُواجهة المُستمرة ضد شتى أساليب القمعِ السياسي عبر الإحتجاجات والإضرابات المُتواصلة.
إنّ مايُجذر هذه التجربة الطُلابية في ساحة النضال الوطني ويُكسبها بعدًا راهنيًا بامتياز هو ذلك التكاملُ والتآزر بين الماضي والحاضر فطلبة السبعينات أبناء “الاتحاد العام لطلبة تونس”، وقدْ عاصروا أحداث فيفري وتصدّوا لمُختلف سياسات القمع والتفقير والتفريقْ الجهوي التي بدت على خيارات النظام السياسي الحاكمْ آنذاك هم اليوم، “أبناء الاتحاد العام التونسي للشغل”، إمَّا مُتقاعدين وإمَّا مازالوا يُتمون مسيرتهم المهنية في خدمةِ الوطن.
فأمّا الصنفُ الأول فيُحيلنا على أزمةٍ تُشكلُ اليومْ ملامح الحركة الشعبية في ذُروةِ انفجارها: فأغلب المُتقاعدين اليوم كانوا قد واكَبوا في مرحلة السبعينات تلك التحولات العميقة وأثروا آنذاك في صياغة المواقف والشعارات الرافضة لسياسات التفرقة الجهوية والاتجاه إلى تقويةِ رأس المال على حساب الكادحين والموظفين الصغار. وهاهم اليوم عندما أكملوا رسالتهم في خدمة الوطن يجدون الصناديق الاجْتماعية تكاد تكون عاجزة عن توفير رواتبهم، في حين أنّ تلك الصناديق كانتْ وماتزال تُمول من جزء من أجور هؤلاء الموظفين فهل يعني ذلك أنَّ السلطة تنتقمُ من هؤلاء الذين كانوا في أغلبهم طلبةً في السبعينات وأثروا بصيغة أو بأخرى في فضح السياسة الرأسمالية الشَرِسة؟
وأمَّا الصنف الثاني فيُحيلنا على أزمةِ المُربي اليوم: أزمة الطالب المُناضل بالأمسِ، والمُدرس المُثقف المُناضل اليوم. إنّ طالب الأمس الذي خاض أُولى معاركهِ ضد الطبقية الاجتماعية وساهم عبر الدعاية الفكرية الحرّة في تعريةِ فساد السلطة السياسية والتشهير بأساليبها القمعية ودعا إلى الإصلاحات المادية والتنموية يُكمل اليوم،بصفتهِ مُربيًا، أشرس معاركهِ ضدَّ سياسة تهميش العلم والمعرفة من خلال تهميش دور المدرس وتضييق الخناق عليه ماديًا. إنّهُ يقدم درسًا في عدم التنازل عن حقِّهِ في حياة كريمة تليقُ بما يُقدمهُ واجبهُ من نشاط جسيم في تثقيف المُجتمع وتنوير طبقاته المَسحُوقة. وقد سبق لهذا المُربي أنّ قدم لنا درسًا في الثورةِ بأنّ كان محركًا أساسيًا أسهم في الإطاحةِ بالنظام الديكتاتوري ل”بن علي”. لقد كانت أهم الشعارات التي رُفعت في 2011 نابعةً من شعارات طُلابيّة سابقة شاعتْ في رحاب الأجزاء الجامعية منذ السبعينات ومُرورًا بالثمنينات والتسعينات فلقد كان هَمُّ الطالبِ تنبيه المُجتمع إلى النهب المُنظم الذي تُمارسهُ السلطة وكان فضله عبر تلك المراحل المختلفة أنّهُ هيّأَ أغلب الفئات المسحوقة لتثور ثورتها العارمة وتتمرد على أعتى الديكتاتوريات.
إنَّ التحرك الشعبي سنة 2010/ 2011 لمْ يكنْ وليد لحظتهِ رغم كل التوصيفات المُتضاربة فهو تحركٌ يُعبر عن تمكن الوعي الثوري من مشاعر الناس حتى إذا وجد القادح الموضوعي انطلق في الفعل. ولعلَّ هذا الوعي الثوري في تونس ماكان ليصل إلى ذلك المدى من النضج لو لمْ تُهيء له الجامعة التونسية ونضالات الطُلاب في مراحلٍ مُتعاقبة. ولكن يجب أنّ نُذكر بأن هذا النضال يجدُ دومًا شقًا مُعارضا له ومتربصًا لإنجازاته مثلما كان الأمر في فيفري 1972 ذلك أنّ الوعي الثوري والمسار الثوري نشاط دَؤوب لا ينتهي مادام صراع الأضداد كامنًا في كلّ مرحلة من مراحل التاريخ.

ريتا هلايلي / فيفري 2019

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.