حبيبتي ” تانيت “- أحمد بن إبراهيم

img

حبيبتي ” تانيت “

   بقلم أحمد بن إبراهيم

أشفقت عليك  حبيبتي ” تانيت ” لقد أرهقتك بغبائي وحمقي.

ولكن ما كان يقلقني هو إصرارها على أنّي شاعر.. أنا شاعر مبتدئ. وأنت مبدعة وتجربتك الثرية غدت مرجعا..

كثيرا ما استهزأ مني أفراد عائلتي. هم يستهجنون أوراقي وكتبي الأدبية.. فقط كانوا يتنبّؤون بفشلي في الدراسة. كنت أقف مغتاظا في وجوههم حين يسرفون في تشبيهي بالشاب المجنون وَ… فأقول لهم :

” أنتم من تلك الفصيلة. مكانكم في الأدغال ”

هذه تعويذتي التي تخنقهم إلى حين. فمن الحمق أن تحاول ملء أوعية متآكلة..

كلما اختليت بنفسي. إلا وحاكيت الفلاسفة والأدباء والفنانين. هل كل ما قالوه صحيح هههه..

ألم كوّرني فجأة.. لقد عضضتُ لساني. لم أتأوّه خشية أن يسمعوني فتجلدني تعاليقهم النتنة. بصقت في منفضة السجائر. قليل من الدم. ( ثمّ ماذا آخر ) قلتُ في نفسي..

لبستُ أجمل ثيابي. تعطّرتُ.. احتكاك أسناني كان لحنا لرقصتي الخضروفية السريعة. لولا المائدة لسقط أرضا. مرآة الخزانة تحتل ذهني كتعويذة راسخة. هي في مكانها. لقد نظّفتها أختي الصغرى المراهقة من وسخ الذباب وآثار أصابعي هذا الصباح. لا لن أبصق عليها. لكني صفعتها بسؤالي : هيا نكّري صورتي..

همستُ إلى الفانوس المتدلي كعنكبوت جائع :

ستخبرني الآن عن هوس أختي المراهقة بهذه المرآة ؟

نعم سأتخيّل صورتها  كيف تقف أمام هذه المرآة اللعينة.

مازال الوقت في صالحي ووسط المدينة ليس بالبعيد عن منزلنا. جذبتُ الكرسي وكأن هناك من سيفتكّه مني. صفّرتُ بفمي وأنا أجمع شظايا تركيزي كومة واحدة. جلست وجها لوجه مع هذه المرآة ال.. غيّرت وجهتها. بأن فتحت باب الخزانة. قابلتني ثيابي معلقة في المشاذب وبعضها مكدّس بالأسفل.. التوتّر يعتصر وجهي. أناقتي المفبركة لففتها كقماشة نغم نشاز. وارتديت مريولا أبيض وسروالي الجينز ونعلي البلاستيكي. كان اللباس نظيفا رغم قدمه. ثمّ لم أنسى تسريحة شعري.. فشوّشتها..

لم لا تقول لها أنّكَ سمّيتها ” تانيت ”

لقد ردّدت  أيّها ” الشحيح ” أنّ جذورها تستبطن كينونتها. ومروج التاريخ إلى الآن تسقى من عطر إبداعها… ويحك لا نوبة  جنون بإمكانها أن تلقي بك عند أطراف تجربتها.. اصمت.

ها أنّك تنزل من الحافلة وسط المدينة. الوقتُ مازال في صالحك. شمس الربيع تنعشك. أسرعت الخطى في اتجاه البحر. كنت تأكل وجوه المارة. لعلها وصلت وتركت فيهم ابتسامتها الساحرة. إحساس قوي يؤكد لك أنك ستلقاها. أو هي جالسة  كعادتها في ذاك المقهى المطل على البحر. هل حقا ستحتفي بها وستثري طاولتكما بالمشروبات الباردة وقطع الحلويات.. ”

في غفلة منه داس أحدهم على نعله البلاستيكي فقطعه. رمى به تحت حائط وواصل ” خببه ” حافيا حذرا..

فعلا هرول نحو البحر وارتمى بين تقاسيم أمواجه الهادئة. مشى على الرمل مغتاضا كمن أتم عراكا.. خرج إلى الطريق. اقترب متحفّزا من المقهى الذي تزوره من حين لآخر. لم يصدّق عينيه. كانت تجالس امرأة تحتضن طفلها. كانا يتحدثان في جدية كبيرة. جلس على الحائط القصير الفاصل بين البحر والطريق. ضغط مرارا على ثيابه يعتصرها. انتظر لمدّة ربع ساعة تقريبا. رأى المرأة تتأهّب للانصراف. حينها أسرع خطاه ووقف على مسافة قصيرة منهما. غادرت المرأة صحبة طفلها. تقدّم منها تائها في شهوته. عبرت دهشته ابتسامتها الصفراء الباردة. واصل تقدمه منها مخطوف القلب. صافحها بكفّ مرتعش. جذبت كفّه إليها فطاوعها كطفل صغير وجلس على الكرسي قبالتها. أطردت نفورها منه بأن داعبت كفّه. قبّلتها. تذوّقت منها ملوحة البحر بذؤبة لسانها. اقشعرّ جسده. ترقرقت دمعتان في مقلتيه. لم تنفر منهما.

–   وعدتك  منذ لقائنا الأخير أن أقرأ لكَ بعض من قصائدكَ..

هكذا حاولت التخفيف من ألمه. بقي صامتا مخفيا وجهه بكفّيه. كان يتحسسها من خلال وجيب حركاتها وهي أمامه على الكرسي. لم يجد الجهد ليكلمها وقد ابتلّ كفّاه. خشي أن تغضب لبكائه الصامت فتغادر..

رفع رأسه ببطء. غرق في ضحكة مجلجلة. مما جعل أخته تغرق هي الأخرى في الضحك. لقد كانت تراقبه خفية منذ أن جلس على الكرسي أمام مرآة الخزانة. مسح دمعه والتفت إلى أوراقه ليبحث عنها ” حبيبته  تانيت ” .\.

سوسة 23 \ 1 \ 2019

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “حبيبتي ” تانيت “- أحمد بن إبراهيم”

  1. ومن ذا الذي يعيدنا من حلم جميل
    اسطر جميلة ونثر يحاكي الوجدان كل الحب والاحترام لك استاذي أحمد بن ابراهيم
    والشكر كل الشكر لموقع انتلجنسيا لهذا الافق الرائع

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: