حاج رغم أنفه-محمد المناعي 

img
قصّة 0 admin الوسوم:, , ,

حاج رغم أنفه-محمد المناعي 

منذ عودتي من السعودية ، واستقبلوني ذلك الاستقبال الحار الممزوج بالنفاق ، انقلبت حياتي رأسا على عقب ، وضعوا على رأسي قلنسوة مشبّكة و أهدوني جبة بيضاء وبلغة واسعة فصرت أتجول بين الناس كطفل مختون ، كانوا يطيلون النظر بتعجب إلى شنبي الذي لا يزال السواد يكسوه رغم بداية زحف الشيب ، يعتقدون أن رجلا بمكانتي وخاصة بصفتي لا بد أن يكون شنبه أبيض …تماشيا مع البدلة الجديدة والمنزلة المستحدثة … هكذا هي الأعراف .

تناسى  الناس اسمي فجأة  أصبحوا ينادونني حاج ففقدت جميع الألقاب التي كانت تؤثث حياتي ، زوجتي التي تعاني من الروماتيزم منذ ربع قرن كفت عن مناداتي ” يا راجل ” وربما كفت عن اعتباري رجلا أصلا رغم ما تعرفه عني من صولات وجولات …

ابني الوحيد كف هو الأخر عن مناداتي باسمي كما تعود منذ طفولته أصبحت كلمة حاج أسهل على لسانه لمناداتي ولكي يضفي شرعية على الأموال التي دفعها من أجل تسفيري للعمرة .. حتى في حديثه مع الأجوار – ابن الكلب – لا يكف عن ذكري، ذهب الحاج ، عاد الحاج … زوجة ابني هي الأخرى ، ذات اللسان الطويل و الشعر المنفوش شغلها الشاغل البحث عن سبل للتخلص من أطفالها المشاغبين ،،، أصبحت ترسلهم معي حين أجالس من بقي من أصدقائي.. فهي مطمئنة على كل حال أن بين الجمع “حاج ” فلن يحضر الشيطان ولن يصدر عنهم كلاما بذيئا أو تعليقات جنسية كعادتهم … حتى هؤلاء أصبحوا يتظاهرون بطأطأة رؤوسهم كلما مرت فتاة أو امرأة فاتنة على غير عادتهم في تأمل المؤخرات و سرد التقارير عن كل من يتحرك أمامهم و تلمظ الشفاه الشاحبة والتحسر على اللحم المتحرك الذي لن تطوله أياديهم المرتعشة …

خرج من العطار يلعن البائع الذي تعمد مغالطته في الحساب اعتقادا منه أن صفته كحاج ستجعله يترفع على المطالبة بحقه من هذا الأربعيني النزق صاحب الأظافر الطويلة المتسخة ، واللسان الذي يغري الزبونات و يجعلهن مترددات عليه بسبب أو بدونه …

هل أصبحت الحاج لعنة ، هذه الجبة البيضاء تشد الخناق عليه و تسد عليه أنفاسه كأنما يتحرك في كيس دقيق فارغ ،

يرحم أيام ” السروال الدجين ” والقميص مفتوح الأزرار العلوية و القلادة الفضية المتدلية على الرقبة و صدر تكسوه شعيرات يعبث بها كلما خامرته فكرة مغامرة جديدة ، وذلك الشعر المنقط بالشيب ملهب الصبايا .

بدأت المئذنة تصدر صوت ترتيل سورة يوسف كالعادة، يبدو أن أعوان المسجد الذين أصبح لهم نقابة في الفترة الأخيرة لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء تنويع السور ، انه يوم الجمعة ، ترك الحاج الشلة يواصلون حديثهم و عاد إلى المنزل ، هذا اليوم يوم لقاء الناس يجب أن يكون بمظهر يليق بالمكانة الجديدة انه الحاج وما أدراك ، دخل الحمام اغتسل تعطر جيدا لبس جبة أوسع من كيس الطحين الذي كان يلبسه ، وضع في يده اليمنى مسبحة بنية نسيها عنده حاج مغربي تجاذب معه أطراف الحديث أثناء سفرته الأخيرة…

في الطريق الى المسجد كان يعترضه بعض المارة ،:

– السلام عليكم يا حاج .

– أهلا بولدي

لقد غيرو حتى تحيتهم ، هذا الشاب النزق الذي يبيع دواء الأعصاب لمراهقي الحي كان يكتفي بمجرد إشارة برأسه وفي أفضل الحالات يقول صحة ..أصبح يسلم بسلام مطول ، لعنة الله على نفاقهم،  إنهم يلقون التحية على المظهر الجديد لا على شخصي  .

قبل المنعرج الأخير نحو المسجد خرجت ثريا من شارع فرعي ، نادرا ما تأتي لهذا الحي لزيارة أمها ، رأته مقبلا أسرعت الخطى ، ثريا جميلة الحي المدينة ، أم لطفلين لكنها لا تزال في كامل عنفوانها مدورة فارهة المظهر فارعة الطول نحيفة الخصر عالية الصدر ،لم يعبث الزمن بأنوثتها كما عبث بمثيلاتها ، زوجها الذي يعمل في ايطاليا منذ سنوات انقطعت أخباره ، وتركها لاهي مطلقة ولاهي متزوجة ،بريق عينيها يكشف أياما عجافا مرت بها ولا تزال …فتركتها كالأرض البور المتعطشة للأمطار الخريفية ، اعترضته لتبارك له الحجة …

– حااااج يا مرحبا يا مرحبا زارتنا البركة ، حجة … كيفاش يقولوها … مبرورة والا ميمونة … اش علينا ، لاباس ؟

– أهلا أهلا ثريا … شنوة أحوال الصغار أش تعمل في حومتنا .؟

مد يده لمصافحتها … تركت يده و عانقته راسمة قبلتين نديتين على وجهه أثار لعابها ظلت على خده الأيسر … ولامست بنهديها النافرين صدره …

– يزي يا بنتي فاش تعمل الله يهلكك ، الناس تتفرج ..

– شعلينا فيهم ، توحشناك و الصغار توحشوك ،أعمل علينا طلة عاد وطلة على هاك العزوزة مسكينة باقية وحدها طيب خاطرها ، مازلت كي جبت بحذاها الاولاد  ..

– انشاء الله يعمل الله …

– طل علينا غدوة عاد ما تنساش .. خلينا نحتفلو بالحجة ونتذكرو أيام زمان …

ابتسم و أشار بيده بأن تنتظر منه مكالمة …

أخذ  مقدمة الجبة بيده يبدو أن ثريا أعطت مفعولها وكاد أن ينفضح أمره  فلعن هذه الملابس الفضفاضة التي تكشف المستور …

– أيا ماعادش بكري عليا الخطبة قريب تبدا .

– ما تنساش عاد

– هههه باهي

في الساحة الخارجية للمسجد المياه تسيل من غرفة الوضوء و المصلون يتوافدون تباعا عليها و يدخلون قاعة الصلاة يتقاطرون ماء و أصوات القباقب تشوش على البعض الذي خير صلاة تحية المسجد قرب الباب ، قاعة فسيحة تتخللها أعمدة مصففة بعناية كسيت بقماش أخضر جميل ، زرابي مبثوثة تكسو المساحة المحاذية للمحراب تبرع بها فلاح ثري يستغل أرض الدولة أبا عن جد دون وجه حق … بقية القاعة فرشت حصائر صينية الصنع رخيصة الثمن أيضا تبرع بها أهل البر و الاحسان من شاكلة الفلاح … ثريات أنيقة أشبه بثريات الكنائس الاسبانية ، قفزت صورة ثريا من جديد الى ذهنه تحسس صدره ، لعن الشيطان ثلاثا دون جدوى لعنه ثلاث أخرى فلم يفلح في طردها من مخيلته واصل تأمل القاعة فقليلا ما كان يدخلها قبل أن يقرر ابنه تسفيره للسعودية لأداء العمرة ….

ساعة حائطية عملاقة بجانبها لوحة تشير لمواقيت الصلاة بجانب عمود يتوسط قاعة الصلاة يغط حلاق الحي في نوم عميق انه رجل  ستيني لكنه يبدو أكبر من ذلك ، هجر محله الزبائن إلا بعض الشيوخ بعد أن تفطن له صبية الحي يداعب أحد الأطفال و يراوده عن نفسه فصوروه وفضحوه …،كان يضع يده على حجارة التيمم لكي لا تسحب منه على حين غفلة فقد أطلق الريح على ما يبدو و سيتيمم صعيدا طيبا بمجرد اعتلاء الإمام المنبر كما جرت العادة  …

جلس في مكان منزو كان الناس يأتون لمصافحته ومباركة العمرة وهو يبادلهم التحية و يتمنى لهم أن ينالهم شرف زيارة بيت الرحمان … ضجر من هذه المجاملات التافهة التي تواصلت حتى مع انطلاق الخطبة … اغتنم بعض لحظات العزلة ليفكر في ثريا … اللعنة لقد سكنت مسكن الشيطان . بالمناسبة أين يسكن الشيطان ؟

قال لي أحدهم في مكة أن الشيطان هو ذرية إبليس فسألته عن زوجة ابليس التي أنجبت منه كل هذه الشياطين التي لا عد لها ، فاستغفر ربه و أعرض عني ثم عاد ليقول أن هذه مسائل غيبية لا يجب أن نخوض فيها … فلا جدال في الحج … قلت له ولكننا في عمرة ولسنا في حج … انصرف ولم يعد …

لا يهم إن كان الشياطين ذرية إبليس أو أن إبليس نفسه هو الشيطان كما هو شائع أو أن لابليس ذاته شيطان خاص به كسائر الانس والجن كما تقول الآية… المهم أنه جزء منا و أنه أصر على حضور ثريا في مخيلتي رغم المسجد و تباريك الناس و تذكيرهم لي بالحج ورغم الإمام الذي يمسك بعمود أطول منه و رغم المحراب و الزرابي التي تبرع بها الفلاح …

اللعنة على الشيطان وعلى الفلاح وعلى ثريا …

لكن ما دخل ثريا ؟

لا ذنب لها سأعتذر لها لاني لعنتها ، ربما تكون لعنتي مستجابة و أنا المعتمر أو كما يقولون الحاج …كنت في بيت الله و الآن في بيته الأخر لاشك أن لعنتي نافذة …

لم أنتبه لفحوى الخطبة فقد كانت مسترسلة دون تغيير في نبرات الصوت ، دون جديد ، كان يتحدث عن العمل على ما يبدو ، قال أن الاضراب حرام و أن العمل عبادة ، على كل حال لا أدري ان كان قوله صحيح فقد عملت طوال حياتي و أضربت متى تسنى لي ذلك فان كان العمل عبادة فقد تعبدت بما فيه الكفاية وان كان الاضراب حرام فقد زرت مكة و أغلب الظن أن الزيارة ستجب ما قبلها كما قال لي ذلك الحاج المغربي الذي ترك عندي مسبحته الأنيقة البنية  …

مرت الأمسية ثقيلة فقد كان مشغولا بصورة ثريا و بواقع البدلة البيضاء الجديدة وبالكنية الجديدة التي فرضت عليه استقامة مضجرة ونفاق لا حد له ممن حواليه ، ربما ثريا هي الوحيدة التي كانت صادقة لم تنظر للجبة بل إلى ما تحتها …نظرت الى الأيام الخوالي .

مرت ليلة لذيذة بمشاهد متخيلة افتقدها منذ انتحل الصفة الجديدة ، لكن النوم لم يكحل عينه إلا قبيل الفجر ، لقد أصبح سجين صورته لدى الناس بينما حصان الشهوة يصهل داخله يريد الانطلاق و كسر الحواجز البيضاء التي تطبق عليه من كل جانب …

في الصباح عزم فقام بمكالمة حاسمة لينهي التردد الذي ينهش داخله … قضى وقته في قضاء بعض الشؤون التافهة وملاعبة أحفاده … مالت الشمس نحو المغيب … حمل حقيبة صغيرة رمى بها في المقعد الخلفي للسيارة وانطلق … مع آذان العصر عرّج على أقرب مسجد ، دخل غرفة الوضوء لم تكن نظيفة كما يجب لكنها تقضي الحاجة ، نزع الجبة البيضاء و البلغة ، لبس سروال من الدجين الأزرق وقميص وحذاء أسود ، سرح شعره أمام مرآة صغيرة ، تسارع الناس للصلاة ، غادر المكان مسرعا قام بجولة طويلة لم يقطع الطريق المعتاد ، دخل ممرا ضيقا وضع السيارة أمام المغازة ، عشرون دقيقة كانت كافية لشراء بعض الأغراض ….ترك السيارة حيث هي وواصل طريقه على القدمين هاتف صغير أسرع على اثره الخطى ، لا أحد يعرفه في هذه المنطقة الا من يمكن أن يعترضه مصادفة ،قبل وصوله لمح شابا يمشي في اتجاهه واصل طريقه كأي عابر سبيل ، التضليل مطلوب  في هذه الحالات استحضر مهاراته القديمة في التسلل  ، بمجرد اختفاء الشاب عاد على أعقابه .. الباب الخلفي للمنزل مفتوح ، دخل البناية ، باب خشبي سميك نصف مغلق … دخل بسلام لم يره أي من الاجوار المتطفلين ، تنفس الصعداء …أغلق الباب خلفه

غرفة استقبال فسيحة ، ألوانها منتقاة بعناية وذوق تحف خشبية على الجدران ، صورة رجل أربعيني في الركن الايمن  ، على الطاولة قطعة قماش بيضاء تغطي شيئا ما يبدو أنه أكل أو ما شابه ذلك … جلس ونادى بصوت خافت …، فتح باب غرفة مجاورة ، خرجت ثريا في كامل زينتها بتدويرة خصرها وطولها المثير و شعرها المنسدل على كتفيها ولباس شفاف يظهر أغلب تفاصيل جسدها المنسي …وبابتسامتها المرحة كالمعتاد .

– حاج …يا حاج …يا مرحبا يا مرحبا …عودة ميمونة .

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.