جُنَّ أَبِي- عَزَّة الجميعي

img

جُنَّ أَبِي- عَزَّة الجميعي
عِنْدِي عَشْرُ مِيدَعَاتٍ وَ مِحـفَظَةٌ وَاحِده..
طَبْشُور لَا يَكْشِفُ الوَزِير مَاهِيته..
وَقَلْبٌ صَلْبٌ أقْرَأُ بِهِ المَنَاشِيـرَ فِي الصَبَاحَاتِ البَاكِرَه..

عِنْدِي آيَاتٌ رَصَّفْتَها فِي رَأْسِي
لَأَتَجَنب الَعـوسَجَ وَالصُخُور وَسَعَادتِي السَاخِره..
وَأَرْضٌ بِحَرَائق سَوْدَاء..
شَقَّقت جِلْدِي بِرِيَاحِهَا العَاتِيه..

وَحْدِي يَاسَيّدْي…
كُنْتُ أَقْطَعُ الطُرُقَات بِلا قهْوَةٍ ..
بِلَا سَيَارَةٍ فَخْمَة..
كَسَيَارَةِ الوَزِيْرِ ..
وَلَا تَتْبَعُنِي القَوَافِلُ
وَلا حَتَى جَارِيه! .
وَحْدِي يَاسَيّدِي..
كَتَبْتُ بِالطَبْشُور ..دُروس النَحْوِ وَالصَرْف..
وَدُروس الرِيَاضِيَات المَوْلُودَةِ مِنْ رُكَامِ الهَاوِيَهْ…

اليَوْمَ..
تَمَزَّقْت المِيدَعَات العَشْر وَصَارت المِحْفَظَةُ خَاوِيه..
وَصَارَتْ هَذِهِ الكَلِمَات..نَشِيْدٌ رَسْمِيٌّ فِي دَارِنَا !
اليَوْمَ ..
تَعِب أَبِي مِنَ السَفَرِ..
وَلَمْ أَعْد أَسْمَعُ صَوْتهُ يُغَنِّي الحَياة الحَالِمَه..
هَذَا النَشِيْدُ الرَسْمِّي فِي دَارِنَا يَا سَيِّدِي! ..
وَأَبِي ،لَمْ يَنْتَظِرْكَ لِتَكُون اللَّحْن فِي أُغْنِيَتِهِ..
أَوْ لِتَقُول : ” شُكْرًا أَيُّهَا المُعَلِّمُ أَوْ شُكْرًا أَيُّهَا المُدِير”..

لَا تُصَدِّق رَبِيْعَ الحَيَاةِ وَحَدِيقة الصيْفِ أو بَعض السَّاعَاتِ العَاجِلَهْ..
بَلْ صَدِقْ قِصَص المُعَلِّمِيْن الهَارِبه..
وَصَدِّق أُمِّي.. العَرُوس الغَافِلَه..
المُسْتَعدِّة لِلسَفَرِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ لَأجْلِ تَعَلِيْمٍ لَا تَعْرِفُ عَنْهُ..
عَدَا أَنَّهُ جِسـر يَبْسِطه أَبِي لِتعبُره الفِتيَة القَادِمَهْ..
لنْ تَحْتَاجَ لِلْخَمْرِ ،فصُورة أبي عَاجِزًا هِي نَشْوةُ السَكَارَى..
نِصْفُ رَاتِبٍ..
نِصْفُ بَيْتٍ..
نِصْفُ قَلْبٍ..
وَتلْمِيْذٌ كَامِلٌ ..
يَرْقُصُ الإِلَهُ فِي دَاخِلِهِ ،وَيْحُرِّكُ أبي رُوحه الرَاكِدَه..

أبي لَمْ يَكُن رَجُلَ سِيَاسَة مِثْلَكَ ..لَكِنَّهُ جُنَّ ..
هَا قَدْ جُنَّ أَبي يَاسَيِّدِي !..
دُونَ أنْ يَكُون زَعِيمًا أو وَزيْرًا أَوْ مُدِيْرًا لِلمَكَاتِبِ الفَاخِره..
جُنَّ دُون أَنْ يُسدِّدَ الدُيُون ..
وَدُون أَنْ يَتْرُكَ رِسَالَة اعْتِذَارٍ ..
لِلبلَدِ السَائِرِ فِي المَمَرَاتِ التَائِهَه..

أَبِي لَمْ يَكُن رَجُلَ سِيَاسَة مِثْلكَ..لَكِنَّهُ كَان يَمْينِيًا..
وَكُنْتُ عَاقَةً بِاليَمِيْنِ..
مُؤمِنَةً بَأَبِي..
وَكُنْتُ مُنْتَصِرةً لِليَسَارِ..
ورَآهَا أَبِي وَصْمَةَ عَارِي..
لَكِنَّهُ آمَنَ بِي ..

هَا قَدْ جُنَّ أَبِي يَاسَيّدِي !
وَلَمْ نَعُدْ فِي غُرْفَةْ الجُلوس نَنْتَظِرُ البَيَانَاتِ الصَادِره..
القَرَارُ لَيْسَ بِيدِكَ..
أَنَا وَأَبِي ..أَكْثَرُ النُفوسِ العَارِفَه..
أَنَّ القَرَارَات بِيَدِ البُلْدَانِ الكَاذِبه..
لِذَلِكَ صِرْنَا نَنْتَظِرُهَا فِي المِرْحَاضِ !..
أَ تَعْرِفُ يَا سَيِّدِي !
مَنْ هُوَ أَشدُّ خَطَرًا عَلَى الدَوْلَة مِن أَعْدَائِهَا الحُثَاله !
إِنُّهُ رَجُلٌ اعْتنق السِيَاسَة عَنْ جَهَالَه..

أَبِي لَمْ يَطْلُب أَكْثَرَ مِنْ خُبْزٍ يَقْضِمه مَعَ الطَبْشُور..
وَبِضْعُ كَرَامَةٍ طَائِشه..
حَتَى يَشْرِبَ عَرَقَهُ فِي الظلِّ..
دُون أَنْ يَلْعَنَ الشَمْسَ الحَارِقَه..

حُزْنُ أَبِي جَعَلَنِي أَرَى كُلُّ الخَفَايَا ظَاهِرَه ..
كَكمُونِ النَّارِ فِي الحَجَر ،
كَانَتْ المَآسِي فِي الحَشَى كَامِنَه ..

كُلُّ الوُدِيَان التِّي قَطَعَهَا أَبِي مَمْلوءةٌ هَالِعَه..
كُلُّ السَيَارَاتِ الأُجْرَة التِّي امْتَطَاهَا أبِي غَاضبَةٌ سَاكِنَه..
كُلُّ المَدَارِسِ المَنْسِيَّةِ التِّي أَحـيَاهَا أَبِي قَلِقَةٌ خَاشِعَه..
إِلَّا تَلَامِيْذُ أَبِي..
فَإِنَّهُم..
جِرَاحٌ مُنِتَصِرَةٌ قَائِمَه..
رَغْم النُصُوص ،التِّي لَمْ نَعُد نَلْمَحُ مِنْها غَيْرَ أَطْيَافٍ شَارِده
وَمُقَرّرات خَاسِره..

يَا كُلّ مُعَلِّمِي الإنسَان وَصُنَّاع الإِلَه..
اسْمَعُوا نِدَائِي..
ومزّقوا كُلّ البِدْلَات الرَسْمِيَّة أو إن شِئْتم فارتَدُوهَا مِنْ دُونِ مَلَابِسَ دَاخِليَّة..
المُهّم هُوَ أَنْ تَسمَعُوا قَوْلِي..
فَقَدْ جُنَّ أَبِّي وَلَمْ تَبْقَ مِنْهُ إِلَّا نَظَرَاته الذَابِلَه..
وَالسّطور المَخْطوطَة بَثَبَاتٍ رَغْمَ الآلام العَاصِفَه..
أَبِي لَمْ يَعُدْ صَيَّادَ معْرِفَةٍ مَاهِرٍ ..
اغْفِرُوا لَهُ اعْوجَاجَ رِجْلِهِ..
وانْحِنَاءَ ظَهْرِهِ..
وَبَيَاضَ رَأْسِهِ..
وَغَلَاظةَ يدَيْهِ..
واضْحَكُوا مَعَنَا مِنَ الوَجَعِ..
وَاسخَرُوا مَعَنَا مِنَ البَيَانَاتِ..

هَذَا هُو النَشِيْدُ وَقَدْ انْتَهَى جَرَّاء حَرْبٍ دَامِيه..
وَأَبي سَيغْضب لِأنِّي نَظَمْتُ قَصِيْدَةً بِلَا بحْرٍ أَوْ قَافِيه..
لِكَّنَكَ يَا أَبِي كُلُّ البَحْرِ..
وَمِحْفَظَتُكَ هِي القَافِيه ..

لَقْد حَانَ الوَقْت ،بَعْدَ أنْ صِرْنَا جَمِيْعًا مَسْرَحْيَةً مَأْسَوِية صَادِقه..
بَارَكَهَا الرَبُّ فَصِرتَ فِيْهَا نَبِّيَ العُلُومِ القَاتِمَهْ
حَانَ الَوْقْت لأسَمِّيْكَ “إِلَهَ هَذَا الدَهْرِ” ..
لَا غُبَار الأيَّامِ الخَادِعَه..

أَبِي لَيْسَ فَيْلَسُوفًا هِنْدوسِيًّا لَكِنَهُ يَبْحَثُ عَنِ الخَلَاصِ..
أَبِي لَيْسَ فَيْلَسُوفًا يونَانِيًّا لَكِنَّهُ يَبْحَثُ عَنِ الحَقِيْقَةِ الخَالِدَه..
أَبِي لَيْسَ صُوفِيًا لَكِنَهُ مُذَّاكَ فَنَى فِي الأولوهيَةِالدَائمَه..

لِنَكُن كَمَا الرِيْح يَا أَبِي..
لَا نُجِيْدُ الرَقْص لَكِنَّنَا نَرْقُصُ ..
مَعَ العَاهِرَاتِ وَالسِّيَاسِيين رَقْصَاتِهمِ الخَادِعَه..
رَقْصَةٌ مَا بَيْنَ اللَّه وَالعَالم..
لِنَجْرُأ مَرَّةً يَا أَبِي ..وَلنَترك بَابَ الجَنَّةِ شَاسِعَ!

أمَّا أَنْتُمْ..
فَكُلّوا ،اشْرَبُوا ، طُوفُوا بِالكَعْبَةِ ..
تَوضَؤوا بِالمَاءِ أو بالمَحَبَة..
مَاعَادَ ذَلِكَ يَعْنِينِي..
إِنَّهُ لَيْسَ جُرْحًا ،فَلَا تَخَفْ يَاسَيِّدِي..
إِنَّهُ فَمِي فَقَطْ الذِّي يُغَنِّي..

إِنِّي لَا أسْأَلُ عَنِ الحَقِّ العَادِلِ..
القَلْبُ المُتَكَبِّرُ المَجْرُوح لَا يَسْأَلُ عَن العَدَاله..
العَدَالَةُ كَالبُكَاءِ ،لَيْسَتْ كَافِيَه..
وَهَذَا القَلْبُ يَا سَيِّدِي يَحْتَقِرُ العَدَالَهْ..

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: