جمالية حضور الحامل الجاهز في المقاربات التشكيليّة المعاصرة

img

جمالية حضور الحامل الجاهز في المقاربات التشكيليّة المعاصرة

 بقلم مريم رحائمة  

باحثة بمرحلة الدكتوراه (علوم الفنون وتقنياتها)

أقدم الفنان المعاصر على تعاطي الفن تحت سلطة المفهوم، فأسّس بذلك نمطا فنيا خاصّا به. حيث اختزل العمليّة الإبداعيّة في تقديم غرض أو حامل جاهز بعد أن شحنه بجوانب نظرية تحدّد الغاية من هذا السّلوك المبهم. فأحدث هذا الفنان بموجب ذلك منعرجا حاسما في معنى الإبداع حيث انتقل من فعل التشكيل بما يحمله هذا الفعل من تفاعل للعناصر التشكيلية والاختيارات التقنية والمادّية والتعبيرية للفنان، إلى فعل الاختيار للغرض المقدّم بما يحمله هذا الفعل من إشكاليّات فكرية ونظريّة. فقد “اكتفى الفنان المعاصر باختيار أغراض مصنّعة ومستهلكة وتقديمها للعرض معلنا عن طرحه لرهانات جديدة ما فتئت تبعد النحت عن أصوله القديمة، الشيء الذي ذهب بالبعض إلى حدود الاكتفاء بتقديم ملفات أبحاثهم وصورهم الفوتوغرافية وأفلامهم كنماذج بحثية مكتفية بذاتها (…) فالفن في أشكاله المعاصرة هو حوار بين الذات والعالم المحيط بها وبين الجزئي والمتناهي. ففكرة الامتداد مثلا دفعت بالفنان كريستوChristo  ليلفّ المباني الضّخمة والأسوار الطويلة والفضاءات الرحبة بالأقمشة “[1].

أصبح الحامل الجاهز جوهر التجربة الانشائيّة في الممارسة التشكيلية المعاصرة وموضوعها الأساسيّ. بعد أن تنكّر لحقيقته ولوظيفته الأصليّة. حيث صار منجزا فنيا ووسيلة إبداعيّة تملك أحقية الوجود الفني الخلاق، الذي يفتحنا على الحديث عن فعل الاختيار كجوهر الفكرة وأصل الصياغة الفنية. وعن فعل التقديم كرؤية جماليّة جديدة بعيدة كل البعد عن المقاييس والمعايير الفنية الكلاسيكيّة والحديثة على مستوى العرض والتلقي.

فلئن اقترن الفن الكلاسيكي بمفاهيم المحاكاة والتمثيل فإنّ الفن المعاصر مع ظهور الحامل الجاهز قد ارتبط بولادة مفهوم جديد وهو التقديم. حيث انفصلت فلسفة الفن المعاصرة عن الطرق التمثيليّة القديمة لتلتحم بطرق مستحدثة ترفض أن يكون للجانب التطبيقي أو للحذق التقني دورا في تقييم الإبداع. كما تنفي اختزال الفعل الإنشائي في إعادة انتاج الواقع بدقة متناهية. وهو ما أسهم في ظهور أنماط فنية تقوم على مفهوم التقديم.

لقد ميّز مفهوم التقديم الممارسات الإبداعية المعاصرة. ويرادفه في الفرنسيّة لفظ présentation. وبالعودة إلى المعجم الفرنسي فإنّ هذا المصطلح يعني العرض والكشف والتقديم والإظهار[2]. وبالعودة إلى موسوعة لالاند الفلسفيّة فإنّ مصطلح “مثول” يعتبر الأقرب والأفضل في التعبير عن لفظ présentation رغم وجود كلمتين مصاحبتين وهما الحضور والعرض. ويحدّد لالاند لفظ المثول بما هو ” كل ما يمثل للفكر كل غرض معرفي بالمعنى الأوسع للكلمة (…) والمثول كما في النفسيات الاختباريّة مرحلة من تجربة تقوم على جعل الذات تدرك موضوعا معيّنا. يمكن للمثول أن يكون بصريّا فيسمّى عندئذ عرضا « exposition»  أو سمعيّا أو لمسيّا. إ نّ المثول يظلّ الشيء من خلاله تحت حاسّة أو حواس الذات”[3]. وقد يقرّبنا هذا التعريف من الغاية التي يروم الفنان <المعاصر بلوغها من خلال تقديم حامل جاهز. وهي دعوة المتلقي إلى ادراك الأشياء بالذهن والفكر وليس بالعين وحاسّة البصر. فلو أخذنا عمل “الكرسيّ” للفنان Joseph Kosuth مثلا نجده قد قام على مفهوم التقديم الذي يختص ببعديه النظري والبصري.

 

 

Joseph Kosuth, chaise en bois et deux photos,

l’une de la chaise et l’autre de la définition du mot chaise,

200*271*144 cm.

 

يمثّل هذا المنجز الفني طفرة نوعيّة في تاريخ الفن المعاصر. حيث يختزل فيه الفنان إنشائية الأثر في فعل التقديم. فهو يقدّم صورة فوتوغرافيّة للكرسي وتعريف لفظ كرسيّ كما يعرض بين هذين الملصقين كرسيّا حقيقيّا. إنّ هذه الصيغة الفنية لحضور الأثر الفني غامضة ومبهمة ومثيرة للعديد من الاستفهامات حول الأبعاد والغاية من وراء هذه العمليّة. فالمشاهد تستفزّه مثل هذه العروض بشكل يجعله يبحث عن مبرّرات لهذا السّلوك الفني الغريب الذي يبشر بميلاد فن جديد يقوم فيه فعل التنصيب بالدّور الجوهري في العملية الانشائيّة.

يعكس إذا مفهوم التقديم فحوى التجارب الفنية المعاصرة التي امتنعت عن التمثيل والتصوير والفعل التشكيلي اليدوي عموما. لتشرع في ممارسة الفن فكريّا عبر البحث في الأشياء المحيطة بنا والأغراض والحوامل التي بإمكانها أن تترجم عن قضايا فكرية وفنية عميقة. وبذلك أعلن الفنان المعاصر عن احيائه للحامل الجاهز احياءا تشكيليّا يحدث انقلابا كلّيا في معنى الفن. حيث أعلن روّاد النحت المستقبلي بقيادة بوتسيوني عن “إلغائهم المطلق والكلّي للخط والمنحوتة المغلقة وانفتاح الصّورة الفنية على سعة المحيط “[4]. بمعنى أنّ الصّورة الفنية المعاصرة لم تعد تلتزم بمعايير تشكيليّة معيّنة أو تحتكم إلى مقاييس وقيم جماليّة مسبقة. وإنّما باتت مفتوحة على العالم، فكلّ ما في العالم من أشياء وأغراض يمكن أن تكون فنّا.

كما تعتبر عجلة درّاجة ديشومب من أبرز الأعمال التي عبّرت عن مفهوم التقديم بما هو فعل انشائي يقوم في جوهره على التنصيبة. فالعجلة قد خرجت عن وظيفتها الأصليّة وتنكّرت لماضيها  لتوضع في صالة العرض مساهمة بموضعها الجديد في اثارة المتلقي وجلب اهتمامه.

 

 

Marcel Duchamp, Rouede Bicyclette, 1964,

 roue de metal et tabouret en bois pient,

126*31.5*63.5 cm, Paris,

 Musée National de l’Art Moderne.

 

لعلّنا في هذا الاطار نقف عند زاوية اخرى أكثر التباسا في خصائص عرض الأثر الفني المعاصر.  حيث امتنع الفنان عن عرض عمله على الطريقة الكلاسيكيّة ليبتدع أساليب جديدة أكثر تعبيرا عن المفهوم أو الفكرة. وهو التشكيلات المشهديّة أو التنصيبة Installation. وقد دعّم هذا الأسلوب في العرض قدرة الفنان على البحث في علاقة الأثر بالمتلقي لتخرج عن كلاسيكيّة الإدراك. فلئن كانت العلاقة قديما يحكمها جدار التّأمّل فإنّ الفنان المعاصر قد سعى إلى هدم هذا الجدار ليتداخل فضاء العرض في فضاء التلقي. وهو ما يقلص الحدود والمسافات الفاصلة بين المتلقي والأثر. فالتنصيبة تزخر بالمعاني والدّلالات كما تعتبر أكثر رحابة وانفتاحا مقارنة بالمنحوتة الكلاسيكيّة حيث تدمج التنصيبة المتلقي في فضائها وتجعل حضوره فاعلا بل مكمّلا لإنجازها.

وبالتالي اقترن تقديم الحامل الجاهز بولادة وضعيّة جديدة للمشاهد الذي أصبح حضوره فاعلا ومتفاعلا مع ما يعرضه الفنان من الحوامل والأغراض التي قدّمت رؤية فنية جديدة أحدثت بدورها المنعرج. وتوجّهت بالفن نحو مسارات أخرى من الإبداع تنشأ فيها علاقة تفاعليّة بين الفنان والمتلقي. فالمنجز الفني المعنون بالكرسيّ يسائل معنى الأثر الفني إذ يقدّم الفنان الكرسي كفكرة وكصورة وكمادّة تتحيّز موقعا من الفضاء. وكأنّنا به يريد أن يكشف حقيقة الأثر الفني الذي يتكوّن من ثلاثة عناصر: وهي الفكرة والمادّة والصّورة. ولعلّه بذلك يجعل المتلقي في مواجهة مباشرة مع ما يطرحه الأثر من إشكاليّات نظريّة، فهو يجزئ الأثر محاولا طمس هويّة الكرسي حين يفكك وحدته. إذ يبدو أنّه يسعى إلى تخليص الكرسي- الفكرة من الكرسيّ- المادّة ومن الكرسي -الصّورة.

احتلّ اذن الحامل الجاهز موقعا هامّا من المسار الجمالي المعاصر إذ نجده يقتحم فن التصوير الزيتي ليتّخذ حيّزا من اللوحة ذات الفضاء ثنائي الأبعاد شأنه شأن الأشكال والألوان وذلك مع كل من الفنان Malevitch Kazamir  والفنان  Schwitters Kurt.

 

MALEVICH Kazimir, 1914

huile sur toile avec collage,

timbres et thermomètre,

53,7×44,8 cm, New-York.

 

 

SCHWITTERS Kurt, 1919

carton, bois, métal, peinture,

 102,87×83,82 cm, Los Angeles.

  

أثبتت هذه التجارب قدرة شاسعة لدى الفنان في تجاوز الموروث التشكيلي تقنيا وإنشائيّا وجماليّا بشيء من الاستنباط والابتكار والتجديد. وكأنّنا به يعلن بذلك عن عدم قناعاته بالموجود الفني باحثا عن مسار تشكيلي جديد يحتلّ فيه الحامل الجاهز النواة المركزية للعملية الابداعية. ف“الفنان الذي يبحث عن الوسائل التشكيلية ليعبر عن الأشياء المبهمة لديه لا يستطيع أن يلجأ إلى الأشكال والرّموز والتركيبات التعبيرية نفسها التي استفذت معناها وفقدت سحرها بسبب شيوعها المفرط واستعمالاتها المتكررّة، عليه أن يجد تركيبات جديدة والمفردات التشكيليّة التي تملك تأثيرا جديدا أو مباشرا ومرادفا في الأهمية لما يريد أن يقوله”[5] على حدّ تعبير الناقد ناثان نويلر.

إنّ الفنان مارسال ديشومب هو من أشعل فتيل الرغبة في الانفلات والتمرّد على الممارسة التشكيليّة الكلاسيكيّة منذ سنة 1917 حين عرض مبولته الشهيرة على أنّها أثر فني قائم الذات. ومنذ تلك اللحظة أصبحت العملية الإنشائية نمطا مغايرا لمعنى الفن والأثر والفعل التشكيلي. وهو نمط يأخذ منحاه من البحث الدائم عن التجديد. حيث تظهر أجناس تشكيليّة يستعصي علينا تصنيفها ضمن الرّسم أو النّحت. ربّما تكون أعمال مهجنة لكنّها تتمحور حول الحضور الفاعل للحامل الجاهز. ونخصّ بالذكر هنا الفنانة Louis Nevelson  في عملها Mirror-Shadow VII .

 

Louise Nevelson, Mirror-Shadow VII,

 1985, 90*100*10 cm.

 

قد يمكننا تصنيف هذا الأثر ضمن فن الجداريات. لكنّه على ما يبدو جدارية معاصرة تنبني أساسا على الغرض الجاهز. إذ تتخذ منه مادّة وأداة لنسج العمل الفني. وإنّ نظرة سريعة في تاريخ الفن تثبت تورّط الحركة الدادائية في انحراف الفنان عن النهج الكلاسيكي للفن. وذلك منذ مطلع القرن العشرين. حين تحدّت القيم الفنية السائدة وسخرت من كلّ ما هو كلاسيكي. حيث “تشكّلت المجموعة الدادائية الأولى في معارضة صريحة للنظام الاجتماعي الموجود وللمفهوم البورجوازي للفن بزيريخ  منذ 1916، بقيادة هانس آرب وهيقو بال وتريزتون تازارا… وبسرعة كبيرة أخذت هذه الحركة اشعاعا عالميا حيث اجتمع عديد الفنانين من مختلف دول العالم بباريس وبرلين ونيويورك تحت اسم دادا. ومثلما يشير لفظ دادا فإنّ الحركة تتميّز بالنّزعات اللا عقلانية واللا فنية. والدادائية هي فن الشك والجدال والسخرية… وهو فن يخلو تماما من الحقائق المطلقة. وكان ديشومب وفرانسيس بيكابيا من أبرز الفنانين الدادائيين الذين استفزوا الذوق الفني للعموم”[6].

تتالت التجارب الفنية بعد ظهور الحركة الدادائيّة التي أكسبت الفن آفاقا رحبة وأدوات تعبيريّة لا حدود لها. فأصبح الأثر الفني شاهدا حسيا على الفكرة. كما أصبح مرتبطا بالحاضر في جميع مراحله وتعبيراته لتتلاشى نظرية الخلود تدريجيا. كما ظهر في الأثناء قانون التصرّف والتفرّد والتّجديد المستمرّ والتّجاوز الدّائم للقيم الكلاسيكيّة. حيث أقلع كلّ من الفنان بيكاسو والفنان أرمان والفنان مان راي والفنان جوزيف بويز وغيرهم عن تعاطي الفن وفق النمط الإبداعي المألوف وذلك بعد تبنيهم فن السّابق التجهيز. فالمطلع على تجربة الفنان بيكاسو في الخزف مثلا يكتشف ميله الصّارخ لابتداع تقنيات خزفية يخضع فيها الحامل الجاهز الصنع إلى معالجة تشكيلية تقوم على تهجين المواد.

 

Picasso Pablo

Verre d’absinthe, 1914, bronze peint et sablé,

(verre moulé, sucre moulé)

 et cuillére à absinthe,

 21.5*16.5*6.5 cm, Paris, M NAR.

 

ضمن هذا المنجز الفني تنكّر بيكاسو لتقنيات الفن الكلاسيكي تماما ليعلن عن ميلاد فن جديد يعلو عن التصنيفات القديمة. إذ نجد أنفسنا إزاء أثر فني تندمج فيه تقنيات النحت مع تقنيات الخزف. ويتجاور فيه العنصر التشكيلي مع الحامل الجاهز. وكأنّنا به يسعى إلى تبرير اقراره بأنّ “الشيء الأكثر استعمالا يوميا هو مركب وناقل لفكرتي”[7]. بمعنى أنّه يستدعي الغرض الجاهز باعتباره مادّة فنية يختارها من جهة كونها أكثر قدرة تعبيريّة على أفكاره مواقفه.

 وعلى هذا الأساس يقترن الحامل الجاهز بالفكرة. بل يمكن اعتباره تجلّيا للفكرة. إذ “يقف “الرّايدي مايد” موقفا معاديا للرّسم. فهو قبل كل شيء معاداة للوحة. وإذا كان الفن قائما على مفهوم الحرفة والعمل فإنّ ديشومب يعتقد أنّ هذه الخاصيّة ليست حكرا على الفنانين. إذ لكلّ إنسان القدرة على العمل ولهذا أنكر انتسابه إلى الفن بمفهومه القديم وجعل من “الرايدي مايد”ز الأطروحة الدالة على تخطي الوضعية الاطاريّة الضيقة التي نزّل فيها المجتمع الفنانين”[8]. وهنا يتجاوز الفنان المعاصر أبعاد الفن بما هو حرفة يدويّة ليؤسّس بواسطة الحامل الجاهز أبعادا جديدة تتّخذ من الفكرة والمفهوم ركيزة أساسيّة. فها هو الفنان أرمان يعبّر عن مفهوم التراكم باستعمال بقايا السّيارات في عمله الشهير Parking de Longue Durée .

 

Arman, Parking de Longue Durée, 1982,

59 voitures dans beton, 19.5*6.09*06*09 m.

 

ركّز الفنان أرمان في هذا العمل على التعبير عن المفهوم. فطوّع الحامل الجاهز ليكون خامته في ذلك. فالمتأمّل في هذا الأثر لا ينتبه إلى العدد الهائل للسيارات بقدر ما سينتبه إلى كيفية حضورها، أي إلى تراصفها وتراكمها بعضها فوق بعض، لتشكل جميعها مخلوقا فنيا فريدا من نوعه ولا امتداد له في الماضي. ف“العمل الفني هو تجلّ للفكرة، مجرّد فكرة وليس غرضا ما”[9].

 لعلّ الفنان المعاصر بذلك يضع الممارسة الفنية موضع بحث واستشكال. إذ يطرح هذا النسق الفني مسألة الفن. فهو يسائله ويتساءل عن معنى الإبداع إن كان حرفة يدوية وتقنية أم فكرة ذهنية تتجلى في غرض من الواقع ؟

يتسارع انتشار هذا النسق الفني الذي يتّخذ من الحامل الجاهز وسيلة لإظهار أفكاره خاصّة في النّصف الثاني من القرن العشرين وذلك مع الفنان مان راي حيث اتخذ من مفهوم الاخفاء والتغليف توجّها فنيا ضمن تجربته التشكيليّة.

 

MAN RAY, L’Enigme d’Isidore Ducasse, 1972,

machine à coudre,laine et ficelle,

35,5×60,5×33,5 cm, London, Tate Collection.

 

يكشف هذا النمط الفني بوضوح تحوّل الفن من عهده الأكاديمي الذي يختزله في صورة فنية تتبنى قيمة الجمال إلى عهد جديد لا يهتم بظاهر الاثر بقدر اهتمامه بباطنه. أي بما يعكسه من أفكار ومفاهيم. وقد تعزّز هذا التوجه في اللحظة المعاصرة خصوصا مع كلّ من الفنان Cragg Tony والفنانة  Borchi Ennica.

 

 

 

 

 

CRAGG Tony, Palette, 1985,

divers objets en plastique bleu, jaune, rouge,

disposés au mur.

 

 

BORGHI Enrica, (Robe bleue),2005, bouteilles et sacs en plastique,Nice, MAMAC.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعكس هذه الأعمال هوس الفنان المعاصر بالغرض الجاهز. كما تكشف محاولاته الكبيرة لاستنطاقه واستنزاف إمكانياته التعبيريّة. فهذه الأعمال تتّخذ من الغرض الجاهز مادّة لنسج أثر فني يتعالى عن أيّ انتماء لإحدى الأنواع أو الأجناس الفنية. حيث يأبى تصنيفه ضمن النحت أو الرّسم أو الخزف أو النسيج. ليكتفي بتحيّزه موقعا من المشهد الفني باعتباره عملا ابداعيّا ذو أبعاد فكريّة وذهنيّة فحسب. وهذا ما ورد على لسان الدّكتور وحيد العوي في كتابه رهانات النحت المعاصر حين أقرّ أنّ :” النحت الغربي في مفهومه المعاصر يمثل نوعين مختلفين من التوجهات أوّلهما يبسّط فيه مفهوم النحت إلى درجة تجعل كلّ شيء نحتا ويعتبر ذلك ميراثا للفن السّابق التجهيز، وثانيهما توجّه يصبح من خلاله المشروع النحتي مشروعا ذهنيا صرفا ويعتبر ميراثا للفن المفاهيمي”[10]. ولعلّ مصطلح المشروع النحتي الذهني أفضل تعبير عمّا نشهده اليوم من ممارسات ابداعية وصل فيها الفنان إلى حدود تحنيط كائنات حيّة وعرضها كآثار فنية وحوامل جاهزة  وذلك مع الفنان Hirts Damien.

  

 

Hirts Damien , Mére et enfant divisés, 1995,

190*322*109 cm, Londres.

 

إنّ هذا الإهتمام المفرط بالجانب النظري في العمل الفني قد جعل الفن ينحرف عن مساره التقليدي على مستوى الإنتاج والتلقي. فقد اخترق كلّ النظم والمعايير ليشكّل الحامل الجاهز وجها جديدا من أوجه الفن المعاصر الذي أكسب الابداع رؤية بعيدة عن المقاييس الفنية القديمة والحديثة من خلال نزعته النظرية والفكريّة. حيث يكتنز الحامل الجاهز بطاقة فكريّة هامة فهو الذي ينقل الافكار. فرغم ما يبدو عليه من بداهة وبساطة فإنّه يشتمل على قدرة بليغة في استيعاب المفاهيم التشكيليّة النظريّة. ولعلّ ذلك ما أقرّ به فنانوا العصر الرّاهن على لسان الفنان مارسال ديشومب حين قال:” أنا أهتم بالأفكار وليس فقط بالإنتاج المرئي”[11].

سقطت إذا صورة الفن بمعناه الأكاديمي حين احتلّ الحامل الجاهز موقعا من المشهد الفني ومكانا من قاعة العرض المتحفي ليكون لهذا المشهد التشكيلي الجديد بداية عهد فني تنقلب فيه الموازين رأسا على عقب على مستوى المفاهيم والتقنيات والقيم الجماليّة.

لقد أثار الحامل الجاهز اضطرابا في الوسط الفني حيث دفع النقاد إلى إعادة التفكير في معنى الفن الذي صار أكثر تعقيدا بعد أن بات الفنان ينحو نحو القطيعة مع تقاليد الفن الكلاسيكي مادّة وتقنية وأسلوبا. فتعدّدت التجارب واخترقت المألوف وانفلتت المحاولات عن النسق المعقول، لتنطلق في بحثها الدّائم والمتواصل عن الجديد في ظلّ الالتزام ب”الفن- الفكرة” والتنكّر كلّيا “للفن- الممارسة”. غير أنّ هذا النّسق الفني قد أحدث سجالا نقديّا بين منظري الفن. فبعضهم دعّم توجّه الفنان نحو الفن-الفكرة والبعض الآخر انتقد ذلك بشدّة، حيث رأوا أنّ تجربة مارسال ديشومب تشكّل نمطا مميّزا منح الفن أبعادا ثريّة بالبحث الفكري المنظّم. ولكن لا يمكن لهذا النّمط أن يلقى استمراريّة مع باقي الفنانين لأنّ قوّة هذا النمط الفني تكمن في لحظات ولادته الأولى. حيث صرّح الفنان جيرار قاروست Gerrad Garouste قائلا:” بدلا من عرض لوحاتي سأعرض مسندا مغطّى بلطخات أو ميدعة رسم وسيكون دون شكّ أكثر حداثة ولكنّ حيل هذه الأيّام تدلّ على الحماقة والإعجاب بكلّ شيء شائع، أعجبني عمل ديشومب أمّا ما يفعله الآخرون في وقت لاحق فهو دون ذلك”[12].

إنّ النّمط الإبداعي المعاصر يورّط الفنان ويوقعه في محاكمة نقديّة صارمة ما لم يحاول الخروج عن مسار أسلافه. فأن يكون الإبداع فكرا وليس ممارسة فذلك لا يعني تكرار ما فعله أسلافنا أو أن تكون تجاربنا امتدادا لتجاربهم واستكمالا لها. وإنّما هو بحث لا يتوقّف في مستجدّات واقعنا والأشياء المحيطة بنا، والتي قد نتعثّر بها دون أن ندرك قيمتها الجماليّة والفنية ومقدرتها على تبليغ مواقفنا ورؤانا. فديشومب لم يضع أمامنا نمطا فنّيا لنتبعه. وإنّما أظهر لنا نوعا فكريا لا يقبل الفكر المنمّط. إنّه فكر يتّخذ من الابتكار والتّجديد والاختراق والتجريح الفكري قيما فنية ومبادئ تشكيليّة، نلتزم بها لأنّها تؤمّن تحرّرنا وانفلاتنا من أيّ مثال قد يعرقل إبداعنا أو يعيقه، طالما أنّ ” العمل النحتي في شكله التقليدي أو المعاصر في صورة غرض يقع تحويل وجهته الوظيفيّة إلى أخرى فنية يبقى دائما ذات المنحوت المحجم والثلاثي الأبعاد المقدّم فوق محمل أو دونه. كما أنّ أقطاب الجذب بين عناصره ووسائل ادراكه تبقى هي نفسها والمتغيّر الوحيد هو جوهر الفعل النحتي وسياقات انتاجه ورمزيّته ودلالاته وهذا ما يميّز بين منحوتة فينيس عن مبولة ديشومب”[13].

 

 

 


المصادر والمراجع:

  • وحيد العوي، رهانات النحت المعاصر، مطبعة دار نهى للطباعة – صفاقص – تونس، الطبعة الأولى 2015.
  • نزار شقرون، رهانات الفن الغربي المعاصر، دار محمد علي للنشر، صفاقص، الطبعة الأولى، 2013.
  • ناثان نويلر، حوار الرؤية: مدخل إلى تذوق الفن والتجربة الجمالية، ترجمة فخري خليل، مراجعة جبرا ابراهيم جبرا، المؤسسة الغربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1992.

 

 

  • MARZOUNA Daniel, Art conceptuel, éditions Taschen , 2005.
  • COLLIN Jean Pierre, SELORO N Françoise, Le Rôle De L’Art Dans Les Transformations Sociaux, éditions Publisud.
  • LEWITT Sol, Beaux arts magazine hors série manifeste, l’art des années 60 à nos jours, éditions Centre Pompidou, Paris, 1992.
  • Picasso et la Céramique, Musée nationales des beaux-arts du Quibec, Gardiner, Museum of Ceramic Art, Musée Picasso, Antibes, éditions Hazan, 2004,
  • BOCIOMI, cité par De Merdieu Floronce, Histoire Matérielle et Immatérielle de l’Art Moderne, Ed, Bordas Cultures, 1994.

 

[1]  وحيد العوي، رهانات النحت المعاصر، مطبعة دار نهى للطباعة – صفاقص – تونس، الطبعة الأولى 2015، ص.52.

[2] LA ROUSSE. www.larousse.fr/dictionnaires/français/présentation/63698  « Presentation : 1) Action de présenter quelque chose au public : Assurer la présentation du journal du télèvisé/2 Manifestation au cours de quelque chose est montré au public./ 3) Action et manière de disposer, d’agencer quelque chose pour le laisser voir, lire, entendre ,ect…/4 Action de présenter, de montrer quelque chose à quelqu’un »

[3]  موسوعة لالاند الفلسفيّة، ترجمة خليل أحمد خليل، إشراف أحمد عويدات، المجلّد الثاني 1034، منشورات عويدات، طبعة عدد 02، 2001، ص.1034.

[4] BOCIOMI, cité par De Merdieu Floronce, Histoire Matérielle et Immatérielle de l’Art Moderne,  Ed, Bordas Cultures, 1994.pages 326. « Renversons donc tout le proclamons l’abolition absolus et complète de ligne finie et de la statut fermée, ouvrons grand la figure et en formons avec elle l’environnements ».

 ناثان نويلر، حوار الرؤية: مدخل إلى تذوق الفن والتجربة الجمالية، ترجمة فخري خليل، مراجعة جبرا ابراهيم جبرا، المؤسسة الغربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1992، ص. 232.[5]

[6] MARZOUNA Daniel, Art conceptuel, éditions Taschen , 2005, pages 121.

« …En opposition ouverte avec l’ordre social existant et la conception bourgeoise  de l’art, le premier groupement dadaïste se forme  au Gabarret à Zurich en 1916 sous l’impulsion notamment de Hans Arp, Higo Ball et Tristan Tazara. Le mouvement  dadaïste prend vite  des allures internationales ; des artistes se réunissent ou non et dans l’esprit de Dada à Paris, Berlin et New York comme l’indique le mot « dada » le mouvement se caractérise par ses tendances irrationnelles et  anti- artistique. Dada c’est l’art du doute, de la polimique et de l’ironie, un art dénué de vérités  absolues. Tandis que Duchamp, Francis Bicabia, Man Ray et d’autres mettent à l’épreuve le bon gout du public … ».

 

[7] Picasso et la Céramique, Musée nationales des beaux-arts du Quibec, Gardiner, Museum of Ceramic Art, Musée Picasso, Antibes, éditions Hazan, 2004, pages.22.  « L’objet le plus quotidien est un vaisseau, un vehicule de ma pensée ».

[8]  نزار شقرون، رهانات الفن الغربي المعاصر، دار محمد علي للنشر، صفاقص، الطبعة الأولى، 2013، ص.31.

[9] LEWITT Sol, Beaux arts magazine hors série manifeste, l’art des années 60 à nos jours, éditions Centre Pompidou, Paris, 1992. « l’œuvre d’art est la manifestation d’une idée, c’est une idée et pas un objet ».

[10]  وحيد العوي، رهانات النحت المعاصر،نفس المرجع السابق، ص.49.ص.50.

[11] DUCHAMP Marcel, cité in livre Dada et surréaliste, pages 15. «  je m’intéressais aux idées pas seulement aux production visuelles ».

[12] COLLIN  Jean Pierre, SELORO N Françoise, Le Rôle De L’Art Dans Les Transformations Sociaux, éditions Publisud, 1994, pages 36. « …Plutôt que d’exposer  mes tableaux, je pourrais exposer un chevalet couvert de taches ou mon tabliet du peinture. Ce serait moderne sans doute, Mais ces astuces de nos jours c’est du snobisme et de bêtise… ».

[13]  وحيد العوي، رهانات النحت الغربي المعاصر، نفس المرجع السابق، صفحة 28.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.