جسد وطني موبوء -راوية صالحي

img

 

مثلها مثل كل مهمشي الأرض ،تستقبل حنان صباحها منذ بزوغ الفجر الأول وخيط شعاع النور الأول تتململ في فراشها ،تفرك جفونها ،تحرك أصابع قدميها المتورمتين من صقيع الماء المتجمد في باطن حقل السيد مال ،تتحسس ساقيها الطويلتين خصرها النحيل في حركة تصاعدية بطنها صدرها ،عنقها وجيدها أين تلمع بعض الخطوط البارزة الناصحة فما هي إلا هيكلها العظمي الموبوء بالهزال الذي اكتسحه لفقر دمها لا حليب دسم ولا جبنة مملحة ولا حفنة لوز وفستق مقشرين تقضي بهما سهرتها الفردية محتسية قدحا من  شراب الرومان .

بعض البثور المتقيحة تغطي وجهها الطفولي تورم يكاد يخنق عينيها المخضرتين الغائرتين في السواد المحيط بهما كسواد فحم شجرة الصنوبر وحطبها المشتعل رفيق حنان في شتاء البلد “لا مدفئة كهربائية ولا سخان مركزي يبث لهيبه في لأرجاء قصر الرب “حاجبيها الكثيفين لم تلمسهم يوما يد عابثة لترتبهم وتزيل عنهم الشيب الذي غزاهم كالتتار ,شعرها الحريري المغزول من خيوط دودة القز والحرير فقط حدوده التي ترسمها خرقة تلتهمه في جوفها .
صياح الديك يذكر حنان بحلول صباح البؤس والروتين وشقاء القوت ،طعامها اليومي بعض خبز مجفف يحتاج لطاحنة أوتوماتكية لهرسه لا لأسنان حنان البيضاء المرصفة حبة طماطم مملحة كعرق بارد يغطي جسد الموت ،وقارورة ماء صغيرة كانت قد سرقتها من بقايا الفضلات التي ألقت بها زوجة السيد مال وهي تقوم بحملة تنظيف لحديقة قصرها الإمبراطوري أين تم كنس الفضلات في مصب لنهر بقرب كوخ حنان مثلها كمثل كنس جل فساد هذا الوطن “إسرق إنهب أقتل أسجن أطمر في مصب للمهملات وأفتح بعيدها أبواب السدود لتحملها لقاع المحيط الهادئ

تحمالت على قدميها المتورمتين في إنتصاب شامخ كأنها نصب تذكاري لبطل أغتيل إثر تحرك شعبي مطالبا بمجانية الصحة والدواء ،قتل وبعد سنون نصب له هذا الصنم بعد أن تناسته جل الأحزاب المحفلية ،لم تنتبه حنان أنها عارية ولا قطعة قماش تلفها تغطي نتوءاتها .

سارت نحو باب كوخها مسرعة الخطوات لتفتحه فلقد لامس مسمعها صوت أمها تناديها خارجا “أفيقي يا حنان أنتظرك الحقي بي للحقل سنحرره من الأعشاب الطفيلية التي انتشرت فيه كالبعوض في فصل تفريخه الموسمي ” سارعت حنان تجري تهرول تعدو تتوقف تعدو خلف صوت أمها تتبعه وتقتفي صداه ،الصوت يعلو أكثر” حنان حنان “أسرعي أنت جد بطيئة “كلما علا عقير الصوت إلا وسارعت حنان هرولة  ،أنفاسها تتصاعد لا يكاد زفيرها ينقضي فيلتقفه شهيقها كما الهاوية  لم تتوقف ولو لبرهة لتستجلي الخبر والصوت . .

إزاء ذلك أهملت حنان ملامح صباحها جسدها عرفها عملها وحتى موت أمها ودفنها في مقبرة خارج حدود قصر السيد المال ،تجري وتجري فتقع.

يد تمتد لها تقيها وقوعها والإنكسار والتحلل والذوبان في تربة موحلة بالظلمة ،لقد كانت يد أمها الممدودة تقطر دما بلا أصابع مثبتة فقط دم وعظم ،تمسكت حنان باليد المبوسطة لها و نهضت من وقوعها المؤكد ولكن هيهات عاد صوت أمها يناديها حنان لقد تأخرت عني أسرعي يا إبنتي أسرعي “ازدحام صوت أمها وصورتها ويدها الممدودة لها ترتبك فتكاد أن تسقط ثانية ،فيغيب الصوت وتحضر اليد لتحيط بخصرها وتمنعها السقوط.

صوت يد ، يد صوت ثنائية المبهم في حضرة الشرود

في المقبرة توسدت حنان قبر أمها ملتحمة معه كأنه فرش وافر الدفئ صنع للأمراء والنبلاء أو حضن أمها التي فارقتها بعد رجمها من قبل شيوخ العشيرة لحبها الرجل الأبيض وهي عبدة من الزنوج من أدغال إفريقيا السوداء السفانا والمسيسبي آكلي لحوم البشر ,طالت غفوتها على قبر أمها لترتعد مجددا صوت أمها “أفيقي حل المساء ”

أماه لما تركتني نائمة ,أين أنت لا أراك إني لا أرى ,لقد فقدت بصري يا أماه عيناي رائحة الدم تكسو أصابعها ,لقد فقأت عيناي أماه أماه أماه ……….

لاتجزع يا فتاتي طلب مني شيخ العارفين مقلتيك مقابل بعض الخبز واللحم فأبنة سيد المال أعجبت بمقلتيك فهل أتركك للموت

أخمليني يا أمي لا أستطيع المشي .أعذريني يا بنيتي سيدة القصر أعجبت بساقيك وبياضهما فبترتهما فأعطتني حذاءا وجوربا

أماه أمعائي

أطعمها سيد المال لفهده الجائع

أماه أماه أماه سقطت حنان أرضا ومن وقع الصدمة فقدت بصرها

سيد المال خلع كوخ حنان فوجدها غارقة في ظلامها

خذوا جثمانها وأطمروه في التراب هكذا تؤد البنات والأفكار الحبلى بالوطن

اجتمع بعض الخدم لحمل الجثمان ودفنه ,حفرة كبيرة رمي فيها جسدها الحي وكل يد تمتد لترمي بعض التراب تنزلق مع حنان في قبرها الوطني .

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.