جدل الرمادي و الأزرق : قراءة في لوحة للفنان التشكيلي المغربي  عبدالقادر الدربوش 

img

جدل الرمادي و الأزرق

قراءة في لوحة للفنان التشكيلي المغربي  عبدالقادر الدربوش 

بقلم :نورالدين حنيف

عبدالقادر الدربوش ، فنان تشكيلي يعوم في العتمة الجليلة و المرغوبة ، لا يحب الضوء مع أنه يصنع الضوء بامتياز في أنامل من ضوء … فنان تشكيلي راكم لحد الآن – و أنا أتابعه خلسةً في مرسمه المفرد – مجموعةً من الأعمال التي تشتغل داخل نسق فني واعد بالاختلاف و الأصالة و القدرة على اخترام المشهد الفني المغربي في بؤره المركزية عبر بوابة الإبداع الوازن و المدهش و الذي لا يكرر ، بقدر ما يضيف إلى الحساسية الفنية المغربية مزيدا من الأسئلة القوية في عالم الاصباغ و التشكيل .

اخترتُ من معرضه الجليل لوحةً ، أو بعبارة أصحّ ، اختارتني اللوحة ، أن أبادلها مراسيم الإعجاب … فَوجدتُني أقرب إلى العمق العامر باللغز منه إلى المعنى … و إلى الخطاب التشكيلي منه إلى المبنى المسطح الواهب دلالاته في عجالة استهلاكية بليدة تدغدغ بصر الزائر و المتفرج بدل مساءلة بصيرته …

و المساءلة هي بؤرة التشكيل في هذه اللوحة المعبرة لا العابرة ، المقيمة في نسغ رؤيتنا ، بطرح فني ذكي يتلاعب بتمثلاتنا البسيطة لمفهوم ” الأمومة ” الذي بنته  طقوس عرفية تأسر هذا الكائن الجميل في عملية واحدة هي الاحتضان التقليدي باعتباره عنوانا أوحد لعلاقة  الأم بوليدها … هذا المعنى كائن في اللوحة ، لكنه مطروح في الطريق يعرفه العربي و العجمي ، الحضري و البدوي ، كما عبّر عن ذلك الجاحظُ في ثنائية اللفظ و المعنى في سياق نقدي آخر يرتبط بذاكرتنا النقدية الحرفية … و لكنه – أي المعنى التقليدي – لا يمثل إلا مطية للمساءلة ، خاصة و أن ريشة الفنان المقيمة في منطقتين مفارقتين تمام المفارقة ، بين وعيه و لا وعيه ، تقول لنا أشياء أخرى ، لا أدّعي أنني أمتلك الأجوبة الصارمة و الوحيدة عنها … على اعتبار أن تأويلي ليس هو التأويل ، و قراءتي ليست هي القراءة …

اختارت هذه الريشة أن تطمس ملامح المكونات الإنسانية في هذا السياق الفني التشكيلي بوعي ، و في مقصدية قوية ، ترغب في مراجعة المنظور العلاقي الإنساني بين الحاضن و المحضون في أفق أسئلة حارقة مارقة : لماذا تغييب الملامح لكل من الأم و الوليد ؟ لماذا ، و أكبر من ذلك ، تغيير ملامح الوجه الإنساني في لبوس بهلواني باعث على أكثر من سؤال … هل الوجه هنا وجه ضاحك ؟ و هل هو ضحك فيزيائي عضلي أم ضحك أسود يمتح مصداقيته من الماحول الباعث على السخرية ؟ و هل هذا الكائن المتغير في ملامح وجهه يمثل ذاته أم يمثل قيمة إنسانية واسعة الامتداد ؟ و هل هذا المحضون القابع الرابض في حجر الأم هو واقع أم مثال ؟ و هل هو إنسان أم رمز ؟ و هل هذا المحضون ملفوف برعاية حميمة ، أم محنط في بكائية سوداء ؟ و هل الموت هنا لغة اللوحة أم الحياة ؟ و إذا كانت الحياة هل هي حياة نكرة كأي حياة هامشية أم حياة بأل معرفة تفيد أنها تستحق أن تكون ؟ و هل العلاقة بين الكائنين علاقة مباشرة أم انزياحية ؟ … أكاد لا أجيب عن هذا التراكم من الأسئلة حتى لا أخترم عنف اللوحة في طرحها الأبعادي الدلالي الموسوم بالانفتاح باعتبارها نسقا فنيا قابلا للتناسل و الولادة السيميائية …

و في سيميائية اللون أكاد أجزم بأن الأزرق سيد الموقف ، في تلاوين داكنة ترسل الرسالة تلو الرسالة ، في أفق تغييب كل ماهو مشرق و شفاف و نوراني … و لو أن البياض حاضر في تشكيل العمق الإنساني للطرفين ، الحاضن و المحضون ، إلا أنه بياض مستفز ، لاختلاطه بعنف الرمادي الموسوم في ثقافة الألوان بالسلب على اعتبار أن المقولة تفيد ” إما أبيض أو أسود ، و لا معنى للرمادي ” … لكنه في سياق هذه اللوحة يحتل بؤرة التشكيل لأنه ناطق بمتاهة الأسئلة الحارقة و الغامضة … الرمادي يفيد هنا تبه التشكيل ، و بامتياز … لأنه احتل موقع التبئير لا لأنه عبر عن المكون البشري و جسد مقولة الإنسان في مواقع غامضة ، فحسب ، و لكن أيضا ، لأنه مشحون بالدلالة الزئبقية الرافضة للقبض على المعنى ، و المتحولة في انسيابية مستفزة للبصر و للمبصر ، في اتجاه خلق تمثل جديد لدي قارئ اللوحة ، في اتجاه مباغتته بضرورة القراءة خارج البداهة و التفسير الجاهز .

في قراءة اللوحة داخل الزمان ، يبخل علينا التشكيل ، بحكم طبيعته الفنية المتعاملة مع القماش ، و لو بمؤشر واحد على سيرورة هذا الزمان ، لكن التأويل السيميائي لعلاقة الأصباغ بعضها ببعض ، في سياق قرائن موضوعية ، يفيدنا في القبض على بؤر هذا الزمان … هل هو الزمن المغربي ؟ لو أجزمتُ بذلك لكذبتني مقولة الأشياء الغائبة هنا ، و يتعلق الأمر بكل مؤشرات الثقافة المغربية ، الدالة على خصوصية اللوحة ، ، ذلك أن الفضاء هنا غير مؤثت بما يدل على هذه الخصوصية ، و بالتالي أمكن القول ، إن اللوحة تتغيى المساءلة في الزمن الكوني الإنساني الواسع ، من هنا خروج الصياغة التشكيلية من المحلي إلى الإنساني في أفق المساءلة العميقة و الحاضنة للإنسان بعيدا عن لونه أو عرقه أو دينه … و بالتالي انسابت ريشة الفنان و مالت إلى التلاعب بالأزرق الضبابي ، و الرمادي الغامض ، و الأصفر الشاحب ، و البنفسجي المتخفي … هكذا نربح مع المبدع قدرتنا على القبض على حقلٍ دلالي تشكيلي يرتبط بطبيعة اللون المائلة إلى الإعتام بدل الإشراق ، في وعي فني يريد أن يقول لنا أشياء دون أن يفرضها علينا ، و يريد أيضا أن يدعونا إلى وليمة الألوان كي نمارس حقنا في التأويل

نورالدين حنيف

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.