جدلية الذاكرة والنسيان عند نيتشه 

img

 نوار عبد الكريم.   

طالب باحث في الفلسفة السياسية والاجتماعية.

  المغرب

 جدلية الذاكرة والنسيان عند نيتشه

 

مقدمة

تعد إشكالية الذاكرة والنسيان من بين أهم القضايا الفلسفية الشائكة التي طالما أرقت الفلاسفة على مر التاريخ، ففي الفلسفة اليونانية استطاع أفلاطون أن يربط المعرفة بالتذكر والجهل بالنسيان. أما في الفلسفة الحديثة فقد استطاع جون لوك أن  يعلي من شأن الذاكرة إذ اعتبرها محددا أساسيا لهوية الشخص. لكن نيتشه وكعادته قلب المعادلة حيث أعاد الاعتبار للنسيان واعتبره شرطا أساسيا لسعادة الفرد والمجتمع، من هذا المنطلق نتساءل ماهي العلاقة بين الذاكرة والنسيان في المتن النيتشوي؟ هل الذاكرة هي التي تخلق الحياة السعيدة أم انسيان؟ ألا يمكن أن نتحدث داخل هذاالمتن عن إمكانية خلق توازن بين العنصرين؟

 

سأقارب في هذه الورقة جدلية الذاكرة والنسيان عند الفيلسوف الألمانيفريديرش نيتشه، وسأحاول قدر الإمكان الوقوف على المفاهيم التي يعالج بها هذه الإشكالية؛ من قبيل مفهوم “التاريخ” و”اللاّتاريخ” و”الفوق ــــــ تاريخ”، وبعدها سأنتقل إلى الحديث عن طبيعة التاريخ في المتن النتشوي، وكذا الضرر المترتب عن طغيان التاريخ على الحياة.وسأمر بعد ذلك لأتناول الإجابة التي يقدمها نيتشهمن أجل الخروج من حالة المرض الناجم عن طغيان الذاكرة على الحياة، لأصل في نهاية هذه الورقة إلى محاولة مقاربة والواقع العربي بالاستناد إلى التحليل النتشوي.

 

١ـ السعادة بين الذاكرة والنسيان:

 

يعتقد نيتشهأن الحيوانات تعيش سعيدة أكثر من الانسان؛ لأنهاتحيابشكل “لاتاريخي”، فهي تعيش الحاضر كما هو ولا تخفي شيئا، فالكائنات مثل هذه لا يمكن أن تكون إلاّ صادقة، لأنها الأكثر قدرة على النسيان. أما الكائن البشري فيمكنه أن يتجاوز بعضا من ذكرياته من أجل سعادته، لكنه غير قادر على نسيان كل ماضيه، فمثلا الطفل عند ولادته لا يبالي بشيء فينغمس في اللعب ولا يستحضر أي شيء في ذهنه الاّ ما هو عليه؛ لأن هذا الطفل لا يعرف شيئا عن الماضي حتى يقول “إنني أتذكر”، لكن حسب نيتشه لا يمكن لهذا الطفل أن يستمر على هذا الحال، بل سيتم إخراجه في وقت مبكر من حالة النسيان إلى حالة التذكر. فلما كانت السعادة هي التي تدفع الكائن الحي إلى الحياة، ولما كان الرجوع المستمر إلى ذكريات ماضي هي مصدر الشقاء للإنسان، فإن النسيان ــــــــ كما يعبر عن ذلك نيتشه ـــــــ هو “ملكة الإحساس اللاتاريخي طوال ديمومة السعادة”[1]، وكل من هو في الحاضر ويُرجع ذاكرته باستمرار إلى الماضي فلن يستطيع أن يعيش سعيدا، بل أكثر من ذلك فهو يستطع أن يتسبب في شقاء الآخرين. بالتالي فإن الحياة السعيدة مصدرها النسيان وليس الذاكرة. لكن ألا يمكننا أن نحقق توازنا بين الذاكرة والنسيان؟

يؤكد نيتشه أن “اللَّاتاريخي” و”التاريخي” ضروريان لصحة الفرد والمجتمع والثقافة[2]؛فالنسيان بهذا المعنى هو الذي يجعل الذاكرة  تنير جزء من “التاريخي” وتترك الجزء الآخر في طي النسيان، الشيء الذي يعنى أن الذاكرة تتعامل مع الماضي بشكل انتقائي، لأن الحديث عن الإنسان ككائن محكوم بماضيه يختلف عن الحيوان الذي لا تربطه أية علاقة به، فالنسيان هنا أو “اللاّتاريخي” لا يقصد بهما “فقدان الذاكرة” كما لا يقصد بالتاريخي طغيان الماضي على الحياة، وبالتالي فالنسيان المطلق والحضور القوي للذاكرة يشكلان خطر على حياة الفرد بل أكثر من ذلك على حياة المجتمع والحضارة.

بناء على ما سبق يمكن القول إن اهتمام الجينيالوجي بالتاريخ الذي  طالما عبر عنه فرديرك نيتشه يختلف تماما مع الاهتمام بجوهر وذاتية التاريخ كما هو الأمر في الفلسفات الميتافيزيقيا حينما تبحث عن العلة الأولى، كما نلاحظ، فمنذ البداية و نيتشه يفرق بين الحيوان والإنسان من خلال معطيي الذاكرة والنسيان، وذلك بأخذه أن الانسان ككائن تاريخي له ذاكرة مستمدة من الماضي، عكس  الحيوان الذي يعد كائن لا تاريخي لاعتبار أنه كائن بدون ذاكرة، لذلك فدور الفيلسوف هو التفكير في التاريخ بشكل نقدي كي يساعد الانسان على الانفتاح على الحياة، لكن كيف يمكننا أن ننظر إلى التاريخ بشكل نقدي؟

 

٢ـ مرض التاريخ والعلاج النتشوي:

 

يحضر التاريخ في المتن النتشوي بثلاثة صور؛ فمن جهة نجد “التاريخ الأثاري” وهو يتعلق بحنين البشر إلى موطنهم الأصلي وجذور هوياتهم وهو مبني أساسا على مفاهيم مثل “الإخلاص” و”الوفاء” مما يقف أمام تطور الإبداع يقول نتشه حول هذا التاريخ:” إن “التاريخ الأثاري” هو القناع الذي يرتديه ـ الغير القادرين على الانسلاخ منه ـ على كبار زمنهم، فهو القناع الذي يحاولون تقديمه مثل تعبير عن الاعجاب المشبع بعظماء زمنهم. إن هذا القناع يسمح لهم أن يغيروا المعنى الحقيقي لهذا التصور عن التاريخ إلى معنى مناقض تماما”[3]،من جهة ثانية يتحدث نيتشه عن “التاريخ العادياتي” الذي يتطلب العودة إلى الماضي الشامخ الذي يحظى باحترام، إن هذه العودة تدعو إلى استلهام أمجاد الماضي ووقائعه وذلك من أجل السمو بالحاضر إلى درجة الماضي هذا ما يعبر عنه نيتشه حينما قال:” إن المعنى العادياتي لإنسان ولمدينة ولشعب بكامله يمتلك أفقا محدودا؛ فهو ليس بإمكانه رؤية أغلب الأشياء، و القليل مما يراه يبصره عن قرب، وبشكل منعزل”[4]من محاسن هذا التاريخ أنه  قادر على أن يحافظ  على الحياة لكن من مساوئه أنه غير قادر على خلقها لذلك فهو يعوق اتخاذ قرار قوي لصالح كل ما هو جديد. أما من جهة ثالثة فالإنسان يحتاج إلى جانب “التاريخ الآثاري” و”التاريخ العادياتي” إلى شكل أخر من التاريخ وهو “التاريخ النقدي”، الذي يعني به إخضاع الماضي للمسائلة والنقد، إذ أن الحياة تحاكم الماضي عندما يطغى على الحاضر” فكل ماضي يستحق الحكم عليه؛ فهذا واقع الأشياء الإنسانية التي غالبا ما تكون محكومة بالضعف والقوة الإنسانيين، إنها ليست العدالة من تحاكم وتحكم، ولا حتى الرحمة من تنطق هنا بالحكم، ولكنها الحياة وحدها، إنها تلك القوة، أي تلك القوة المعتمة والدافعة”.

بناء على ما سبق يمكن القول بأن صناعة التاريخ عند نيتشه تنبع أساسا من الحاضر، وهذا يرجع بدون شك إلى الأهمية التي يعطيها للحياة التي تشكل عصاب التاريخ حيث لا قيمة لهذا إذا لم يكن في خدمة الحياة، وكل ذلك من أجل بناء الجديد الذي لا يمكن أن يكون إلا نقدا لطغيان الماضي على الحياة. لكن كيف يمكننا تربية الأجيال القادمة من أجل الانفكاك من طغيان الماضي على حاضرهم؟

يلاحظ نيتشه أن طغيان “الثقافة التاريخية” على الحياة هي نوع من الشيخوخة التي تبدأ مع الولدة، ويؤكد أن الذين يتسمون بسماتها يصلون إلى الاعتقاد الراسخ بشيخوخة البشرية، ومن بين مميزاتها – هذه الشيخوخة – هي النظر إلى الوراء، وتقييم الماضي واستخلاص النتائج والبحث عن عزاء فيما كان عبر الذكريات حسب نيتشه فإن المصابين بحمى التاريخ أو يمكن أن يظهر لهم غريبا ولكن لا يحق له أن يظهر متناقضا لأن من طبيعة الانسان-كما سبق القول-أن يتعامل مع التاريخ بانتقائية، مثل هذه الذكرة هي التي يسميها بول ريكور “الذاكرة الجريحة” التي تجعل الانسان حزينا عنما يسيء استعمالها[5].

 

يرى نيتشه أن الانسان الألماني لا يعدو أن يكون أكثر من كائن تاريخي لكونه مقلد ووريث لقوى كلاسيكية وهم الذين يعتقدون أنهم جاءوا متأخرين فهؤلاء سيعيشون حياة ساخرة؛ لأن الفناء يقتفي عن كثب سيرة حياتهم ويستند نيتشه في ذلك على قول فاكر ناغل الذي يفيد أن الألمان مهما فعلوا سيضلون مجرد خلف وذلك رغم إيمانهم و علومهم المتفوقة، هكذا فإن التباهي بالحداثة والعصر الجديد يحمل في أحشائه بذورا من الذكريات المسمدة من ماضي اللاهوت.

ويبدو أن هناك احتجاجا نتشوياوصل حد التمرد على طبيعة التربية التاريخية للشباب سائدة في ألمانيا، هذه التربية التي تغلب الذاكرة على الحياة، مطالبا تعلم الحياة قبل كل شيء، على اعتبار أن التاريخ الذي لا يستطيع أن يقدم شيئا للحياة لا معنى له وتستدعي الضرورة التخلي عنه، فالشباب هم من يستطيعون أن يفهموا هذا الموقف. إن المؤسسات التعليمية هدفها هو قتل غريزة المعرفة والابداع في الشباب المتعلم فتحوله إلى شيخ قبل الوقت، في هذه المؤسسات “ستربي الشباب على معرفة ما الثقافة ولن يتعلم ما الحياة وتجربة الحياة، وسيتم زرع علم الثقافة في رأسه على شكل علم تاريخي ما يعني أن دماغه سيمتلئ بكمية كبيرة من المفاهيم المأخوذة من المعرفة عير المباشرة للحقبة الماضية والشعوب الغابرة وليست من التجربة المباشرة للحياة”[6]، فهذا النوع من التربية يجعل الشباب أسير الماضي و تحكم عليه بالشيخوخة المبكرة وتصيبه بتخمة التاريخ، هذا ما جعله يعود لينتقد بشدة التربية في ألمانيا حينما يصفهم بأنهم شعب “بلا تربية” بل أكثر من ذلك فقد أصبحوا “عاجزين” عن الحياة. إذا كان ما يصاب به الإنسان حين تطغى عليه الذاكرة هو مرض التاريخ، وفما هو  العلاج الذي يقدمه نتشه لهذا المرض؟

 

يرجعنا نتشه إلى ما انطلقنا منه حينما يقترح “اللاّتاريخي” الذي يعني به الفن والقدرة على النسيان و”الفوق ـــ تاريخي” الذي يعني به القوى التي تحول نظرنا عن المصير باتجاه ما يعطي الوجود طابع الخلود، إن هذا المقترح هو البديل الحقيقي والترياق الطبعي ضد غزو التاريخ للحياة وضد الحمى التاريخية، ويضع في الشباب ثقة كبيرة لأنهم هم الذين يرغبون في ثقافة وإنسانية أكثر شجاعة وجمال، ولا ينفي نتشه حجم المعاناة التي سيعانها الشباب أثناء مجابهته هذا الطغيان. إن أولئك الشباب الذين يشبههم نيتشه “بقتلة الثعابين” يمتلكون من صحة وقوة وأمل ما يكفهم لينتصروا للحياة والإبداع ضد الثقافة التاريخية التي تهيمن على الحاضر وتكبله.لكن ما الذي يمكننا أن نستفذه نحن من هذا الموقف النتشوي؟

 

٣ ـ الواقع العربي و الإجابة النتشوية:

 

مما لا شك فيه أن تعاطي المجتمعات العربية مع تاريخها يحتاج إلى نقد، فهذا التعاطي جعل من الانسان العربي “كائنا تاريخيا” بالمفهوم النتشوي، فالماضي العربي سيطر على حاضره مما سبب في الضعف والجمود وعدم الاستطاعة على خلق بديل جديد أو حتى معنى جديد  للحياة، فأصبح الانسان العربي خاضعا للتقاليد وتقيده الأعراف وتجعل منه إنسانا لا يرغب في عيش الحاضر والانطلاق نحو المستقبل، إن هذا الانسان هو الذي وصفه مصطفى حجازي “بالإنسان المقهور” الذي:” يتوجه نحو الماضي ويتمسك بالتقاليد والأعراف بدل التصدي للحاضر والتطلع إلى المستقبل”[7] فهو يرجع  إلى الماضي من أجل الاحتماء بأمجاد أجداده أو بأيامهم السعيدة، وخلال عمليه الرجوع  هذه يتم تزيين الماضي  من خلال طمس عثراته والمبالغة في تضخيم حسناته هكذا يتحول الماضي إلى عالم من السعادة والهناءوالمجد والاعتبار. كما يتم إلغاء الزمن من خلال اختزال الديمومة إلى أبعد الماضي فقط،” الحياة هي الماضي وحده ولا شيء غيره. أما الحاضر فهو القدر الخائن الذي يجب ألا يقف الانسان عنده، أما المستقبل فلا يدخل في الحسبان”[8] أليس هذا هو مرض التاريخ الذي تحدث عنه نيتشه؟ ألسنا في حاجة إلى “اللاّتاريخ” و “الفوق ــــــ التاريخ” ؟

بكل تأكيد نحن في حاجة إلى الفن والقدرة على النسيان كما نحتاج إلى قوى تحول نظرنا عن المصير باتجاه ما يعطي الوجود طابع الخلود، حتى ننفك من طغيان الماضي على حاضرنا، وصحيح كذلك أن الطاقات الشابة المفعمة بطاقةالابداع والحيوية هم القادرون على أن يرجعوا للحياة معناها، هذا من جهة. أما من جهة ثانية، فنحن في حاجة إلى التاريخ النقدي من أجل إخضاع ماضينا للمساءلة والنقد من أجل أن نحشد القوى خدمة للحياة والمستقبل، في الأخير فإن الذاكرة التي تقتل الحياة لا معنى لها كما أن النسيان الذي لا يفيد الحياة لا معنى له.

 

خاتمة

تتجلى قيمة الموقف النيتشوي في قدرته على تفكيك مفهوم التاريخ وتحويل الثوابت فيه إلى المتغيرات، كما استطاع أن يعيد الاعتبار الى ملكة النسيان من خلال إقامة التوازن بين “التاريخي” و”اللاتاريخي”  خدمة للحياة، إنه شبيه في ذلك بما فعله سغموند فرويد عندما أعاد الاعتبار إلى “اللاّوعي”، كما حطم نتشه كل المرتكزات والمفاهيم التي قامت عليها فلسفة التاريخ التي تهدف إلى الانحناء أمام قوة التاريخ، ولكن موقف فريديريك نتشه له محدوديته أيضا حينما ننتقل به إلى المستويات السياسية والحقوقية من هنا سنطرح  سؤالامفتوحا، كيف يمكن لشعب في ظل نظام مستبد أن ينسى هذا الاستبداد؟

 


المراجع

 

 

  • فريديريش نيتشه، محاسن التاريخ ومساوئه، ترجمة رشيد بوطيب، (الدوحة قطر: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2019).
  • بول ريكور، الذاكرة،التاريخ،النسيان، ترجمة وتقديم و تعليق جرج زيناتي، (بيروت: دار الكتاب الجديدة المتحدة، 2009).
  • مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، (الدار البيضاءـ المغرب: المركز الثقافي العربي2005).

 

[1]فريديريش نيتشه، محاسن التاريخ ومساوئه، ترجمة رشيد بوطيب، (الدوحة قطر: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2019)، ص 14.

[2]المصدر نفسه، ص 16.

[3]المصدر نفسه، ص 29.

[4]المصدر نفسه، ص 31.

[5]بول ريكور، الذاكرة،التاريخ،النسيان، ترجمة وتقديم و تعليق جرج زيناتي، (بيروت: دار الكتاب الجديدة المتحدة، 2009)، ص120.

[6]فريديريش نيتشه، محاسن التاريخ ومساوئه، ترجمة رشيد بوطيب، (الدوحة قطر: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2019)، ص 89.

[7]مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، (الدار البيضاءـ المغرب: المركز الثقافي اللعربي2005)، ص 108.

[8]نفس المرجع، ص 109.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: