جدارية من أجل سعيد الباز

img

جدارية من أجل سعيد الباز

بقلم :عبد الواحد مفتاح 

 

قراءة قصيدة سعيد الباز هي قراءة مصاحبَة بدهشة، لا تتخلى عنك… دهشة منفلتة من عاديات ما تعوّدت عليه. فهي قصيدة ذات شفافية لامعة تسلب من المتعاليات سلطتها.. وتنطلق من لغة تريد أن تَشُبّ عن الطاعة، لغة تَشْحَدُ كامل بريقها لتسفك دم الهيكل التصويري للجملة الشعرية، الذي يتمّ الاشتغال عليه بفعل العادة.

فهي قصيدة لا تُوَلِّف مسالكها من ضروب البلاغة وفنيتها المزدهرة بالمجاز، والتجميع الذهني الشكلاني والبارد، كما في غالب ما يخطر على البعض من قريحة. بقدر ما هي تَلَأْلُؤٌ للشعر، يتمّ رصده من خلال حياة شاعرها.. ضمن مسيرة اليومي والعادي. فاعله داخلها هو حدسه كرؤية وفاعلية وحركة اتجاه الوجود و ما يترتب عليه.

بلغة أنيقة نستشف بذخها المعاصر، يكتب سعيد الباز، قصيدته المضيئة، التي يعمل على تهريبها من مجالها المحدود بالرؤية إلى مجال انزياحها الترميزي.. الترميز هنا ليس اشتغال على علامات بأدوات مستهلكة، وإنما هو بنية ذات قوة واضحة، ومُمَنهَجة لا تبتغي التوسط للإدراك الذي يمنع القارء من النظر مباشرة لعيني القصيدة. يمكن القول بدقة أكبر، أن الترميزية، هنا، هي اخلاص للواقع اللا زمني، وهذا ما يجعل هذه الترميزية تصير بمجرد ارتطامها بفعل القراءة، إلى حدس عام. ليس شرطه تلك الإرغامات المحددة لمجموع المسارات التأويلية، في توتر بين نظام الحرية وفعلها الذي يقوم بإثرائها بإستتباعات جديدة، مستمَدة من النزوع المستمر إلى البساطة وينابيعها في القول الشعري، الذي يضمِرُ داخل هذه القصيدة انفتاحا غير مُفتَعَل على السرد وجمالياته الغنائية المطرزة بعلاقات مُعْجمية غير مألوفة، تقوم على تحرير الكلمات من شبكية ذاكرتها. وإطلاقها من جديد.

إن إنزال اللغة من أوهام عضلاتها في محاولة ذات اجتهادات واسعة، لتهشيم الجمجمة الكلاسيكية للأسلوبية المتداولة هو ما يطبع فعل الكتابة لدى هذا الشاعر، الذي لا يكتب عن الحياة من وراء أقنعة، بقدر ما يعبّر عن ندوبها الذاتية، هذه التي نشهدها في قصيدته التي ما انفكت تتوسع في كل مرة إلى حقول جديدة، متوسلة بصداقة المضيء المستتر في الذات العزلاء. إنه شعر الذات الأكثر التصاقا بالصدق في زمننا هذا، الذي استعت شواهد كذبه واتسخت.

فهي قصيدة صَفَفت فتنتها عن لغة تعبُّ مجازها بلا ادعاءات رسولية، أو استعارات عاطفية لتنخرط في فضاءات إبداعية جديدة لا تحاكي تجنيسا، بقدر ما هي لغة متماسكة لا تَنْأسِر بخط أو تَنْسَجِن بشكل.. تُخَفّف عن حمولتها أدوات الشعر، وتبقي على ناره مشتعلة، بوقود الشفيف والضارب في العمق الجمالي والإنساني.

إن ما نتابع مراتبه في نص سعيد الباز، هذا الذي لا يمكن أن نلتقيه إلا راميا نفسه في لُجّة الضوء، هو تَسَنْبُله عن حياة كاتبه.. فهو نص يُلفِفّ متنه بدفء صاحبه.

محايد مثل مسدس، وبريء كرصاصة.

بوسعه كساحر ماهر أن يدرب عينيك كي تجني العسل من حروفه. هذه الحروف التي جعلها سعيد الباز نحيلته ووحيلنه ليعيد خلق وفضح عالمِه.

إن خرق العادات البلاغية المتداول عليها، عند هذا الشاعر نتيجة لقوة الابتكارات التوليدية للاستعارة عنده. فأنت تجد أن الكلمة الشعرية لديه التي لا تحيل على أي شيء آخر غير ذاتها، ولا تدلّ إلا من خلال كيانها الخاص. عرفت صقلا مبرحا شَطَر جزءً غير يسير من ذاكرتها وحمولتها اليومية. لتغدو كلمة شعرية شفيفة بشكلٍ طائر على مستوى المقطع الشعري، وهو ما لا يتأتى إلا بدِربة وحسن اشتغالٍ بليغ.

إن الحديث عن تجربة الباز سيكون تافها دون استحضار مرحلة بأكملها من تاريخ الشعر المغربي، الأمر هنا لا يتعلق بتمثيل جيل ما، بقدر ما هو حديث عن أفق جديد وشاسع داخل هذه الشعرية. وهو ما يستدعي ترسانة أكاديمية لإنجازه.

فما يتمّ تكثيفه عبر هذه القصيدة هو ما يتحول إلى مادة جديدة على مستوى اللغة، ينشدُ سلوكا خاصا مع ما تَسْتجدّه من لغة جديدة لها انزياحات على مجلات متعددة.

فهذه القصيدة تستفيد في معظم الأحيان من تركيبها التنظيمي الذي خطّه الشاعر داخلها، ليجعل المتلقي يجد نفسه محاصرا بمتلألئات دلالية، لا يستشعرها من جهة واحدة، تلألؤات عالية وشهوانية.. فهي قصيدة شريرة بهذا المعنى.. شريرة وجميلة. تُسْفِر على لياقة شعرية عالية بالنظر إلى طاقتها الهائلة المخربة لمفهوم القصيدة بشكلها السائد. وهو تخريب بالمعنى الإيجابي لا التجاوزي فقط. تحضر الذات داخلها في فعلها الحميمي واليومي، لتقول كل شيء. فالكلمات المُسَوّدة فوق الورقة دائما لا تقول إلا ما سودته.

فأنا، هنا، لا أخاف مما أكتبه –وما سيترسب عنه من أخطاء نحوية-لا تخطئ ترصدها بي يوما.

وإنما أنا خائف مما لم أستطع كتابته، من تلك الشهوة العارمة والممتلئة، كنهدين فاضا عن توبهما الرقيق والمهمل داخل نص هذا الشاعر، الذي يساهم في صياغة جماليا جديدة لقصيدة النثر العربية.

وهو نص إن أقرأه ب”متعة” فهي تتمثل في العلاقات الضمنية القائمة على كتابة اللذة لدى صاحبه، هذا الذي يجد حيوية لا تخون فعاليتها، في استخدام “المعنى المتعدد” لتلميع كامل الجسد/النصي لديه.

ها إني أعوّد لغتي على الانتباه لأمرها، فالوقوف على ناصية نص كهذا، يلزم أن يُطلِّقَني من عادات الكتابة كلها.

فالرضى الذي يحسه القارئ لهذا النص مُسْتَعْطي من إدراك لفعالياته الجمالية. فهذا النص الذي يشغله كاتبه بوعي أن تكوين العلاقات اللفظية المركبة تركيبا اصطفافيا لا تقدم تجربة حقيقية، لهذا تجده متنا مُنتَجا عن معيش وحاصل تجربة، عبر رؤية ومشروع جمالي له ما يميّزه.

الكون ليس تراتبات من صياغات صلبة وجامدة ونهائية، كما يؤكد ذلك علماء الرياضيات، بل هو متحرك ومتغيّر، وكذلك نص سعيد الباز سواء الشعري أو المقالي، الذي دأب من خلاله على تسليط الضوء على جوانب هامة ومهملة أحيانا في مشهدنا الحياتي العام. بأسلوب يتفنن في انتخاب أدواته باستمرار، وبرؤية بليغة. فكتابته تنطلق من نسغٍ يتأمّل الواقع ويتجاوزه، لكي يصل لكنه الأشياء وجوهرها، في غمار تَعَلّقِه بالظلال الوافرة التي يفرزها السؤال البسيط. وهو تساءل يمثل فضاءات مشتركة للإنساني بصورة أشمل، مع ما يتمخضه عن ذلك من تجليات وجدانية وثقافية وسياسية.

كل كتابة عرس. عرس للعين والأذن. أما هنا فهي عرس مثقل بألم المغربي. وكأنها بيانات صغيرة وغير مهملة ضد حرب تخوضُنا جميعا في ضباب اليومي والعربي.

خيبات كثيرة في المشهد الثقافي المغربي، كلما التقيت أصدقاء شعراء، هؤلاء الذين يتناقص عدد يوما عن أخر مع قلتهم. نتحاشى بصعوبة-لا تستطيع أن تخفف من ثقلها-الحديث عن هذه الخيبات. ذكر اسم سعيد الباز مثلا شيء كاف في مشهدنا المغربي هذا ليشعر المرء بالسعادة في قلبه ويبتسم. تلك الابتسامة التي شاهدتها في وجوه كثيرين طوال الوقت حسبت الأمر مجاملة، لكن شيئا فشيئا أفصحت لي هذه الابتسامة عن سببها.

هي ابتسامة انتصار.

انتصار واضح وكبير، على كل الخيبات التي يوزعها أجمل بلد في العالم على مثقفيه.

تكفي هذه الأسماء القليلة والرائعة في مشهدنا الشعري.

ليشعر المرء بالانتصار والسعادة.

هزمناك أيتها الخيبات الكبيرة

وأفلت من كمائنك الشعر (الغض والحقيقي).

وهنا أجد جوابا للسؤال الكبير.

ما نفع الشعر إن لم يكن ضد هذا الواقعي المرتبك في فساده، الذي يخترقنا كخنجر مر؟

إلى جانب سعد سرحان وياسين عدنان وعبد الرحيم الخصار وآخرين رائعين، يعتبر سعيد الباز أحد الأسماء البارزة في الحساسية الجديدة في القصيدة المغربية. قصيدته نفاذ إلى ما تخبأه المرئيات من معان تقتنصها، وهي على ما فيها لا تسعى إلى التوصيف والتعيين، وإنما تعتمل وتسوية تحين المعنى ليتأتى في تعدده طاغيا على كل نزعة تصويرية داخله، يومئ لنفسه ولا يقربه.

أما على مستوى جسد القصيدة، فضاءها الخطي، ومساحتها، وتشكيلتها المكانية، وتوزعها على ثيمات بائنة، فإنها في مجملها مُشْتَغلة باندغام جمالي لا يستعير أدواته من المُنْطَبَع والسائد، وهو أيضا اندغام لا يَرْشَح بالضرورة من تلك الإلتِماعات التي أحكم الشاعر وعيه لصياغتها، فالكتابة لا يمكن أن تصبح محكمة لكامل خطاطة كاتبها إلا في علاقتها بالنسق المولد لها، والنسق بهذا هو سلسلة من الارغامات التأويلية التي تقوم من خلالها على انتاج المستهلك القرائي، لكن هنا نجد أن سعيد الباز ما ينفك يوسع من نفث حياته بلا أي خطاطة داخل قصيدته. وهذا ما يجعلها حرة وكثيرة تجابه تأويلات بأشكال ومكونات ذات لحظات خصوصية جد متعددة، لكونها قصيدة متقدمة، بقوة وسيعة عطاء.

ما تسببه هذه القصيدة من لذة الشعر هو ما يمنحني الطاقة لمواصلة تسلق جبالها الوعرة، وهو أيضا ما يجعلني أشعر مثل التائه في لوحة عبدالله الحريري.

ذلك أن هذه القصيدة التي يغيب عنها أي قانون لغوي ضابط مما يحول كامل شفراتها إلى دلالات حرة، تخترق وقائعيات موازية على مستوى القراءة المتعددة. واللافت أن هذه القصيدة تتضوع بنكهة تمرد الصعاليك، ذلك التمرد ذا القيمة الإنسانية المؤسسة لأي فعل حر ومغاير. وهي تعلن قطيعتها مع أي انتماء تقليداني، ذلك أنها أعلنت في وقت مبكر جدا إعدام أسلوبية السائد داخل حركياتها، وهي تثبت حساسية فائقة اتجاه تطوير لغتها وأدواتها لتنتج ما يمكن أن نصطلح عليه منذ الآن “الصدمة الشعرية”، وهي صدمة لا تستطيع النظر إليها وتلقيها إلا داخل ما تطرحه من آلية جديدة على مستوى قصيدة النثر، والكتابة عموما. وذلك عبر ما تسحبنا إليه من حالة الوجل النفسي المندلق من شفافيات جمالية داخلها.

.

وهي بهذا قصيدة كونية لها أُهبة الشعر وقمحه تفتح لقاءات وفجوات لعوالِم واسعة، هي عوالِم الإنسان وشاغليَتِه.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: