جان جاك روسو: بين نفسية القس وسيادة الفيلسوف

img

جان جاك روسو: بين نفسية القس وسيادة الفيلسوف

ياسين بوفري، أستاذ الفلسفة

حاصل على شهادة ماستر فلسفة تأويل وإبداع

 

عنوان هذا المقال، هو علامات اخترنا أن تكون موجِهة لهذه الورقة في البحث والتحليل، لرصد تأملات فيلسوف حول الدين، عبر الانتقال بين مؤلفين أساسيين؛ ” إميل أو في التربية “* و” العقد الاجتماعي “. محاولة لم تسع إلى الاكتفاء بعرض أفكار الفيلسوف وتحليلها فحسب، بل تجاوزها لاستجلاء مكامن التباين فيها، الذي نرجئه  إلى التعبير بلسانين، أو الكتابة بقلمين؛ قلم القس، وقلم الفيلسوف.

إذن، إننا أمام مقاربة تراعي لقاء الفيلسوف بالفقيه/القس؛ لقاء سعى تاريخ الفلسفة إلى طمسه واضطهاده، بل، وطرد أصحابه من دائرة الفكر الفلسفي، كما هو الحال مع باسكال، الذي حاول تقديم رهانه في مسألة الإيمان بالله، أو انتقاد نيتشه لكانط باعتباره  فقيها فيلسوفا، لكن هذا اللقاء، بلغة ابن رشد، هو لقاء الصحبة والأخوة في الرضاعة.[i] وأخيرا هو لقاء يجد فيه القارئ أجوبة على بعض النقاشات الراهنة، التي أحدثت ثنائية – بين المؤمن والملحد – في مقاربتها لموضوعات من قبيل: مسالة الخلق، الذات، الحرية، محدودية العالم… الخ.

ولبسط منهجي، سنحاول تقديم بعض الملاحظات منذ المطلع، نكشف من خلالها المقصد من العنوان الذي اخترناه، حتى لا يخيب ظن القارئ الذي عقد أمالا على العنوان وذهب للبحث عن ثنايا الانفصال بين القس والفيلسوف، وحتى لا يتيه القارئ في استجلاء هذا الخيط الذي نحاول سبر أغواره، نسجل ما يلي:

– اختيار هذا العنوان، مرده انطلاق روسو من تجربته التي راكمها في اشتغاله في الكنيسة؛

– إقامة الفصل بين نفسية القس وسيادة الفيلسوف، ناتج عن التمييز في التعبير بين المؤلفين، إذ يفتتح الكتاب الأول بعقيدة الفيلسوف، ويختتم الكتاب الثاني بدعوته للدين المدني.

– المقصود هنا بالسيادة، هو سيادة المنهج من جهة، الذي ما فتئ يؤرق كل فيلسوف يحاول تأسيس صرحه الفلسفي، ومن جهة أخرى – كما سيرى القارئ – خروج روسو في الكتاب الثاني، من جبة الناصح، لارتداء عباءة المؤسس.

– الكتاب الذي اشتغلنا عليه في هذا المقام ( دين الفطرة )، يأخذ طابع حوار – قد يكون افتراضي – بين شاب ( إميل ) وروسو، لدى فإن الإشكالات التي نقدمها هنا، هي أسئلة مقدمة من طرف الشاب، والإجابات هي التأملات التي حاول روسو عرضها على هذا الشاب.

– يشير روسو إلى أن هذه التأملات ليست سوى مجهود نظري لا يسعى أن يقنع بها الشاب أو تقديمها كإجابات جاهزة، بقدر ما يسعى إلى دفع الشاب للتفكير مثله؛ أي أنها تأملات في المنهج.

بهذا الفهم، ومن هذه الوجهة، سيذهب التحليل إلى تقسيم هذه الورقة إلى قسمين: قسم يسعى إلى استجلاء نفسية القس، من خلال تتبع الحوار الموجه في بداية المطاف ” إلى الأم الحصيفة الحنونة التي عرفت كيف تتلكبين الطريق المطروق وتحمين النبتة الباثقة من عتو الموضوعات البشرية.”[ii] لينتهي، إلى تقديم النصحية إلى الطفل إميل مباشرة بعد ما بلغ مرحلة المراهقة.

أما القسم الثاني، فسنحاول من خلاله استجلاء، دعوة روسو إلى تأسيس دين مدني، يؤثث معالم المجتمع المدني الذي يسعى إليه من خلال عملية التعاقد الاجتماعي.

 

 

القسم الأول: نفسية القس:

تأخذ تأملات روسو حول الدين، طابع حوار مع طفل مراهق بدأ بالشك والحيرة يذبان إلى أعماقه، فلجأ إلى القس طالبا النصيحة، حوار يشد القارئ إلى تتبع أطرافه، إلا أن العين المتمرسة في تاريخ الفكر، تجد أن هذا الحوار استفاد من التركمات التي سبقته، ومن التجربة التي عايشها روسو في الكنيسة، محاولا الإجابة على التساؤلات المقدمة إليه من طرف إميل.

تساؤلات وجد روسو نفسه يشترك فيها، إذ يقول في هذا الصدد: ” ما كان يزيد من حيرتي هو أني ولدت في أحضان كنيسة تفصل في كل قضية قضية ولا تدع أي مجال للتردد. إن رفضت جزء من العقيدة، مهما صدق، رفضت الكل. لم أستطع تصديق أحكام غير معقولة، فزهدت في أخرى معقولة. قالوا لي صدق الكل فأرغموني على رفض الكل. لم أعرف عند أي حد أقف.”[iii]

حيرة القس هذه، دفعت به إلى تعليق الأحكام- بلغة هوسرل- حول كل ما تلقنه وتلقفه من قبل الكنيسة، ليذهب في رحلة البحث عن الحق، الذي جعله يزهد في ملذات المعبد، ويقلب الاتجاه صوب الفلاسفة لتفحص أفكارهم، بنفس الحماس الذي جعله يرفض الأحكام غير المعقولة، إلا أن رحلة البحث والتنقيب هذه، سرعان ما اصطدمت بتباين وغرور الفلاسفة أنفسهم، ” وجدتهم جميعا معجبين بأنفسهم، واثقين بنظرياتهم، متشبثين بمزاعمهم، حتى أولئك الذين يتظاهرون بالشك. عالمون بكل شيء، عاجزون عن إثبات أي شيء، فيتنددون بعضهم من بعض.”[iv]

تجادل الفلاسفة فيما بينهم، وتوزيعهم إلى مشارب ومذاهب ( أو إلى ملل ونحل، بلغة القس) لم يبعد الارتياب بقدر ما قواه، لكن رحلة التنقيب هذه التي  حطت في رحاب الفلاسفة للاستشارة، خرجت بنتيجة أولية مفادها أن الإنسان يرفض أن يزهد فيما لا يستطيع معرفته لذلك، فإن الأجوبة عن كل التساؤلات التي قدمها الإنسان تمر عبر الاعتراف بقصوره المعرفي، وأن خياله وكل معرفة تأتيه عبر الحواس لا يمكن الاستناد إليها.

بهذا، يذهب روسو إلى الاستناد إلى الوجدان، مادام الشكاكون والتجريبيون لم يقدموا إجابات تقنعه، أقتبس هنا: ” لم تعد لي فلسفة سوى حب الحقيقة…. ما اطمئن إليه قلبي من دون تردد اعتبرته حقيقة بديهية، وكل ما ترتب في نظري عن هذه الحقيقة حكمت بأنه صحيح مقرر. وبين ذلك وضعته بين المنزلتين، لا أقره ولا أنفيه، بل لا يعنيني توضيحه إن كان لا يؤدي إلى منفعة ثابتة.”[v]

من هذا المنطلق، يذهب روسو للإجابة عن الإشكالات التالية: من أنا؟ من يعلل ظواهر الكون، ألا يجب تصديقه إن كان يواجه صعوبات أقل من التي تواجه غيره؟ ما هو الدين الذي يجب أن نطمئن له؟ كيف السبيل للقبض عليه؟ هل هناك أفكار جاهزة نصبو إليها؟ أم أن الدين الذي نصبو إليه هو تمرين ذاتي يمارسه الفرد؟

على عكس ما يظهر للعيان، بأن حديث روسو هو تمرين ديكارتي، يحاول إعادة تفريغ سفط التفاح (استعارة ديكارتية)، لتحليله ومقارنته وإعادة تركيب أفكاره البديهية، من أجل اكتشاف الذات، والحقل الذي يعطيها مشروعيتها، إلا أن التباين واضح في هذا المقام، إذ أن ديكارت أقدم على وضع خطوات المنهج من أجل اكتشاف الذات العاقلة، أو قارة الكوجيطو، بلغة تأملات ديكارتية ( هوسرل )، أي أن العقل في فلسفة ديكارت جاء كنتيجة لخطوات أقدم عليها. أما روسو، كما سبق الإشارة إلى ذلك، فقط وضع الوجدان/ كمنطلق للبحث عن الذات، ووضع القلب كأداة لتقييم الأفكار التي يعالجها.

طرق سؤال من أنا؟ أمام محكمة القلب، يفرض علينا التسليم بكوننا كائنات لدينا حواس تؤثر فينا، مادام المنطلق (أداة التقييم) تغزوه العواطف وتحركه الحواس، لكن القلب يسمح لنا بالتساؤل عن ما إذا كنا نعي أنفسنا بمعزل عن هاته الحواس؟ أم أن وعينا لذاتنا رهين بالمحسوسات؟

أقتبس الإجابة عن روسو لأقول: ” المحسوسات داخلية إذ تشعرني بأني موجود. لكن أسبابها خارجية إذ تؤثر في رغما عني. تظهر وتختفي دون أمر مني. أستخلص بوضوح أن المحسوس الموجود داخلي وسببه أو موضوعه الخارجي شيئان مختلفان … لدى فكل ما هو موجود  خارج عن نفسي، مؤثر فيها أسميه مادة، وكل قطعة مادة أراها مجسدة في كائن قائم بذاته، أسميه جسما.”[vi]

تمييز روسو بين المحسوسسات الداخلية، والمحسوسات الخارجية، ومقارنة بعضها ببعض بغية معرفة ما إذا كانت تؤثر فيه، خول له الخروج بنتيجة مفادها، أنه كائن له قدرة ذاتية على التمييز لم يكن يتصورها، الشيء الذي دفعه للقول بأن ” الرؤية إحساس، المقارنة حكم. الإحساس والحكم شيئان مختلفان. عندما أحسن تبدو لي الأشياء متفرقة، معزولة بعضها عن بعض، كما توجد في الطبيعة، عندما أقارن فكأني أحرك الأشياء، أنقلها إن صح التعبير، أضع الشيء فوق الشيء لأقرر هل هما مختلفين أو متماثلان، وبصورة أعم أحدد كل العلاقات التي تربط بينهما.”[vii]

التمييز بين الإحساس والحكم، بين الرؤية والمقارنة، هو تمييز بين فعل ذاتي وآخر عقلي، بين أشياء متفرقة، والأخرى موحدة، هو تمييز نستطيع فهمه بالتوسل بثلاثية كانط النقدية، التي نجحت في إدخال الحساسية لأول مرة على خط المعرفة، وأرست قواعد تمر منها المدركات الحسية حتى تعلو إلى مرتبة الحكم، وذلك من خلال جعل الزمان والمكان كمقولتين قبليتين  تساعدان على تنظيم وجعل الأشياء المتفرقة في الطبيعة تتحرك نحو بعضها البعض. ( كما جاء في القول أعلاه ).

وعليه، يخلص روسو في إجابته عن السؤال الذي سبق لنا أن طرقناه – ما أنا – إلى القول: ” على عكس ما يدعيه الفلاسفة أتجرأ وأقول إني كائن شرف بقوة التفكير. إلا أنني أعلم في الوقت ذاته أن الحقيقة في الأشياء وليست في الأحكام التي يصدرها عقلي بشأنها. وهكذا فإن العقل نفسه يقر القاعدة التي خلصت إليها سابقا، وهي الميل مع الذوق دون الخضوع لأوامر العقل.”[viii]

بعد إجابة روسو على سؤال الذات، ينتقل في الخطوة الموالية إلى تحليل الأشياء القريبة منه؛ أعني الكون. قد تبدو تأملات روسو نحت في بدايتها منحى الطريق الذي رسمها ديكارت، إلا أن وضع الوجدان كمنطلق والانتقال في  التحليل من الذات إلى الكون، والخروج بحكم مفاده أن الحقيقة في الأشياء وليست في الأحكام التي يصدرها العقل، يسعفنا في القول بأن هذه التأملات وعت الشروخ التي سقطت فيها التأملات الديكارتية التي أبعدت الوجود واعتبرته مزيف.

من هنا  يذهب روسو في البحث والتحليل،  إلى الانطلاق لمعرفة ما إذا كان هذا الكون متحرك أم ساكن، وما هي العوامل التي تؤثر في حركته أو سكونه، والمادة التي يتشكل منها، ليخرج بثلاثة ملاحظات:

– أقتبس هنا: ” الحركة والسكون، ليست صفة جوهرية للمادة. الحركة فعل، فلا بد لها من سبب. إذا ارتفع السبب حل السكون. إذا لم يوجد شيء يؤثر في المادة فهي لا تتحرك. وبما أنها لا تتحرك. وبما أنها منغلقة لا غير، فحالها الطبيعي السكون.”[ix]

أمام هذا المعطى، نستطيع القول – حسب روسو – بأن الكون تحكمه قواعد  متداخلة؛ أولى هذه القواعد تظهر أن الكون ثابت في الأصل، وأن كل حركة تأتيه من الخارج، وأخيرا أن الكون تحكمه علاقة سببية تؤدي إما على إبقائه ساكنا أم متحرك. يبقى إذاً معرفة طبيعة هذا الكون.

– أما الملاحظة الثانية فترى أن ” الكون المرئي كله مادة متناثرة جامدة لا يظهر على مجموعها تلك الوحدة، ذلك الانتظام، ذلك الوعي المشترك الذي يربط بين أجزاء الجسم الحي نعلم ذلك يقينا إذ أننا جزء من هذا الكون ولا نشعر قط بأننا جزء منه ( بعض من كل )، هذا الكون متحرك، حركاته متناسقة، متواترة، خاضعة لقوانين قارة. يملك إذن تلك الحرية ( العفوية ) التي نشاهدها في حركات الإنسان والحيوان.”[x]

على هذا النحو، تنكشف للذوق حركات الكون وتناثره، والوعي المشترك الذي يوحد بين أجزائها، ليقارن حركاته بحركات الإنسان والحيوان، و استجلاء طبيعتها ما إذا كانت مقيدة أو حرة عفوية.

– وصولا إلى الملاحظة الثالثة تظهر بأن “الأسباب الأولى للحركة لا توجد في المادة. هذه تتلقى الحركة ثم توصلها لكنها لا تبدعها. كلما تأملت الطبيعة، ما فيها من فعل وفعل مضاد، كيف يؤثر بعضها في بعض، وجدت نفسي مرغما على الرجوع القهقري من نتائج إلى نتائح، ولزمني اللجوء إلى مشيئة هي المحرك الأول.”[xi]

من هذا المنطلق، الذي يبين أن الكون تحكمه قوانين متداخلة، وتملأه حركات متباينة، ومادته فارغة من السبب الأول ( الدافع للحركة )، يجد روسو نفسه أمام معطى ينم عن وجود قوة عظمى تؤثر في هذه المادة، لكن يستبعد أن تكون هذه القوة مادية حتى لا يقوده البحث عن قوة أكبر تحركها من جهة، وحتى يستبعد أن تكون كل هذه الحركات من جهة أخرى نتاج فوضى، لأن الدافع الأول لهذه التأملات، كان محاولة الخروج من الارتياب الذي يسكن أفكار الفلاسفة وجزء من العقيدة التي كان ينتمي إليها روسو.

من هنا يخلص روسو للقول،” بعبارة موجزة، ( أن ) كل حركة غير متولدة عن أخرى تأتي حتما عن فعل طوعي يدل على تصميم، الأجسام الجامدة لا تؤثر إلا بواسطة الحركة ولا تأثير حقيقي دون إرادة. هذا أول مبدأ أعتمده. وراء حركة الكون ونشاط الطبيعة توجد إرادة. على هذا المبدأ أشيد عقيدتي. هو بندها الأول.”[xii]

على هذا الأساس، الذي يرتاح له الذوق ولا تصدمه التجربة، يدشن روسو عقيدته الأولى، عقيدة قادتها العلاقة السببية التي تحكم الطبيعة، إلى البحث عن الإرادة التي تحرك هذا العدد الهائل من القوى المستقلة، وتعنف الكون للدفع به  للتحرك، الشيء الذي يبعد فكرة قيام الكون على الفوضى، إذ أن هذه الأخيرة تبدو فكرة غير معقولة، ويكفي أن نتذكر أن الأفكار الغير المعقولة هي التي دفعت بروسو لمغادرة المعبد، واستئناف هذه التأملات النظرية حتى نستمر في البحث والتنقيب. أمام هذا المعطى يذهب روسو إلى وضع قاعدة منطقية (شرطية)، مفادها: ” إذا كانت حركة المادة تدل على وجود إرادة، فإن المادة المتحركة حسب قوانين ثابتة تدل على العقل. هذا هو الركن الثاني من عقيدتي ( الفعل، المقارنة، الاختيار) هذا ما لا يقوم به إلا كائن فاعل عاقل.”[xiii]

انتظام بعض أنواع الحركة لقواعد ثابتة، دفع الذوق للارتياح لفكرة وجود عقل، لكن هذا الارتياح هو ثمرة تمرين طويل تتداخل فيه، الرؤية ( الفعل الذاتي )، والمقارنة ( الحكم )، لاختيار وتصنيف أنواع الحركات بين صنف ثابت يدعم فكرة العقل، وأخرى غير متولدة عن حركة أخرى وتتملص من العلاقة السببية، إلا أن فكرة العقل هذه لا تظهر الإرادة الكامنة وراء حركة الكون، لأن فكرة العقل أتت نتيجة لعبارة تحكمه صيغة الجمع – قوانين – وبالتالي فإن هذه الصيغة تفترض أيضا وجود عقول متناثرة، أو منداة، بلغة  ليبنز، الشيء الذي يدفع بالتحليل إلى البحث عن إرادة تسير هذه العقول المتعددة بتعدد القوانين الثابتة، والمستلهمة لروح الكون الموحد والمنظم.

على هذا  المنوال نقتبس هنا: ” يبقى صحيح في كل حال أن الكون مؤلف غير متناثر وأن وحدته هذه تشهد على وجود عقل واحد، إذ كل ما أرى في هذا الكون إلا وهو خاضع للنظام نفسه، ساعيا للغاية نفسها، هو استمرار الكون ودوام نظامه. هذا الكائن المريد القادر، هذا الكائن الفعال بذاته، هذا الكائن أخيرا، أيا كان، الذي يحرك الكون وينظم الأشياء أطلق عليه اسم الرب.”[xiv]

يبقى لنا أن ننبه لمسألة هامة هنا، هو أن اسم الرب، الذي يمثل الإرادة الكامنة وراء حركة الكون وانتظامه، لا يعكس شيئا عن المسمى، ولا يعرّف جوهره، إذ أنه لا يدرك سواء بالحس أو بالعقل، أو إذا أردنا بلغة الماضي الحاضر، أرسطو وكانط، فإن تعريفه غائب لغياب شرط التقاء المادة بالصورة. وبالتالي فإن وجوده، وجود في ذاته، ينضبط – في مقامنا هذا – للذوق أو الوجدان. أو لنقل لدين الفطرة. وعليه يقول روسو: ” لا أحتاج لمن يهديني إلى عبادة تفرضها علي الفطرة. من طبيعة النفس البشرية أن تحب ذاتها، فكيف لا تقدس تلقائيا من يرعاها، كيف لا تحب من يسدي لها الخير.”[xv]

بعد العروج في التأمل من التمركز على الذات صعودا نحو البحث عن المتعالي، يعود روسو من التحليل العمودي، الذي سعى إلى معرفة الإرادة التي تسير الكون، إلى التنقيب الأفقي، محاولا اكتشاف السر المتحجب خلف الروح والموت، ملتقيا – هذه المرة – مع الكائنات الأخرى لفهم طبيعتها ومعرفة المراتب التي يعتليها بينهم، ليقف عند مفارقة تتمثل في كيف أن الإنسان يعتبر سيد الكائنات ومروضها، إلا أن سيد الحظيرة هذا يبقى بئيس، إذ أن الكائنات الأخرى تعيش التناسب والتكامل، بينما سيدها وتر مشدود تتجاذبه الفوضى والتناحر، ليخلص روسو أن ابن آدم يعيش ازدواجية خلف هذه الروح، فهو يتطلع للفضيلة والحب والعدالة من جهة، إلا أن ذاته السفلى تجعله أسير حواسه ونوازه وشهواته، هذه الازدواجية تنم عن تجاذب الإنسان بين زوجين؛ ” أريد ولا أريد “، ” التطلع إلى الخير وممارسة الشر ” ، ” قوي أمام العقل ضعيف أمام الشهوة “.

بهذا الفهم، يخلص روسو للقول: ” لا شك في أن أني لست حرا أن أختار ما هو مفيد لي، كما أني لست حرا أن أختار ما هو سيء لي. لكن حريتي هي بالضبط أن لا أريد إلا ما يوافقني، أو ما يبدو لي كذلك، دون أن يؤثر في اختياري عامل خارجي، ( وبهذا فإن ) البند الثالث من العقيدة: ( يتجلى في ) لا مشيئة حقا دون حرية، الإنسان حر في أفعاله، وبما أنه حر الباعث على فعله جوهر غير مادي. “[xvi]

أما الحديث عن الموت، فهو حديث عابر لتفسير هذه الازدواجية المتضمنة في الروح، ومعرفة ما إذا كان هذا الجوهر اللامادي يفنى بفناء الجسد من جهة، ومعرفة ما هي الغاية المتوخاة من إيجاد الإنسان على الأرض من جهة أخرى؛ لينتهي روسو إلى أن الغاية من إيجاد الإنسان على الأرض، هو العناية بنفسه، إلا أن هذه الغاية لم تتحقق نظرا لعدم انصياعه للطبيعة، أو لنقل بعبارة أدق، أن سيد الأرض ومروضها يكتفي بما تمليه الطبيعة على الحواس، ومعاكسة ما تمليه على الفؤاد. ليجد الإنسان نفسه بين جزء فاعل، والآخر منفعل.

يبقى السؤال المطروح إذا، كيف ينظم دين الفطرة هذا الذي اكتشفنا من خلاله، (الذات، والإرادة الإلهية، وطبيعة الكون، وازدواجية الروح، والغاية من وجود الإنسان، ) الحياة داخل المجتمع؟

 

القسم الثاني:  من العلاقة بين الفلسفة والدين إلى التأسيس لدين مدني:

بقي لنا، أن نشير إلى مسألة أساسية، في اللقاء الذي سمعنا لأطرافه ( لقاء الفقيه بالفيلسوف )، حتى نودع هذا اللقاء، ونترك المجال أمام الفيلسوف الذي فرض السيطرة على النقاش، حال وصول التحليل إلى التساؤل حول كيفية مصاهرة الدين في المجتمع. لنودع الفقيه بالاقتباس التالي:  ” لكي تصدر حكما على ديانة ما، لا يكفي أن تدرسها في كتب أتباعها. لا بد من أن تعيش بينهم، وعندئد تكتشف اختلافا كبيرا بين المعتقد والسلوك، لكل امرئ تقاليده، ذهنيته، عوائده مسلماته، كل ذلك، يجسد روح عقيدته. …. ( أعتقد ) أن كل ديانة راجعة إلى الطقس أو شكل الحكم أو ذهنية الجمهور أو إلى سبب محلي آخر غير ظاهر لنا يؤدي إلى تفضيل هذه الشريعة على غيرها حسب الزمان والمكان…. أظنها أنها كلها صالحة ما دام الخلق يعبد فيها عبادة تليق بعظمته. المهم هو خشوع القلب.”[xvii]

لنغير الأمكنة، ونخرج من جو الحوار الذي طغى في الأول، وننخرط في الاستماع للصوت الواحد؛ صوت الفيلسوف، وذلك من خلال تذكر المتن السياسي لروسو الذي يعتبر الإنسان فيه كائن اجتماعي بطبعه، و مادام هذا التجمع قاد في وقت ما إلى اتفاق البشرية جمعاء على الانتقال من حالة الطبيعة – التي بدأت غريزة الملكية تغزوها – إلى حالة المدينة للعيش داخل مجتمع مدني تسوده قوانين وتؤطره مؤسسات، فبالضرورة، وجب أن لا تقف هذه التأملات عند معرفة الرب، والأمانة التي وجب على الإنسان تأديتها، بل إن هذا الدين يجب أن يهدف إلى النظر إلى كل الفرق والنحل التي تتهم بعضها البعض بالكذب والغلي، و تحتفظ لنفسها بالقول، ” أنها شعب الله المختار “، أو أنها ” خير أمة أخرجت للناس “.

لإذابة هذه الفوارق والتشنجات، يبقى لنا  أن نعرف بنود هذه العقيدة، التي تحترم كل الديانات وتعتبرها كلها صحية، والبنود التي تشتغل وفقها لتيسير العمل داخل المجتمع المدني، وتبعد كل التوترات بين الشعوب، ورفض عدم التسامح اللاهوتي والمدني.

يستدل روسو بالعصر الوثني كيف أنه لم تنشب حروب دينية ويرد ذلك إلى أن ” كل دولة كانت لها شعائرها الدينية وآلهتها، … فإنها لم تميز البثة بين الآلهة والقوانين التي لها… هكذا هو إله شعب ما، لا حق له البتة على غيره من  الشعوب. وهكذا هي آلهة الوثنيين لم تعرف الحسد قط، بل اقتسمت ملكوت الدنيا في ما بينها. “[xviii]

يوظف روسو هذا المثال  حتى ينتقل على ضوئه، إلى الإفصاح عن مقصده الذي يسعى إلى نهي الدولة عن فرض ديانة من الديانات حصرا على شعب ما، ولا إلى غزو دولة لجارتها باسم الفتوحات والمبشرين، أو حكم دولة ما على الأخرى بمنطق أن الدين الذي ارتبط بها له مريديون شكلوا أغلبية بين الديانات الأخرى، إذ لا سبيل إلى هداية شعب ما باستعباده. كما يعبر روسو.

هذا الحكم، أو المسعى الذي يطلب روسو، جاء نتيجة فحص للتاريخ والمقارنة بين أحداثه، انطلاقا من الإغريق مرورا بالوثنيين والعبرانيين، مستوقفا عند الرومان، محللا المسيح والمسلمين، ليبين كيف أن الديانة الأولى ( المسيحية ) نجحت في إقامة ملكوت روحي في الأرض واستطاعت أن تفصل بين النسق السياسي والنسق اللاهوتي، وكيف أن الثانية نجحت في بدايتها مع محمد أن توحد بين السياسي واللاهوتي، لكن انتهى المسلمون في لحظة ما إلى إعادة هذا الفصل، الشيء الذي أقام بين ” هذه السلط المزدوجة تنازع الاختصاص الأبدي الذي جعل قيام أي سياسة صالحة أمرا محالا في الدول المسيحية؛ وهكذا لم يخلص الناس قط على معرفة من منَ الأمير أم الكاهن يجيب عليهم أن يطيعوا.”[xix]

تنقيب روسو لم يكتف بفحص الديانات والمقارنة بينها، بل تجاوزه للبحث لدى المشرعين والفلاسفة، ليتوسل بصاحب الليفياتان – هوبز – الذي بدا له أنه استطاع – من بين المسيحيين – أن يضع يده على الداء والدواء، ووحد بين رأسي التنين، إذ تنبه إلى أن مصلحة الكاهن سرعان ما ستكون فوق مصلحة الدولة على الدوام.

على هذا النحو، يرى روسو أن  الدين المدني، أو ” الدين منظورا إليه  في نسبته إلى المجتمع، وهو الذي إما عاما أو جزئيا، فيجوز أيضا أن يتفرع إلى نوعين، ألا وهما” دين الإنسان ودين المواطن. فأما الأول، وهو الذي لا معابد له ولا مذابح ولا طقوس، ولا المقصور على عبادة الرب الأعلى عبادة باطنية خالصة، وعلى الواجبات الأخلاقية الخالدة، فإنما هو دين الإنجيل الطهور والبسيط*، وهو التأليه الحق، أو ما يجوز نعته بالحق الإلهي الطبيعي. وأما الثاني فمستقر أمره في بلاد واحدة يهبها آلهتها وأولياءها حماة لها مخصوصين عليها. ولهذا الدين عقائده وطقوسه وشعائره الدينية الظاهرة المسنونة بمقتضى قوانين.”[xx]

وهكذا، فإن الاختلاف بين هذين النوعين من الديانات بيّن؛ فالأخير منها يجمع بين حب الدين والحفاظ على القوانين التي تؤطر المجتمع، إذ يجعل من الأمير يحكم باسم الرب، وكل خرق للقوانين هو معصية لتشريع إلهي، يرجم صاحبه بالكفر، ويطرد خارج الدين، هذا الدين يحتكم إلى نشر الفكر الطقوسي أكثر ما ينشر قيم حقوق الإنسان، وهو دين زائف بالنسبة لروسو لأنه مبني على الكذب والبهتان. أما الدين  الأول فهو دين الإنسان، دين الفطرة والشعور الباطني، دين يحترم الإنسان في كليته، إلا أنه حسب روسو، ملتزم بالواجبات الدينية، لكنه منعزل على الجسم السياسي، الزاهد في القوانين، والفاقد للروابط المجتمعية، ومنافي للروح الاجتماعية.

بهذا يخلص روسو إلى القول أن الرعايا في الدولة لا يلزمهم تقديم قربان أو  ممارسة طقوس كما هو الحال في دين المواطن، كما أن شرائع هذا الدين يجب أن تكون قليلة واضحة، لا يشوبها غموض وتضع في حسبانها المجتمع، أو بعبارة روسو نقول: ” هناك إذا، إعلان مدني خالص يعود لصاحب السيادة أن يضبط بنوده لا على جهة أنها، بالتدقيق، عقائد دينية، بل على أنها شعور بالألفة الاجتماعية من دونه لا يمكن للمرء أن يكون لا مواطنا صالحا ولا راعيا من الرعاية المخلصين.”[xxi]

صفوة القول، لنجدد اللقاء ( لقاء الفقيه بالفيلسوف ) حتى نبين ملامح العلامات التي رسمناها منذ الوهلة الأولى لهذه الورقة؛ علامات سعت إلى تتبع نفسية القس وسيادة الفيلسوف، التي بدت في آخر المطاف أنها تناقضت مع ذاتها، إذ بُشر لنا اللقاء في الوهلة الأولى أن هذا الدين سعى إلى نبذ توجيه النقد للديانات، نظرا لفقدان الناقد لعيش التجربة، إلا أن سيادة الفيلسوف في الكتاب الثاني (في العقد الاجتماعي ) أخلف الوعد وبدأ بتوجيه سهام النقد لبعض الديانات المتجدرة في التاريخ، بل ذهب إلى وصف بعضها بالكذب والبهتان، وتوسيم بعضها بالدين الحق ( المسيحية التي لم تتحقق بعد ). إلا أن هذا اللقاء من جهة، يبقى صحيا نظرا لتظافر الجهود لا لتقديم نظرية متكاملة، بل لتقديم منهج للتفكير في قضايا الدين.

* – اكتفينا في هذا الجانب بقراءة الشق المتعلق بدين الفطرة، والذي أقدم على  ترجمته عبد الله العروي في كتاب منعزل.

[i] – إبن رشد ( أبو الوليد )، ” الحكمة صاحبة الشريعة، وأختها رضيعة “، فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من إتصال

[ii] – روسو ( جان جاك )، إميل أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد، نقله إلى العربية ، نظمي لوقا، تقديم، أحمد زكي محمد، المركز العربي للطباعة والنشر، ص-ص. 24-25.

 

[iii] – روسو ( جان جاك )، دين الفطرة أو عقيدة قس من جبل السافوا، ترجمة عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2012، بيروت لبنان، ص. 27

[iv] – روسو ( جان جاك )، دين الفطرة، نفس المرجع، ص. 28

[v] – دين الفطرة، مرجع سابق، ص. 32

[vi] – نفس المرجع، ص-ص. 32-33، بتصرف.

[vii] – دين الفطرة، مرجع سابق، ص. 33.

[viii] – نفس المرجع، ص. 36.

[ix] – نفس المرجع، ص. 37.

[x] – دين الفطرة، مرجع سابق، ص. 39

[xi] – نفس المرجع، ص. 40.

[xii] – نفسه، ص. 40

[xiii] – دين الفطرة، مرجع سابق، ص. 43.

[xiv] – نفس المرجع، ص. 48.

[xv] – نفس المرجع، ص. 50.

[xvi] – نفس المرجع، ص.ص، 55- 56. بتصرف.

[xvii] – دين الفطرة، مرجع سابق، ص-ص. 107-121. بتصرف.

[xviii] – روسو ( جان جاك)، في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة وتقديم وتعليق، عبد العزيز لبيب، فضاء الفن والثقافة،، المحمدية، ص. 238. بتصرف.

[xix] – في العقد الاجتماعي، نفس المرجع، ص. 241.

 

* –  يقول روسو في العقد الاجتماعي، مرجع سابق،” يتبع ذلك أن ما بقي، إذا، من دين هو دين الإنسان، أو قل المسيحية: ولا أقصد مسيحية اليوم، وإنما مسيحية الإنجيل، وهي تختلف عن تلك اختلافا تاما، ولما تم للبشر، بهذا الدين المقدس والجليل والحق، أن كانوا أبناء الرب الواحد عينه، تيسر لهم جميعا، أن يعترفوا بعضهم ببعض إخوانا؛ وهكذا لا تنحل رابطة المجتمع الذي يوحد بينهم ولو بعد الموت.” ص. 245

[xx] – نفس المرجع، ص. 243

[xxi] – نفس المرجع، ص. 249.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: