ثورة مع تأجيل التنفيذ و حيز للصراع بين قوى التقدم و فواعل الإرتداد

img
ثورة مع تأجيل التنفيذ و حيز للصراع بين قوى التقدم و فواعل الإرتداد .
بقلم منجي الجديدي 
إن الدارس لتاريخ الثورات الإجتماعية ليعلم أنها تأتي و يشتعل أوارها حين تصبح الأغلبية غير قادرة ، بل رافضة لمجرد الإستمرار في العيش في الظروف القائمة . فتتمرد و تهدم الموجود سعيا لإقامة شكل جديد من الحياة يمس كل أركان المجتمع و طبقاته و العلاقات الدائرة في فلكه . كذلك كان ديدن الشعب التونسي ممثلا في فئاته المفقرة المعدمة و في مقدمتها الشباب المعطل عن الأمل قبل العمل .
تعددت الشعارات و المطالب و قامت الجماهير في الجهات التي تمثل المهد الأول للهبة الشعبية بأهم المهام الثورية جسامة أي تحريك الراكد و ٱستفزاز العقل الخامل و الأهم من كل ذلك ؛ كسر جدار الخوف .
بناءا على ما سبق فإن ما يحدث منذ 17 ديسمبر إلى اليوم ما هو إلا ٱستكمال لما بدأته الجماهير في سيدي بوزيد و القصرين و قفصة من قبلهما . و على عكس ما ترمي إليه قراءات بعض الجاهلين بحركة التاريخ و بالحتميات التي تتخلل بضع فصول منها ؛ فإن ما حدث و يحدث هو حراك ثوري دائم و سيرورته هي عين ديمومته ، أما تلك المحاولات الإنقلابية التي شابت الحراك و كل محاولات الإنحراف و كل محاولات التأثير الوافدة بما يسخره الخارج لتخريب بيت الداخل فهي مما يحسب على أعداء الحراك الثوري لا على القوى الثورية نفسها . و هي شبيهة لما يحاك ضد كل شعب أثناء الحيز الزمني الذي يحاول فيه قتل المجتمع القديم تمهيدا لميلاد مجتمع مغاير.
لذلك فإنه من الوجاهة بمكان في نظري تجاوز السؤال عما إذا كان ما يحدث ثورة أو ٱنتفاضة بالإجابة التالية : إن ما يحدث منذ سنين ست هو حيز للشد و الجذب بين قوى التقدم و قوى الإرتداد ، بين السعي إلى ٱستكمال مهام تجعلنا في النهاية نقول بٱرتياح أن شعبنا قد أنجز ثورة ؛ هذا من جهة و بين مساع حثيثة للعودة بالمجتمع إلى ما قبل الهبة الشعبية على يد يمين لبرالي و مساع تشابهها للعودة بالمجتمع إلى ما قبل الدولة أو حتى ما قبل القبيلة على يد اليمين الإسلاموي ؛ هذا في الجهة المقابلة .
في معرض الحديث عن هذا الحيز الزمني و تمظهراته ، وجب التأكيد على خطر و خطل القول بقيام ثورة و نهايتها و نجاحها في ٱن لأنه لا يعد أن يكون هرولة نحو نهاية سعيدة … زائفة . فإذا كان بناء مجتمع جديد على أسس مغايرة و بدائل شعبية هو ما يتوقف عليه نجاح القوى الثورية في مهامها من عدمه فإن واقع الحال يقول أن ما تم تحقيقه ليس بالقليل القليل لكن ما ينتظرها من مهام هو الأكثر و الأهم . فما الذي حققته الجماهير و طلائعها خلال السنوات الست ؟ و ما المطروح عليها في قادم الأيام و السنين ؟
إن أول ما وهبته دماء الشهداء كهبة للنخبة هو فتح المجال للتعددية السياسية ، إذ تم بفضل التضحيات التي بذلها شهداء الحراك الإجتماعي و الثوري فتح الباب أمام النخب السياسية على تعددها من المشاركة في الشأن العام ما عدى بعض الإستثناءات التي وجدت لها السلطة تبريرا قانونيا ليس هذا مجال بيان وجاهتها من عدمه . و لحق هذا المنجز إرساء دستور قامت فلسفته العامة على ضمان حرية التعبير و التنظم و تأسيس الجمعيات ، أي ما يسمى في الفكر السياسي بالٱليات الديمقراطية . و هي مكاسب بذلت من أجلها الدماء ، دماء خيرة حكماء البلد .
رغم قيمة المنجز الذي تم ذكره ، فإن القول بأن تحقيق تلك المكاسب “الديمقراطية” هو ٱنتصار نهائي للثورة ينم عن نظرة اختزالية يعاني أصحابها ضبابية الرؤية و عدم تمكن من مفهوم الثورة في حد ذاته .
لذلك وجب علينا طرح المهام التي على القوى الحية المضي قدما في تحقيقها و هي التي لا يكتمل مفهوم الثورة دونها و على رأسها:
تحقيق تحرر وطني حقيقي يمر عبر إلغاء كل ٱتفاقية تنص على تبعية بلادنا للخارج سواء على مستوى إقتصادي ، عسكري أو سياسي و فضح و التشهير بالعناصر التي تدين بالولاء للخارج تمهيدا لإقصائها من الساحة السياسية بشتى الأساليب الممكنة . و ذلك لضمان ٱستقلال القرار السيادي عن كل ضغوط خارجية . و هذا مطلب الجماهير الواعية بأن كرامة المواطن من كرامة وطنه و هو ما لخصته في عبارات موجزة : كرامة وطنية .
إلا أن ٱستقلال القرار السياسي الوطني لن يكون ذا معنى إن لم يشفع بٱستقلال إقتصادي يمر عبر ٱستعادة الشعب لثرواته التي تنهبها دوائر الإحتكار العالمي بتواطؤ من البرجوازية الكمبرادورية و ممثليها السياسيين ، و ذلك ضمن مسار كامل لتصفية المصالح الإمبريالية في قطرنا و الجعل من ثروات البلد عامل تراكم داخلي يمهد الطريق نحو القطع مع سياسة التداين الشبيهة بالتسول و من ثمة الشروع في بناء اقتصاد وطني مهيكل و منتج تدمج فيه كل فئات المجتمع و جهاته و تكون أو الخطوات على دربه إصلاحا زراعيا جذريا يضمن الإكتفاء الذاتي الغذائي كرهان أدنى . ثم سياسة تصنيع معوض للتوريد كسد أمام نزيف العملة و ٱختلال الميزان التجاري هذا ما دعم كل قطاع منتج يوفر قيمة مظافة .
لكن هذه البدائل و غيرها تبقى غير ذات جدوى إن لم يكن لها ٱنعكاسات ملموسة على الواقع الإجتماعي المزري ، إذ لا مناص من أن تنعم كل الفئات و الجهات على قدم المساواة بثمار كل إصلاح مع تفاضل إجابي يمنح للفئات و الجهات الأكثر تضررا من الخيارات القائمة . و يمكن أن تستفيد تلك الجهات من ثمار التغيير الشامل في شكل تطوير لبنيتها التحتية و إقامة مشاريع ٱستثمارية عمومية تستوعب أكبر عدد ممكن من طالبي الشغل و في مقدمتهم الشباب الذي حصل شهائد جامعية بجهد و مثابرة سنين . أي لتحقيق مطلب ثوري ألا هو الحق في الشغل و هو الذي كان و لا يزال المحرك الرئيس للإحتجاجات الشعبية ، حتى في الوقت الذي أخط فيه هذه الأسطر يتحرك الشباب المعطل عن العمل في أكثر من جهة طلبا لموطن شغل يفر خبزا يأكل بكرامة .
إذن فإن الإحتجاجات و التحركات الإجتماعية باقية ما بقيت أسبابها و دوافعها ، و السيرورة الثورية ماضية إلى الحد الذي تحقق فيه أهدافها .
حتى و إن ٱستكثر بعض الدارسين للحظة 17 ديسمبر إطلاق إسم الثورة أو المسار أو السيرورة الثورية عليها . فإنها سواء أقروا بذلك أم لم يقروا قد بعثت فينا الأمل و ٱستنهضت هممنا و بعثت فينا إرادة ثورية نهتدي بقبسها كلحظة إعلان لثورة …
لكن مع تأجيل التنفيذ .
Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.