ثورة تلمذيّة تنطلق من معهد ابن زُهر – تَستُور

img

سميرة ربعاوي

ثورة تلمذيّة تنطلق من معهد ابن زُهر – تستور.

 

بعيدًا عن الثورة بمعناها النمطيّ، كإطاحة مفاجئة  بالنّظام الحاكمِ في بلدٍ ما حتّى يحصل الشعب على مطالبه ويحقّق قضاياه، سنتحدّث اليوم عن بوادر ثورةِ فكريّة إذا شئنا أن نكيّفها بهكذا توصيف. هي ثورة على عادةٍ كانت ولا زالت محلّ جدلٍ في السنوات الأخيرة ألا وهي “دخلة الباك سْبور” كما دَرجَ المجتمع التونسيّ على تسميتها.

“دخلة الباك سبور” هي شكل من أشكال الإحتفال داخل كلّ معهد، قُبيْل إجراء إختبار الباكالوريا رياضة. وقد يتنافسُ كلّ قسم من   خلالها على إستعراض ما لديه من مظاهر البهجة أمام بقية أقسام الباكالوريا المنتمين إلى الشُّعبِ الأخرى، كلُّ حسب قدراته الماديّة .

في السنوات الفارطة، أصبحت هذه الظّاهرة شكلا من أشكال التعبير عن المواقف والآراء، ولعلنا نستدلّ على ذلك بتلك اللاّفتات الضخمة التي رُفعت في آخر العام الدّراسي الفارط والتي كانت تُعبّر بوضوح لا فقط عن آراء التلاميذ الذين رفعوها ، وإنّما أيضا عن بعض القضايا التي تمسُّ المجتمع بأسره كحادثة وفاة الإحدى عشر رضيعا في مستشفى الرابطة ،أو مناهضة الإرهاب ،أو عدم الرضا عن نتائج الإنتخابات وغيرها من المسائل، في مشهدٍ يكشفُ عن رسائل سياسية وفكرية لجيلٍ ترعرع في “لُبّ الإنتفاضة”، وقد لقيت هذه التعبيرات ترحيبًا كبيرا من قِبل وسائل الإعلام المختلفة و مواقع التّواصل الإجتماعي.

               

“تلاميذٌ يُضحّون بدخلة الباك سبور ليساهمُوا بالمصاريف المرصودة لها لفائدة صندوق 1818”

في ظلّ ما تمرّ به البلادُ اليوم من وضعٍ إستثنائيّ حتّمه وباء كورونا، حيثُ إمتدّت أيادي المواطنين ومكوّنات المجتمع المدني لإسنادِ المؤسّسات الصّحية العمومية نظرا لتردّي أوضاعها وعجزها عن مجابهة هذا الفيروس، نجدُ أيضا تلاميذ الباكالوريا إقتصاد وتصرّف الذين يدرسُون في معهد إبن زهر بتستور يقفون في الصفّ الأمامي كجيوشٍ تضحّي باحتفالاتها المُرتقبة، من أجل أن تكون هي أيضا مساهمة بإمكانياتها المادّية في هذا الإسناد.

يقول سيف كحلون، وهو أحد منسّقي هاته الحملة، بأنّه و زملاءه كانوا يفكّرون في جمع مصاريف ذلك الإحتفال قبل موعد العطلة، و لكن نظرًا لشُحّ الإمكانيات المادية لديهم فقد تعذّر عليهم ذلك حينها، ليتمكنوا فيما بعد من تحصيل ذلك المبلغ على مدى شهرين تقريبا  ، وقد نسّقوا مع الأطراف التي ستساعدُهم في التحضير لدَخلة الباك سبور كالاتصال بالرسام الذي سيُعدُّ لهم اللافتة.

ولكن بعد الإعلان عن دخول البلاد في الحجر الصحي وحظر الجوَلان، إرتآى سيف وزملاءه  أن يتخلّوا عن دخلة الباك سبور و في المقابل، قرّروا التبرع بذلك المبلغ  لفائدة صندوق 1818.

“هي دعوةٌ تنطلق من ربوع تستور الأبيّة  من أجل إعادة النّظر في الشكل النمطي لدَخلة الباك سبور”

في كلمةٍ لبقية التلاميذ من كلّ معاهد الجمهورية من أجل أن يقتدوا بما فعلهُ هو وزملاءه ، يذكّرهم سيف كحلون بعباراتٍ تتّقدُ حماسةَ وتكشفُ عن وعيٍ ونُضجٍ واضحين،   بأنّ الدولة تمرّ بوضعٍ صعب للغاية وأنهم لنِ يتوانوْا عن مدّ يد المساعدة قدر الإمكان. كما أنهم يرتقبون من الدّولة أن تتجاوز هذه الأزمة،  ليعودوا لمقاعد التعليم و ينهوا هذا الموسم الدّراسي بنجاحٍ ودون أيّة عواقب، خاصّة وأنّ جميع الدّروس توقفت بما في ذلك السّاعات الإضافية.

وقد تكشفُ لنا هذه المبادرة التي قام بها سيف وزملاءه  عن بداية ثورةٍ عمّا هو نمطيّ وتقليديّ. ففي ما مضى تعوّدنا على رؤية الشباب مُزاحًا على الهوامش، يستغلّه من له النّفوذ للوصول لمواقعَ أكثر نفوذا، في حين تبقى هاته الفئة من الفئات المستضعفة  والمهمّشة عن أي دورِ ريادي. ولكنّ هذا الجيل الجديد الذي يُدرك جيّدا أنه يمتلكُ طاقة هائلة لا يمكن التفريط فيها ، فإنّه يُبرهنُ للجميع -بمثل هكذا مبادرات- بأنّ الحاضر والمستقبل له.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: