ثمانية أسباب لمشاهدة فيلم “الختم السابع ” للعبقري إنجمار بيرجمان، حميد عقبي

img

المخرج السويدي العالمي إنجمار بيرجمان، يمتلك 85 فيلماً سينمائياً مثلت مراحل فنية خاصة بالمخرج وبالمسار السينمائي العالمي، منها أفلام صعبة الفهم مثل فيلم ” الختم السابع ” الذي يحتاج منا أن نعد أنفسنا للغوص في حالة ضبابية سوداء وقاتمة وننزلق بجدل فلسفي وفكري حول ميتافيزيقيات وحكايات من الماضي لكنها ركض نحو الحقيقة وصرخة ضد قبح الحروب وما تورثه من قسوة والذي أخرجه عام 1957 وهو فيلم غير عادي ومن أهم مفاتيح فهم سينما بيرجمان والتلذذ بتذوقها، في حال نجاحك مشاهد والإحساس بما فيه من فجائع بعد لك يمكنك أن تحلق مع سينما حالمة وشعرية، سينما مختلفة.
الموت
للموت مكانة خاصة وعنصر ديناميكي يحضر في أغلب أفلام المخرج السويدي إنجمار بيرجمان، فيلمه “الختم السابع” يكاد يكون مسرحاً للموت وهنا نرى ملك الموت مجسد وشخصية حاضرة ومتحركة وليس مجرد دلالاة خفية، الموت يلتقي مع الفارس العائد من الحروب الصليبية، على شاطئ وأرضة قاسية وصخرية، فضاء يطغي عليه السواد والكأبة، نحن هنا لسنا بالضبط مع حكاية تاريخية لعكس حقائق تاريخية أو توثيق وليس هدفه ثقافة تاريخية، ما يهمه أنه يعود إلى الماضي ليجعله حاضراً ليلفت نظرنا ويزج بنا إلى الواقع المعاش ويلعن الحروب الوقحة وما تسببه من ذعر وخوف وموت ودمار داخلي.
الطاعون

سنعيش مشاهد مرعبة وجوه وأجساد شوهها الطاعون، إنها نهاية العالم، الطاعون هنا يحضر مع طقوس دينية ودعوات وتهاليل حيث يلجاء الناس إلى الله ولكن الله يلتزم الصمت رغم تضرع الصغار والكبار والعجائز، هنا التمسك ولو بقشه صغيرة للهروب من هذا المرض المخيف، هنا نتوقف مع الفارس الذي يراجع مسار حياته كإنسان، هو عكس لتفكير الفنان حول الألم والواقع الإنساني الحاضر المشبع بالوجع، ينشط النقاش الفلسفي حول ما يعصف بالعالم وألم إنسان العصر.

وجهات نظر مختلفة
كل شخصية في هذا الفيلم لها فلسفة ووجهة نظر خاصة، لها معتقد، الفارس يساوره الشك في وجود الله ومقدرته لوهب السعادة والفرح، أسئلة كثيرة وغياب الرد المقنع، نرى لقطات كثيرة عامة وبعيدة حيث الفضاء الفارغ، حيث البحر مثلا يحد ويحاصر الفارس فلا خيار له سوى أرض قاحلة لا فرح فيها.هنا يعكس المخرج صراعه الداخلي بين تربيته الدينية وما يعتقده حالياً.
عناصر جمالية مدهشة

فيلم “الختم السابع” كأفلام بيرجمان الشعرية، نقش شعري مفجع وصارخ بلغة سينمائية بليغة، نتعايش مع النور والظلمة، الدخان المتصاعد أو الضباب، يحاصر المخرج شخصياته ويسجنها في طقوس غير إعتيادية، نرى ببعض اللقطات النار تشتعل في عمق الكادر خلف الشخصيات، البناء التشكيلي في كل لقطة، نظرات العيون الباحثة عن النجاة أو الحالمة بالأمان والحياة.

الضوء على الوجوه والأشياء لخلق مشاهد الحلم حيث لا منطق وكذلك يحضر الظل وتتمظهر الظلمة لتخفي معالم من الكادر أو جزء من الوجه، هذا الصراع والتلاعب بين الأبيض والأسود والرمادي.

الكفر والإيمان

إنجمار بيرجمان يصور الكافر الملحد ويعرض شكوكه في وجود الله والملائكة والبعث وكل المقدسات ويصور كذلك المؤمن ويعرض قوة إيمانه وأحلامه وسعادته بالمقدسات، نجد في هذا الفيلم الفارس الذي لا يؤمن بالغيب ويريد رؤية الله وجهاً لوجه كذلك يعرض تلك العائلة الفقيرة المعدمة من متاع الدنيا والغنية بالإيمان وهي عائلة مكونة من أب يعمل كممثل وأم وطفل صغير يحبو، هنا الثالوث المقدس الأب والابن والروح القدس، تفرح الأم وهي ترى روح القدس وتشعر بسعادة لا توصف.

بيرجمان لا يشوه أو يسخر من صورة المؤمن ويعرض بصدق وموضوعية فرح وطمانية المؤمنين ويرى أنهم يمتلكون خيال طفولي بدائي وتسعدهم الخرافات ولهم قدرة لتخيل العالم الميتافيزيقي غير المرئي ومن خلالهم يخترق اللأمرئي ليجعله مرئياً وملموساً.

توترات حسية

إنجمار بيرجمان لا يخفي ما ينتابه من قلق ويعرض تواتراته الحسية وهذيانه وخيالاته فكل فيلم فيه شخصية ما مصابة بالشك وقلقة ولديها أسئلة عن الغيب والموت والمقدس وقد اصيب بيرجمان بعدة نكسات نفسية جعلته يقيم بدار الرعاية النفسية والعصبية، هنالك مشاهد في هذا الفيلم بالغة التعقيد جاءت من اللأوعي ولها ميزة شعرية تتجاوز الحكاية والمنطق الدرامي والمادة السينمائية ويرفض المخرج شرحها أو مساعدتنا لفهمها، وهنالك مشاهد تنسكب بأحلام إنسانية بحاجة إلى معرفة بعلم النفس ومنهج فرويد لفهمها وقد لا يساعدنا كل هذا لفك شفرات وغموض بعض المشاهد وخصوصاً في هذا الفيلم الصعب وهو يستخدم السينما ويجدها وسيلة مثالية صادقة وساحرة في تصوير الحلم والأحاسيس الإنسانية كالخوف والفرح والسعادة والقلق.

القداسة للمرأة

بيرجمان ينحاز إلى المرأة في كل أفلامه، في هذا الفيلم يعطي القداسة للمرأة فهذه زوجة الممثل هي وحدها من ترى السيد المسيح طفلاً يحبو، هي وحدها من ترى العالم الميتافيزيقي وهي المؤمنة الحقيقية وتمتلك القوة لتقود غيرها في وسط الظلمات وتشعر بالسعادة وتعطي بعض الأمل للمستقبل رغم الطاعون وشبح الموت وسطوته، هنا ملك الموت فقد السيطرة وتجبر وربما ظن أنه الله.

رؤية إخراجية وطرق مبتكرة
إنجمار بيرجمان له طرقه الخاصة وإبتكاراته ولا يستند على الإرث النظري والجمالي الكلاسيكي أو الذي كان في عصره، قد نفاجئ بصوت غريب ودخيل أو يحرك كاميرته نحو شيء ما أو بطريقه لا تتفق مع نظريات الإخراج وقد يربكنا بقطع سريع، هو يربكنا ويشكك بواقعية ما يحدث كونه ببساطه يحيلنا إلى أحلامه وكوابيسه الشخصية ويقاسمنا ما يشعر به، ونرى تقلبات الوجوه وربما صراخها أو ضحكاتها الهستيرية أو الصمت المطبق في حالة نظن أننا بحاجه لسماع شيء ينقذنا من الغموض، كل شيء قد يحدث وكل شيء ممكن ومحتمل إنه بيرجمان لا يقلد ولا ينسخ بل يبتكر ويجدد ثم يهدم وينسف ثم يعيد البناء ويراجع ما قدمه، كل مشهد سينمائي يقوم على تأمل بلغة سينمائية شعرية مستخدماً الحجب والحذف ويستمتع بتقديم لقطات يخلق منها لوحات تشكيلية أو فواتغرافية ساحرة.

———–

* سينمائي يمني مقيم بفرنسا

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.