ثلاث قصص قصيرة جدا ، مصطفى الجرتيتي – المغرب

img

لسعة عزيز..

عاد عزيز من الصحراء حيث يعمل في صفوف الجيش منذ سنين طويلة. عاد و قد أنهكه الاستمناء، للزواج من عايشة بنت العربي. كان يراودها عن نفسها كلما حط الرحال في الدوار خلال “البرمسيون” ليعرب لها عن عشقه و ولعه بها. لم تكن تكترث للهاثه و سعاره و كانت تكتفي بالقول: يكون خاير أعزيز… سير… سير دابا.
في بعض الأحيان، و عندما يحتد به الشوق لرؤية عايشة، كان يكتفي بإجازة قصيرة صنف “كارونط ويتور” ليظفر و لو برؤية خفيفة لوجهها و قوامها الممشوق.. يسترق النظر ليتوارى بعد ذلك إلى خندق مجاور، “يشنق” الماعون ثم ينصرف.
هذه المرة، لن يكون لعايشة ما تبرر به أعذارها. لقد فاتح والديها في الموضوع و قبلا فورا. لن يجدا لها زوجا مثل عزيز، الرجل الذي اختار الغربة و العمل بعرق “الترييي”، بدل المكوث في الدوار و التربص بجحشات الناس البريئات كما يفعل سائر أقرانه. كان يختار بعناية فائقة أيام سفره إلى الدوار و كان يحرص جيدا أن يصادف يوم وصوله إليه السوق الأسبوعي. تكون الفرصة سانحة لأن يكشف للأهالي عن زيه العسكري و رتبته التي تعلو رقبته..
جهز غرفته بما يلزم من أثاث، سرير خشبي و بونج يتهاوى مع أول قعدة، مسجلة كبيرة و أشرطة العروسي و شامة الزاز. اقترض مبلغا من “البوسطة” ليدبر به أمور الصداق و العرس.
بسرعة خيالية، ضرب الأبيض في الأسود و حدد موعد الزفاف..
لم يكن هناك ما يشغل بال عزيز غير ليلة الدخلة. فيها سيبرز فحولته لوالديه و لعروسه و لأهل الدوار كذلك. هي مناسبة أيضا ليبرز لعايشة من يكون.. هل هو عسكري أم مجرد بطاطس؟..
أوشك الحفل على الانتهاء. بينما ظل الرجال و النساء و الأطفال ينتظرون خروج السروال، كان في كل مرة يسمع مناداة السعدية من خلف باب الغرفة: ” سربي أعزيز… سربي الناس باغيين يمشيوا ينعسو…”..
انقطع “الزي” وسط الغرفة ليرتاب الحضور من أمره.. قرر بعض رجال الدوار استطلاع الأمر فارتأوا فتح الباب بالقوة بأمر من المقدم… يا لهول الكارثة !! عايشة مستلقية على السرير، و عزيز مستلق هو الآخر بجانبها و كأنهما من ضحايا الحرب..
نادى الحضور على عجل على ممرض المستوصف القروي لتشخيص حالتهما، فكشف عنها على الفور..
لقد أصيب عزيز بانهيار حاد للضغط الدموي، بينما أصيبت عائشة بتسمم حاد جراء المياه الآسنة التي تراكمت في إحليل عزيز لمدة طويلة…
خرج الفرملي و هو يتلعثم قائلا:
– ” عندو داك الشي مسموم… مسموم، خاصني نضرب ليها يبرة د السم د العقارب”.

وزارة القناطر…

كنت قد درست في “الميسيون”. كنا بعدد قليل داخل قسم فسيح يسع لتجري فيه الخيول.. كل أساتذتنا كانوا طيبين، بشوشين و مرحين. ندرس قليلا، نتعب، فيأذنون لنا بالاستراحة. كنا نقضيها في المقهى المجاور نتناول الفطور، نشرب القهوة و ندخن سيجارة الصباح اللذيذة. كانت نرجس تدخن “كمال”، ذات العلبة الصفراء فوقها رسم الجمل، بينما أدخن “المانبورو” البيضاء الخفيفة. صدري و رئتاي لا يقوون على الحمراء…
بعد البكالوريا، اخترت الهندسة و قرر والداي إرسالي إلى مدرسة “القناطر” بفرنسا، حيث سأتخرج منها مهندسا. بلادي في حاجة إلي و إلى مهندسين أمثالي. يخدمون بلدهم و ينمون بنياتة الفوقية و التحتية. نرجس اختارت دراسة المعمار في كندا. هي الأخرى كانت تسعى إلى “تعمار” الدار ..
أنهيت دراستي بتفوق، بعدما وقف والداي بجانبي في كل صغيرة و كبيرة. ألحوا علي أن أرجع للبلاد، فاللهم قناطر بلادي و لا قناطر البلدان.
كان أبي في تلك السنة قد فاز في الإنتخابات فوزا عظيما. لم يدخر جهدا في التحضير إليها بكل ما أوتي من وسائل و إمكانيات “متواضعة”. لكن ربي، و نيته اختاراه من دون غيره أن يكون على رأس وزارة “القناطر”.
أجرى مكالمة هاتفية قصيرة، فوجدت نفسي في مكتب وثير بزربية “رباطية” مفروشة على الأرض، و كاتبات كثيرات.. قلت له:
لماذا كل هذا يا بابا؟ لم كلفت نفسك؟ فأجابني:
إن البلاد و العباد يعولون عليك يا بني..أرني ما تجيد صنعه.
شمرت على ساعدي و لبست قبعتي الصفراء ثم خرجت للعمل الميداني.. المكتب لا يروقني كثيرا.. أنا إنسان براغماتي..
قنطرة أولى رابت، ثانية زلزلت زلزالها حتى قالوا مالها؟ قلت لهم: لا شيء، و ثالثة تشققت لكنها صمدت..
بعدئذ، نزعت القبعة و عدت إلى المكتب لأنجز مجسما أخر لقنطرة رابعة…

أبا العربي البوال..

“فيق الكلب بالكلب لاخور.. فيق جيب لهاد الطشمة د البشر ما يحنجروا… تاكلو فيه السم ينشعلاه كاملين”..
كان ابا العربي يستفيق كل يوم على إيقاع هذا النداء الحاد، يصله إلى غرفته كالسهم قادما إليه من فم السعدية الذي لا يعرف غير التفوه بمثل هذه الكلمات الجارحة..
يتململ و يتقلب ذات اليمين و ذات الشمال على فراشه المهترئ، الذي حرصت السعدية على إبعاده و عزله قدر ما أمكن. لم تعد تتحمل رائحته العطنة التي تصيبها بالرغبة في التقيؤ كلما اقترب منها أو مر بجانبها. تقف فوق رأسه قائلة:
– ” نوض أ البوال لاخور… نوض”..
يتحسس ابا العربي “محاسنه” و سرواله فيجد بركة من البول.. يفهم آنذاك أنه قد “بلط” بالأمس و تبول غزيرا في الفراش و في كل أرجاء الغرفة.. لم يقو على النهوض للذهاب إلى المرحاض، فاكتفى بقضاء حاجته في عين المكان..
-” سامحيني السعدية الله يشد ليك ف الصحيحة.. ما عمري باقي نعاود..”. يقول المسكين متوسلا إلى السعدية ذات البنية الضخمة ك “فيدور” الحانة التي “بلط” فيها بالأمس.
كان كثير السكر. يسكر بالليل و النهار، في الصباح و المساء. كلما أتعبه كلام السعدية و سبابها، يقصد الحانة و لا يبرح منها إلا و هو “يحبو” كالرضيع.. يعود للبيت فيجد ها واقفة عليه ك “عزرائيل”..
– ” سكرتي عاود الصالوبار ياك؟ سكرتي؟”
تكون الدنيا ضاحكة له بعدما يكون قد أخذ قرضا بنكيا سمينا، فيخرج ابا العربي ما في جعبته: لحوم حمراء و أخرى بيضاء، أسماك غالية، فواكه “إيكزوتيك”، مملحات و مقرمشات، جبن و ياغورت.
تتطلع إليه، تفهم مراده ثم تقول له:
– ” زيد زيد كتقطع فالقلب.. الله يخليها سلعة”..

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً