ثقافة التّغيير من منظور النّاموس الثّوري تساؤلات حول “الثّورة التّونسيّة”

img

ثقافة التّغيير من منظور النّاموس الثّوري

تساؤلات حول “الثّورة التّونسيّة”[1]

 

د.المولدي قسّومي

باحث في علم الاجتماع

جامعة تونس

 

مــقــدّمـــة

بدءا بالأهميّة التي تحتلها الثقافة والدّور الذي تلعبه في تحديد مسارات التّغيّر الاجتماعي في مختلف صيغه (ومن بينها الصّيغة الثّوريّة للتّغيير). وبالنّظر إلى أنّ الثقافة تعتبر الإطار المرجعي الذي تتقيّد به كلّ أنماط التّفاعل في نطاق الكلّيّة الاجتماعيّة التي تنتهي إلى بناء الفعل الجماعي الموجّه إلى التّعامل مع تناقضات السّائد بطرح آليّات التّغيير أو البدائل التي يتّفق على أنّها أنساق ثوريّة. وبالإحالة على أنّ كلّ الثّورات أو تجارب التّغيير – “في نسق ثوري” – التي عرفتها الشّعوب مرتبطة حتما بمدى استبطانها لثقافة التّغيير قبلا و بعدا. فإنّ علم الاجتماع كجزء من العلوم الانسانيّة الأكثر تناولا لمثل هذه المواضيع محمول على ضرورة قراءة وتحليل وتفسير ما يحدث في تونس ومحيطها الاقليمي ويُفهم حسب التّداول اللّفظي على أنّه “ثورة”. لذلك فإنّه من الضّروري أن يشتغل على مساحة التّقاطع بين الثّقافة والتّغيير ليختبر ما حدث ولا يزال يحدث على جملة من المحدّدات الذّهنيّة والرّمزيّة التي نعبّر عنها بالبنيات التّكوينيّة لحالة الاستبطان الجماعي، والتي يمكن أن تحدّد ما إذا كان هذا “المسار الثّوري” هو فعلا نتيجة تبلور حالة من الوعي الجماعي بضرورة التّغيير الجذري، وضرورة تغيير المنظومة السّائدة بمنظومة بديلة، أم هي حالة عفويّة من الجيشان الاجتماعي التي لم تراكم على الحالات السّابقة في تاريخنا الحديث والمعاصر والفاقدة بدورها للعناصر التّكوينيّة لثقافة التّغيير. خاصّة إذا ما عتبرنا أنّ الثورة في بعض مناحيها هي فعل ثقافي – سياسي واقتصادي شامل يهدف إلى إحداث تغيير عميق وهيكلي على مستوى الواقع المادّي والرّمزي للمجتمع، قد تبدأ بالنّظام السّياسي، ولكنّها لا تكتمل إلا بتغيير نمط العلاقات القائمة وإعادة تنظيم البناء الاجتماعي بشكل جذريّ. ولكنّها أيضا لا تحدث إلاّ حينما تتوفّر العوامل الموضوعيّة والأسباب الجوهريّة التي تنتهي حتما إلى إنتاج فعل ثوري واع لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يؤجّل عمليّة التّغيير أو يلغيها. لذلك ليس بالإمكان فهم التّغيير الثّوري على أساس أنّه مرحلة من مراحل التّطوّر الطّبيعي ولا من حيث أنّه منوال أكثر فاعليّة وقدرة على التنظيم الاجتماعي ولا أيضا على أساس أنّه انتقال إلى طور جديد من التّاريخانيّة، لأنّ ذلك كلّه قد يحدث بشكل طبيعي وفي نسق غير ثوري وفي كلّ المجتمعات بما فيها الأكثر تطوّرا أو تخلّفا على حدّ سواء. ولكن الفهم الدّقيق لهذه المسألة يستدعي الوقوف على الفعاليات المتعلّقة بتحوّل كامل للنّسق المتحكّم في الفعل بشكل عام ومن ورائه الأطر الاجتماعيّة المتّصلة به والمعبّرة عن شكل جديد من الوجود الاجتماعي الذي يفضي إليه الصّراع بين مكوّنات المجتمع وعلاقات القوى التي تحكمه، من منطلق ضرورة وعي تلك القوى بتلك النّتيجة الطّبيعيّة، ومن منطلق أنّ ضرورة الوعي تلك تبقى غير كافية إذا لم تعبّر عن أنّ التّغيير الجذري هو بدوره ضرورة موضوعيّة. لأنّ التّغيير في نسق ثّوري بقدر ما يتطلّب قواعد انتقال من طور إلى آخر فإنّه مشروط بقدرة الفاعلين في عمليّة التّغيير على تفكيك البنيات والأنساق القديمة واستبدالها ببنيات وأنساق جديدة ينبغي حتما أن تكون من مُنجزات عمليّة التّغيير وهذا ما يمكن أن يترجم القدرة الذّاتيّة على التّغيّر[2]. فالانتقال من  نسق إلى نسق لا يتوقّف على إحداث التّغيير السّياسي فقط بل هو في علاقة تبعيّة مستمرّة مع الرّهانات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تتطلّب أداء من النّمط المختلف كلّيّا.

نحاول أن نختبر هذه السّمات على مفهوم التّغيير الاجتماعي باعتباره مسارا من إعادة تشكّل البنيات الاجتماعيّة بصورة قابلة للملاحظة والتّشخيص ويسمح بقياس الفروق بين وضعيّتين متغايرتين لتلك البنيات مع ما يعنيه ذلك من إدراك نتائج التّغيّر على مستوى الخصائص الجزئيّة للمجتمع وخصائصه الكلّية سواء خضع إلى عوامل خارجيّة أو داخليّة. غير أنّ واقع الحال ولئن توفّرت فيه العوامل السّياسيّة والأيديولوجية والاقتصاديّة والثّقافيّة إلاّ أنّه من باب المجازفة الإقرار بأنّه مسار من التّغيير الاجتماعي الصّرف حتّى وإن ورد مشبعا بحالة يعتبرها التّداول الشّائع “ثورة”. من هنا نجد تبريرا للتّساؤل حول أسباب وشروط وعوامل التّغيير في نسق ثوري انطلاقا من راهن المجتمع التّونسي. ومن هنا يجد السّؤال حول ثقافة التّغيير مبرّراته العلميّة. ومن هنا كذلك نجد تبريرا لضرورة اختبار ما يسمّى على سبيل التّداول اللّفظي “ثورة” على بعض هذه الشّروط التي تمثل العناصر التّكوينيّة لثقافة التّغيير، إنطلاقا من مسلّمة أنّ ثقافة التّغيير هي أساس اكتساب القدرة الذّاتيّة على التّغيّر.

   أوّلا – في مفهوم ثقافة التّغيير

يبدو أنّنا مجبرون على بناء المفهوم معرفيّا، لأنّ ثقافة التّغيير بصفتها مفهوما يعني أن نتجاوز بها شموليّة الاصطلاح التّداولي في نطاق المعارف الشّائعة ونضعها في إطار من الدّقة المفاهيميّة التي تجمع بين معنى الثقافة ومعنى التّغيير رغم انفلاتهما من إمكانيّة التّعريف النّهائي. فمفهوم الثقافة كمفهوم التّغيير، كلاهما ككليهما، يحملان العديد من الدّلالات ويحتملان تفسيرات ومعان عدّة. لذلك يبدو أنّه غير ممكن الوقوف على تعريف واحد ونهائي لكل من المفهومين، وإن أمكن فهو أمر غير مجد باعتبار أنّ المحمولات الدّلاليّة لكلّ منهما تحتكم إلى ما ينطبق على المعنى من انعكاس في الواقع وما يتضمّنه هذا الواقع من فعل دائم ومتبدّل يوحي بمعنى التّغيير أو معنى الثّقافة[3]،  كما تحتكم إلى ما يضيفه الفعل في الواقع من دلالات للمعنى الذي يحتمله المفهوم. وفي الحالتين يكون الاحتكام إلى حالة ديناميكيّة لا تسمح بالوقوف على دلالة استاتيكيّة لمعنى الثّقافة أو معنى التّغيير.

هناك وجهة نظر سوسيولوجيّة ترى أنّ الثّقافة تتبلور في “عمليّة اكتساب التقاليد الثقافيّة وهي العمليّة التي تنتقل بها اللغة والمعتقدات والأفكار والذوق الجمالي والمعرفة والمهارات والاستخدامات في مجموعة اجتماعيّة معيّنة أو طبقيّة اجتماعيّة ومن شخص إلى آخر ومن جيل إلى آخر”[4]. وهناك وجهة نظر أخرى من نفس الحقل العلمي ترى أنّ “الثقافة هي مجموعة مترابطة من أساليب التفكير والإحساس والفعل المتماثلة إلى حدّ ما تتعلمها وتشترك فيها جماعة من الأشخاص يكونون مجموعة خاصّة متميّزة”[5].

ولكن ما فائدة أن نستعير تعريف المفهوم من تالكوت بارسونز أو رادكليف براون أو رالف لينتون أو عبد اللّه العروي أو محمد عابد الجابري[6] دون أن توفّر لنا الاستعارة ما نحتاج إليه من الدّقة المطلوبة لما تعنيه الثّقافة بالمعنى الذي نستعمله في اختبارنا للتّغيير الذي يعيشه المجتمع التّونسي راهنا. لأنّنا في هذا المستوى لا نحتاج المعنى الذي يستعمل الثّقافة باعتبارها جملة من المتغيّرات أو المكوّنات التي تتحوّل إلى بناء وتشييد وعمران عندما نجتهد في تحقيق تجلّياتها الحضاريّة. بل إنّنا نحتاج مفهوم الثّقافة بالمعنى الذي يعبّر عن كونه فضاء ذهنيّا أو إبستميّة Epistémè تتشكّل داخلها بنية الرّأي العام الجماعي وتوجّهاته العامّة في تجانس على مستوى الفعل والمرجعيّة ليضمن حالة من الاندماج الثّقافي لمجتمع ما. فالثقافة بهذا المعنى هي المجال الحقيقي الذي يعبّر عن الاختلاف بين المجتمعات والأطوار الزّمنيّة، إذ يتغيّر الفضاء الثّقافي من مجتمع إلى آخر ومن حقبة زمنيّة إلى أخرى، وهي بهذا تتّخذ دلالة أكثر وظيفيّة ومعنى يكاد يكون مرادفا لمعنى المجتمع لأنّ “دلالة الثقافة لا تقتصر على المعارف والأنشطة الأدبيّة والفنيّة والعلميّة والعقليّة والروحيّة والعقائديّة والقيميّة والأخلاقيّة، وإنّما تمتد وتتسع لمختلف الممارسات والتجليات العمليّة والسلوكيّة والحياتيّة فضلا عن أشكال الحكم وأنماط الإنتاج ومضامين المواقف والممارسات السّياسيّة والاقتصادية والاجتماعيّة والعسكريّة إلى غير ذلك”[7].

نفترض بناء على ذلك أنّ الثقافة ليست معطى مطلقا أو محايدا، إذ يمكن أن تُستخدم كأداة للتّغيير ويمكن أن تحتضن روافع التّغيير والوعي به وإدراك مقوّماته وشروطه، فنتحدّث حينئذ عن ثقافة التّغيير. كما يمكن استخدامها في الوقت ذاته كأداة لتثبيت ما هو قائم وإعادة إنتاج السّائد والدّفاع عن مصداقيّته أو إضفاء مصداقيّة عليه، حتّى وإن كانت مصداقيّة وهميّة نظرا لأنها تعبّر عنه بصيغ جمعيّة ترتبط بالوعي العام للمجتمع وبقوالب تفكيره وسلوكه وعاداته وفنونه وآدابه، فنتحدّث حينئذ عن ثقافة المحافظة. وفي الحالتين فإنّ الثقافة تتّسم بالشّموليّة لتتّسع من بين ما تتّسع إليه المبادئ العامّة للسّياسات، “سواء تعلّق الأمر بالسّياسة الإقتصاديّة أو التّعليميّة التّربويّة، أو أسس العمل السّياسي، أو القيم الحافزة لأيّ عمل أو نشاط في أيّ من هذه المجالات”[8]. وهي على نفس المنحى المشار إليه قد تكون مبادئ محافظة أو مبادئ حاملة لآليّات التّغيير وشروطه ومبادئه.

وعلى اعتبار أنّ الثقافة هي الإطار والمضمون الفكري الذي يحدّد المجتمع سماته المميّزة، فإنّ هذا الإطار وذاك المضمون يتنوّعان أو يختلفان بالنسبة إلى الظروف السائدة، فالثقافة تحمل بين طيّاتها السّمات الاجتماعيّة المتوارثة والمستجدّة. والثقافة هي رؤِية ينتجها أفراد المجتمع لتجسيم حياتهم، وهي المنطلق الذي يتحكّم في مجمل نشاطات الإنسان بمختلف مظاهرها الفكريّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وتنعكس في ممارسات الإنسان الماديّة والفكريّة في التعبير عن المجموعة، فهي قائمة بالأساس على المشاركة. “إنّ الثقافة هي شخصيّة الأمّة ومنتجة حضارتها، وهي النتاج الفكري بكلّ تفرّعاته الفرديّة والجمعيّة سواء أكان النتاج عقيديّا أو اجتماعيّا أو سياسيّا أو اقتصاديّا أو فنيّا، وهي فعل إنساني، يتراكم عبر مسيرة الأفراد والمجموعات في رحلة التاريخ الطويلة. وهكذا تكون الثقافة نشاطا مكتسبا ومتراكما… وهي بهذا المفهوم قابلة للتبدّل والتغيير والإضافة والحذف لأنها جزء من النشاط الفردي والجمعي على حدّ سواء”[9].

لذلك سيكون أنفع بالنّسبة إلى الموضوع قيد التّناول وأكثر وظيفيّة أن نستعمل صيغة تأليفيّة لمعنى الثّقافة حتّى وإن كان التّعريف لا يستجيب لمعناها الشّامل لأنّه على أيّة حال لن يكون شاذا في هذا المنحى عن قصور المفاهيم الأخرى التي سبقته في التّراث المعرفي[10]. فيمكن اعتبار أنّ الثّقافة هي ذلك الفضاء الذّهني الشّمولي الذي يتشكّل من عمليّة الاستبطان الجماعي الممتد أفقيّا على المستوى المجالي (أي على مستوى الكلّية الاجتماعيّة) والزّمني (أي على مستوى عنصر الاستمرار والدّوام) والذي يتحكّم في عمليّة الفعل الاجتماعي ويحدّد مجتمعيّته ويضبط ماهيّته وأهدافه ويرسم مساره واتّجاهه.

أمّا مفهوم التغيير فيوجد ضمن إطار مفاهيمي واسع يشتمل على العديد من المصطلحات المتقاربة مثل التقدّم والتطوّر والنموّ والتحوّل. ولكن رغم التقارب بين التغيّر وبين هذه المفاهيم لا يمكننا الجزم بعدم الاختلاف، إذ يمكن القول بأنّ التغيّر أشمل منها بل هو قادرعلى احتوائها. التغيّر يمكن أن يكون نموّا أو تقدّما أو تطورا[11].

ويعتبر التغيّر ظاهرة اجتماعيّة وأي نظرة للمجتمع تدلّ على أنه في تغيّر مستمرّ. فالتغيّر صفة ملازمة منذ بداية تشكّله حتّى أرقى مستويات اكتماه واندماجه. فهو صفة أساسيّة للمجتمعات على اختلافها سواء أكانت رعوية أم زراعيّة أم رأسماليّة أو اشتراكيّة، نامية أم متقدّمة. فإذا كان التّطوّر هو الانتقال من حالة إلى حالة أخرى فالتغيّر الاجتماعي هو الانتقال من نظام اجتماعي إلى نظلم اجتماعي آخر. ويشير التغيّر الاجتماعي إلى الاختلافات والتبدّلات التي تتبلور في نفس التدرّج الاجتماعي عبر الزمن.

وقد أثبتت الدراسات السوسيولولجية[12] والأنتروبولوجية أنّه ليس هناك مجتمعات في حالة ثبات وإنّما هناك مجتمعات ديناميكية، أي أنّ كلّ المجتمعات في تغيّر مستمرّ، والاختلاف في عمومه بينها يرجع إلى مدى سرعة التغيّر والعوامل المؤدّية إليه، وأنّ كلّ دراسة في علم الاجتماع هي دراسة لمظاهر التّغيّر والأسباب التي تقف وراءه قبل كلّ شيء.

وعلى ضوء هذا يمكن تعريف التغيّر الاجتماعي بأنه المظهر الديناميكي للمجتمع الإنساني والحركة المستمرة المتتابعة التي تتم من خلال التفاعل الاجتماعي عبر الزمن، وتعبّر عن أنماط من عمليات الانتقال والتنمية والتقدّم، وتنمّ عن الاختلافات والتعديلات التي تطرأ في طبيعة ومضمون وبناء الجماعات والنظم، وكذلك في العلاقات الاجتماعية كالسلوك والعادات والنظم والقوانين خلال تتابع الزمن، بحيث يمكن ملاحظتها وتقديرها. كما نجد في مناحي أخرى أنّ التغيّر يعني التبدّل في الأنساق ومنها أنماط الفعل وأنماط التفاعل، وكذلك هو التبدّل الحاصل في التنظيم الذي يجمع بين البناء والوظائف[13]. وبالتّالي هو كلّ تبدّل في البناء الاجتماعي يُلاحظ على مستوى فئات واسعة من المجتمع ويغيّر مسار حياتها ولا يكون مؤقتا وسريع الزوال[14].

للتّغيير وجهان: وجه ضار ووجه نافع وعادة ما يكون التّغيّر المفاجئ ضارّا لأنّه في الغالب يكون منفعلا بمحدّدات خارجيّة ولا يعكس مجتمعيّة التّغيير… وثقافة التّغيير هي التي تضمن الوجه النّافع للتّغيّر أي اكتساب القدرة على إنجازه والتّحكّم في نتائجه حسبما تقتضيه حاجة المجتمع إليه سواء كانت حاجته السّياسيّة أو الاقتصاديّة أو غير ذلك.

أمّا مفهوم الثورة فهو بدوره يحيلنا على شكل من أشكال التّغيير. فمن خلال دلالتها الاجتماعية والسّياسيّة والثقافيّة فهي تعني التغيير الجذري والانتقال من وضع إلى وضع. بقطع النّظر عن الاختلافات العميقة بين المقاربات والنّماذج التّفسيريّة التي تتناولها بالفهم والتّحليل وقد تختلف إلى حدّ التّناظر. وهو ما يمثّل سمة أساسيّة في علم الاجتماع الذي تكوّن أصلا على أساس الاجتهاد في تجاوز المناويل التّفسيريّة لبعضها البعض[15].

الثورة إذن ظاهرة اجتماعيّة ذات علاقة بتغيير النظام السّياسي  والبناء الاجتماعي وما يتّصل به في الحقل الاقتصادي الذي يعبّر عن بنية إنتاج المجتمع لوجوده وواقعه المادّيين، وهي لا توجد وحدها معزولة عن غيرها وتهدف إلى إحداث تغيير جذري للنظام بالكامل وإقامة نظام جديد يقوم على أسس جديدة. ومن هنا نميّز الثورة عن الإصلاح والانقلاب والانتفاضة[16]. “كلمة ثورة تشمل كلّ فعل يؤدّي إلى تبديل الأوضاع تبديلا جذريّا سواء أكانت أوضاعا طبيعيّة أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة. ومن هنا جاء استعمال كلمة ثورة في سياقات مختلفة كالقول بالثورة الصناعيّة أو الثورة المعلوماتيّة، للإشارة إلى جملة التبديلات الراديكاليّة التي تطرأ على حياة الشعوب، وعلى الحضارة الإنسانيّة، هكذا فإنّ الثورة تعني بالنهاية استكمال حقبة وانتهاء فترة زمنيّة، ذلك أنّ طبيعة الثورة أنها تمثل نقطة اللاعودة إلى الماضي وتسمى هذه العملية قطيعة ويدلّ هذا اللفظ على الانفصال والتعارض بين حالة حاضرة والحالة التي سبقتها مباشرة”[17]. فالثورة هي صيرورة من التراكمات يساهم الناس من مختلف مواقعهم في نسج فصولها، لذلك فكلّ ثورة تحمل في طياتها محدّداتها الخاصّة غير القابلة للاستنساخ أو التقليد. غير أنّ للثورات صدى لدى بعضها البعض وتأثيرات ممكنة ومحتملة على بعضها البعض.

فمفهوم الثورة ينبني على مبدأ الرفض لواقع متدهور يريد الثائر تغييره ويعتزم تحطيمه وتكون محمّلة بمعاني التمرّد والعصيان والمقاومة وإرادة التحرّر والحماس وتقود إلى تغيير جذري للأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وبشكل شامل وعميق وعلى المدى الطويل، ينتج عنها تغيير في بنية الفكر الاجتماعي لمجتمع الثّورة وإعادة توزيع الثروة والسلطة السّياسيّة. ويقتضي استيعابها ثقافة عصرية شاملة وممارسة فعليّة للنقد الاجتماعي والثقافي. “فأغلب الثورات تحدث من جرّاء استياء عام بين الشعب بسبب تراكم مشاكل خطيرة : فالفقر والظلم والقسوة والفساد ووجود حكام غير مؤهلين كلها عوامل تؤدّي إلى الثورة”[18]. وعلى المستوى الميداني فإنّ الثّورة تبدأ على شكل احتجاجات تأخذ بعدا شعبيّا تكسر حاجز الخوف، ومن ثمّ تتحوّل إلى غضب شعبي ينتهي إلى تحقيق ما ذكره إيرك هوبسباوم باقتضاب وتكثيف شديدين في قوله بأنّ الثورة هي تحوّل كبير في بنية المجتمع[19] بشكل يؤدّي مباشرة إلى إحداث تغيير جذري على مستوى العلاقات الاجتماعيّة[20].

وهنا يبدو من الضّروري أن نفهم ظاهرة التّعميم من زاوية العلاقات التي تجمع الثورة بغيرها من تعبيرات الصّراع الاجتماعي. ومن هذه الزاوية فإن شيئا لا يمكن أن يفلت من الملاحظة والفهم بفعل الحركة المضاعفة أو الامتداد الثنائي: فمن ناحية أولى كل شيء فيه قابلية لأن يكون موضوعا ثوريّا، ومن ناحية ثانية كل الوقائع هي ثورات، على الأقل بشكل افتراضي، وفقا لمبدأ التّغيير الذي حدث أو هو بصدد الحدوث على مستوى الكلّية الاجتماعيّة أو على مستوى بعض عناصرها سواء كانت العناصر السّياسيّة أو الاقتصاديّة أو البنيات والأنساق الفرعيّة للمجتمع. وكذلك وفقا لمبدأ أنّ كل فعل اجتماعي وسياسي ينتهي إلى أيّ تغيير هو ثورة بالبداهة والأمر هنا ينسحب على الانتفاضة والتّمرّد والعصيان والخروج و”الانفجار الاجتماعي”. كما أن الأمر ينطبق على كل فعل صاخب وعنيف في مواجهة النّظام فينال عنوانا ثوريّا دون وعي بذلك ودون التزام بما ينبغي أن يفعل هنا أو هناك، رغم أنّه قد لا ينتهي إلى إحداث تغيير جذري عبر مراحل متعاقبة من التّبلور المستمر يمكن أن نسمّيه انتحالا عن جورج غيرفيتش بمسار الهدم والبناء وإعادة البناء.

فهل من أهميّة للثقاقة في تحديد مسار التغيير الثوري ؟

إنّ أهميّة الثورة تكمن في كونها تمثل مشروعا مجتمعيّا يقوم على التغيير وإعادة بناء مجتمع جديد، فهي من منظور الحاملين لشعاراتها تسعى إلى إنتاج نظام اجتماعي جديد يختلف عمّن سبقه من حيث المؤسّسات الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة التي لم تكن في السابق قادرة على تلبية حاجيات ومتطلبات المجتمع، فيسعى من خلال هذه الثورة إلى تغيير جذري يقطع مع الماضي.

إذن، تمثل ظاهرة الثورة شكلا من أشكال التعبير الاجتماعي عن رفض السّائد والتّوق إلى التغيير بشكل واع بالأهداف المرجو تحقيقها ومدرك أنّ مآل العمل الثّوري يمسّ مختلف جوانب حياة الأفراد والجماعات التي تسعى إلى الرقيّ والتقدّم. حينئذ يمكن أن نقف على أهمّية التّلازم الوظيفي والتّكامل البنيوي بين التّغيير والثّقافة، حيث تتّسم الثّقافة بالخاصيّة الدّيناميّكيّة التي تتوافق مع التّغيير كقانون نوعي للاجتماع الإنساني، وحيث يتّسم التّغيير بالخاصيّة الثّقافيّة باعتبار أنّه متّصل بالوعي والإدراك البشري لآليّاته وشروطه حتّى يكون عملا واعيا ويكون بمثابة حالة ثقافيّة. وانطلاقا من الإطار القار الذي تلتقي فيه الثقافة بالتغيير تتشكّل ثقافة التّغيير التي يمكن أن تنتج في بعض مناحيها مُنجزا ثوريّا أو حالة من التّغيير في نسق ثوري.

وباعتبار أنّ الثقافة حالة من الوعي[21] الذي يلعب دورا هاما في عمليّة الإدراك لدى الأفراد الذين ينتمون إلى مجتمع يتميّز بديناميكيّته وتحوّلاته الدائمة والمتواترة، فإنّ العلاقة بين الثقافة والتغيير لا تحدّد باتجاه واحد أي بعلاقة سبب ونتيجة وإنّما تتشكل وفق منظومة تكامليّة تتفاعل فيها العوامل الاجتماعيّة مع العوامل الثقافيّة في إطار تغييري حركي. وعليه، فإنّه لابدّ من تحديد أهداف تبلور ثقافة الأفراد في ضوء الأهداف العامة للمجتمع. فالفرد الذي تسعى الثقافة إلى تغييره لا يعيش في فراغ كما أنّ الثقافة لا تعمل في فراغ وإنّما يرتبط كلّ منهما بمجتمع له سماته وخصائصه وظروفه المرحليّة التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند توجيه الممارسات الثقافيّة وتحديدها بما في ذلك عمليّة تغيير المجتمع التي هي عمليّة ثقافيّة بأتمّ معنى الكلمة.

“من المؤكّد أنّ تونس لم تعان حكما مستبدّا وفسادا سياسيّا وماليّا مدمّرا ونهبا للثروات والمقدّرات وإفسادا شاملا للحياة السياسيّة واحتكار السّلطة فقط، ولكنّها عانت – وربما هذه هي المعاناة الأصل- من نتائج ذلك على صعيدي ثقافة المجتمع ومنظومة القيم فيه. إنّ إشاعة ثقافة الخوف والجزع والتواكل والاستسلام للقدر الاجتماعي، وقيم الانتهازيّة والتقرّب لأصحاب الجاه والنفوذ وفقدان قيم التضامن والشعور بالكرامة الفرديّة والجماعيّة، إنّما هي من الأوضاع السلبيّة المدمّرة للنسيج الاجتماعي التي ترمي إلى تحقيقها كلّ سلطة مستبّدة، فاسدة وغير شرعيّة، فقد عملت النخب المستبدّة على تشويه وتخريب النسيج القيمي والبنى الثقافيّة”[22]. ولكن التّاريخ أفادنا بأنّ كلّ ذلك يمكن أن يحدث في سياق جدلي لأنّه في المقابل تتشكّل قوى مضادّة تحمل قيم العدالة والحرّية والمساواة وتتطلّع إلى تنزيل الفرد منزلة المواطن في علاقته بالدّولة والمجتمع. هذا ما يمكن أن نسميّه البيئة الثّقافيّة للتّغيير، ولنا في الثّورة الفرنسيّة (1789) مثالا على ذلك، لأنّها هيّأت أساسها الثقافي في حركة واسعة وناشطة للتغيير من ديدرو ومونتسكيو وروسو إلى فولتير وغيرهم، وعندما انتصرت كانت البيئة الثقافيّة مهيّأة لقبول قيم مثل الحريّة والإخاء والمساواة، الشعارات الأساسيّة التي رفعتها، في حين أنّ التجربة العربيّة المعاصرة لم تستطع توفير المستلزمات الثقافيّة للتّغيير حتّى تتمكّن من إتمام المنجز السياسي وتطويره والسير بالتوجّهات التغييريّة إلى حيث تهدف[23].

ثانيا – البنيات / العناصر التّكوينيّة لثقافة التغيير

من التّعاريف الوظيفيّة التي توصّلنا إليها في فهم معنى الثّقافة، هي أنّها تعمل على تطوير النماذج الاجتماعيّة، فهي ليست مجموعة من الأفكار والمعتقدات تتبنّاها جماعة معيّنة فقط، وإنّما هي منظومة هادفة ومحرّكة لها فاعليّة في الوسط الاجتماعي وتنعكس على التنشئة الاجتماعيّة وعلى القيم والسّلوك وتسعى إلى تنمية البنية الذهنيّة للفرد حتى يصبح عنصرا فاعلا في المجتمع[24]. وبفعل دورها البارز في تحديد ملامح واتّجاه التّغيير فلا ينبغي أن يكون مقصورا على تبديل أشخاص بأشخاص ولا أحزاب بأحزاب أخرى، بل ينبغي أن يكون فعلا شموليّا متواصلا. فالثورة، أيّة ثورة لا تنتهي بمجرّد الإطاحة بنخبة سياسيّة حاكمة من موقع السلطة، وهي حين تتوقف عند هذه الحدود لا تكون ثورة ولا تستوفي شروط  المُنجز الثّوري[25].

التغيير الذي تنادي به الثورة يتطلب وعيا نوعيّا – بخصوصيّة المرحلة – يتّسم بالسّياقيّة الشّاملة ويتميّز بالفاعليّة على مستوى البنية الكلّية. فحتى لو كان المجتمع يشهد نزوعا شاملا إلى الديمقراطيّة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وحتى لو أصبحت الديمقراطيّة حاجة عامّة وجماعيّة في ظلّ ظروف تنذر بالتغيير، فإنّ الفئات المضطهدة لن تتمكّن من تغيير أوضاعها إلا بعد أن تكتمل لديها أركان ثقافة التّغيير التي  لخّصناها في الوعي النّوعي والسّياقيّة الشّاملة والفاعليّة على مستوى البنية الكلّية. وهي الأركان التي تحكم علاقة تلك الفئات بأهداف نضالها وغاياتها وسبل تحقيقها[26]. “إنها لا تعني الثقافة التي تردّد مفردات الثورة السّياسيّة وشعاراتها، ولا المجتمع الذي يشارك في المظاهرات، وإنّما تعني الثقافة التي تعيش الثورة والتغيير في داخلها كثقافة ثقافة قادرة عل استبطان ديناميكيّة المجتمع والسّياسة والاقتصاد معا أي ديناميكيّة الكلّية الاجتماعيّة: ثقافة ترسّخ النقد والإبداع والتفكير العقلانيّ والاجتهاد والنجاعة العلميّة… بقدر ما تعيد إنتاج القيم الإيجابيّة في المنظومة الكلّية لتكون العامل المحدّد لبلورة مجتمع المساواة بين الجنسين لا المجتمع الذكوري، المجتمع المتحرّر لا المجتمع البطرياركي، المجتمع المدني الحديث لا المجتمع الأهلي العصبي، مجتمع التسامح لا مجتمع التعصّب، مجتمع الإنتاج والمبادرة لا مجتمع الكسل والريع، مجتمع التضامن الوطني لا مجتمع التضامن العائلي والمناطقي والفئوي… إلخ”[27].

وبناء على ذلك، فإنّ ثقافة التّغيير فاعلة بمضامينها في صنع التاريخ والتّحكّم في إعادة إنتاج الواقع باعتبارها العقل الجمعي، فهي تمتلك قدراتها الخاصّة التي تؤثر في مجرى الاتجاه العام. لذلك فهي تبدأ من المجتمع وتدفعه إلى حدود الفعل الذي يقدّم بديلا شاملا للواقع القائم، بديلا يقطع مع الماضويّة دون أن يقطع مع الماضي بل يطوّر منجزاته ليضعها في المستقبل، وبالتالي تصبح ثقافة التّغيير هي وسيلته وبوصلته، فهي تشكّل الوعي به كضرورة ترقى إلى منزلة القانون الاجتماعي، وتحدّد الصيغة الحقيقيّة لمساره من خلال استبطان مفاهيم الحريّة والديمقراطيّة وثقافة المشاركة والمواطنة وحقوق الإنسان[28].

  • ثقافة المواطنة  

تعدّ المواطنة أرقى تكييف سياسي لمفهوم الإنسان مثلما يُعتبر الفرد أرقى تكييف إجتماعي له. التّكييف الأوّل يمنحه الحقّ في المشاركة والتّغيير، والتّكييف الثّاني يعطيه القدرة على ذلك. هذا ما يدعو إلى تعريف المواطنة باعتبارها فكرة اجتماعيّة لها صبغة قانونيّة ظهرت كنتيجة لتطوّر المجتمعات وتقدّمها، وهي تعبّر عن انتماء الفرد إلى المجتمع والدّولة في تكاملهما الوظيفي وترابطهما البنيوي. وتلازمهما بهذا الشّكل يعبّر عن أرقى منجزات العقلانيّة والحداثة الإنسانيتين لأنّهما تتحوّلان إلى فضائين متكاملين من أجل ضمان الارتقاء بالفرد إلى صفة المواطنة ومنحه هذه المكانة. وهذه الصّفة وتلك المكانة لا تعنيان فقط انتساب الفرد إلى الوطن وارتباطه به كتابع، وإنما الفرد بهذه الصفة هو عنصر فاعل في مختلف المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وله كيانه المستقل وقناعته الخاصّة، ومن حقه أن يعبّر بحريّة عن آرائه واختياراته الشخصيّة وأن يلعب دورا إيجابيّا في الحياة العامّة.

غير أنّ المواطنة ليست مجرّد نصوص قانونيّة وتشريعات وإنّما هي ثقافة مجتمعيّة بالمعنى الذي نتبنّى فيه مفهوم الثقافة هنا. فإذا كان من الضّروري أن تتوفّر الأرضيّة القانونيّة والتّشريعيّة لتحديد مكانة المواطن ودوره في المجتمع فإنّها تضلّ ضرورة غير كافية إذا لم تترسّخ في فضاء فكري ووعي جمعي متشبّع بروح المواطنة ومستبطنا لأركانها الأساسيّة حتّى تتحوّل إذا ثقافة. فالمواطنة حتّى تكون ثقافة ينبغي أن تكون حالة وعي جمعي يترجم سلوكيّا بنفس درجة التّمثل الجماعي لمحدّدات السّلوك المواطني، وهو سلوك يتمّ اكتسابه والتمرّس به كقيمة مشتركة ثمّ تتحوّل بفعل الاستبطان الجماعي من قيمة إلى ثقافة.       فالمواطنة – القيمة عندما تتحوّل إلى المواطنة – الثّقافة تصبح فضاء فكريّا وسلوكيّا ينتج القيم والمبادئ المواطنية،  ويعيد إنتاجاها على قاعدة المسؤوليّة والمساواة والكرامة والحريّة. وهي المبادئ التي تملك القدرة على تحويل الخلافات إلى حوار والاختلافات إلى تنوّع بما يسمح بتقوية الاندماج الاجتماعي. فهي ” تضمن للمواطن حقوقه المختلفة وتوجب عليه واجبات تجاه دولته. بمعنى أنها تحفظ للدولة حقوقها على المواطن، وتؤدّي إلى الرفع من الثقة لدى المواطن والدولة تجاه أحدهما للآخر بما يحقق لحمة النسيج الاجتماعي، ويؤدّي إلى الشراكة في تنمية المجتمع من خلال المواطن والدولة في نفس الوقت”[29]. وهي “تحفز المواطن على المطالبة بالحقوق مع أداء الواجبات في صيرورة الاستمرار والتطوّر ممّا يرتقى المواطن نفسه إلى الوعي بمكانة المواطنة في حياته الفرديّة وفي مجتمعه، فهي قيمة أخلاقيّة واجتماعيّة وسياسيّة ومعرفة وثقافة ووعي حتّى تكون سلوكا وممارسة”[30]. من هنا تكون المواطنة فاعلا أساسيّا في عمليّة التّغيير وفي فرض التّغيير متى اقتضت الضّرورة ذلك.

تحدّد ثقافة المواطنة منظومة القيم والتمثلات والسلوك الأساسي لاكتساب المواطنة والتربية عليها، كما تحدّد الإطار الاجتماعي المرجعي لممارسة الحقوق والواجبات والعلاقات بين الأفراد والجماعات والدولة. وتعمل على ترسيخها وإعداد الأرضيّة اللازمة والمناسبة لإعداد المجتمع المطلوب لتحقيق الديمقراطيّة والحريّة والعدالة التي تمثل الأهداف الأولى لأهمّ الثّورات في التاريخ الانساني الحديث والمعاصر، ومن ضمنها “ثورة المواطنة” التي فجّرها التّونسيّون حينما “ثاروا على ميزات الرعيّة التي أراد أن يؤبّدها فيهم نظام الاستبداد والفساد، ومكّنتهم الثورة من أن يصعدوا سلّم الارتقاء إلى منزلة المواطنين”[31]. وهذا ما كانت تؤكّده الشّعارات التي كانت تقود الثّورة في ظلّ غياب القادة الحركيّين حينما كانت ترفع شعارات المواطنة في ثلاثيّة “الشغل والحرّية والكرامة الوطنيّة” وكأنّها رجع صدى للشّعارات المواطنيّة التي ميّزت الثّورة الفرنسيّة في ثلاثيّة المساواة والحريّة والأخوّة. وليس أكثر من قدرة ثقافة المواطنة على نحت ثقافة التّغيير، حيث يحقق الفرد من خلال اكتسابه لهذه الثقافة مواطنيته كعنصر ينتمي إلى مؤسّسة الدولة التي تعمل على خدمته ويصبح وجودها البنيوي والوظيفي محكوما باكتما ل مواطنته.

  • ثقافة المشاركة

من المهمّ التّذكير بأنّ مفهوم المشاركة متّصل اتّصالا وظيفيّا بمفهوم المجتمع، وفعل المشاركة هو فعل مجتمعي بالأساس. فقد طوّرت العلوم الاجتماعيّة أدوات فهمها للمجتمع انطلاقا من السّؤال الذي طرحه عالم الاجتماع الألماني جورج زيمّل منذ القرن التّاسع عشر[32]  حول الأرضيّة الأساسيّة التي تشكّل الرّوابط الاجتماعيّة بحيث يقبل النّاس العيش معا في إطار التّبعيّة المتبادلة. واتّجهت بعض هذه العلوم إلى فكرة أنّ المجتمع يتكوّن على أساس ثلاثة أقطاب كبرى هي السّلطة والتّبادل المشترك ومجموع الانفعالات الجماعيّة[33]. هذه العناصر التي تجعل من المجتمع منظومة من الوظائف الحسّية والرّمزيّة المتكاملة والتي تجد تجسيدها في الحقل الاقتصادي والحقل السّياسي والحقل الثّقافي.

لذلك فإن فكرة المشاركة، منذ الإغريق[34]  حتى الآن قريبة جدّا من فكرة المجتمع، إنّها بالمعنى الوضعي تعني نسق الاقصاء  انطلاقا من السّياق اليومي وصولا إلى السياق السّياسي. لأن السّياسي يشتغل على مقوّمات اليومي ويجعل منه موضوعا للمشاركة أو الإقصاء بالمعنى الذي يعبّر فيه اليومي عن التقارب الممكن بين التوجهات الفردية والتوجهات العامّة في صلب الممارسة السّياسيّة المحكومة بالمحدّدات الاجتماعية والاقتصادية.

لذلك فإنّ تعريفا مطلقا للمشاركة من منظور علم الاجتماع يبقى قاصرا على أن يفي بكلّ شروط المفهوم العلمي الدّقيق والنّهائي بل تبقى كلّ محاولة  لتعريفها مجرّد مساهمة للمراكمة في المحمول الدّلالي للمفهوم. لأنّ المجتمع الذي يمثّل فضاء المشاركة يبقي في نهاية الأمر حالة حادثة باستمرار وليس حدثا نهائيّا وتامّا، وحالة مستمرّة ودائمة من التّبلور تصوغها الأنتروبولوجيا والتّاريخ[35]  بتنزيلاتهما المختلفة وباستعمالهما لكلّ مجالات الفعل الإنساني، بدءا بقواعد التّنشئة الاجتماعيّة الأوّليّة وصولا إلى الاقتصاد والسّياسة.

“نقول أن هناك مشاركة عندما تكون الظروف والبنيات والمسارات التي تعبّر عن السّياق العام الذي ينشط فيه الفاعلون قادرة على  ضمان الرّبط بين الرّغبة في اتخاذ القرار والقدرة على الدّفاع عن المصالح التي تجمع بين المشاركين”[36]. هكذا يبدو أن مفهوم المشاركة واسع الاستعمال إلى حدّ يخرج به عن نطاق الدّلالة المرجوّة. فهو في الآن مفهوم سياسي قانوني ولكنّه ينبت في حركية الجماعات ويظهر في سياق ديالكتيكي صرف، لأنّ المشاركة تتحدّد بعدم المشاركة. حيث يمكن أن نبحث في مسألة المشاركة الاجتماعية والسياسية لفاعل يبرز بغياب دوره وعدم مشاركته لأنها لا تتوقّف على مجرّد الإنجاز أو الفعل، وحيث يمكن أن يكون الأداء بتوجيه من السلطة وتنفيذا لاملاءات سياسيّة تفرغ الأداء والفعل من الصفة الإرادية للمشاركة، “فلا تؤمّن التعبير الجماعي ولا تمكّن من ترسيخ معنى المواطنة على مستوى الكلّيّة الاجتماعيّة ولا تضفي الشرعية على الفعل أو حتى الرغبة في الاختيار”[37].   من هنا ينبغي أن نميّز بين نمطين من المشاركة: المشاركة الموجّهة التي تعبّر عن خلاصة العلاقة القائمة بين المتفوّق والتابع وهوأمر ينطبق على الدّولة الكلّيانية والأطر الاجتماعيّة – الّسّياسيّة التّابعة لها، حينئذ تسعى هذه المشاركة إلى مزيد تعزيز إمكانيات السّلطة في مزيد التحكم والمراقبة والإدارة. أمّا المشاركة المستقلّة فتكون مرتبطة بالمبادرة الحرّة التي يبديها الفاعلون الممثّلين في أطر مستقلّة غير تابعة لسلطة المجتمع السّياسي[38]. ولكن في عمق المسألة هناك تواصل بينهما بفعل ظهور آليّة ناجعة في التوظيف المتبادل، هذه الآليّة هي الزبائنيّة. وهي آليّة ناجعة  في رسم نقطة التمفصل بين استراتيجيتين مختلفتين تماما: استراتيجيّة مواجهة السّلطة من طرف المجموعات المهيمن عليها والموجودة في وضعية هشّة. واستراتيجية مزيد الهيمنة من طرف السّلطة بمزيد التّوظيف لمظاهر المشاركة[39]. هذه الآلية التوفيقية تجعل من المشاركة في مسار التّغيير الاجتماعي ترجمة تقنيّة لجملة الاختيارات السّياسيّة والاجتماعية والاقتصادية. بينما ثقافة المشاركة هي تجاوز لمجرّد أن تكون عمليّة المشاركة مجرّد دور يوكل إلى الأفراد من أجل التّدليل على مكانة ما في سياق علاقة وظيفيّة تربطهم بمؤسّسة ما حتّى وإن كانت هي الدّولة[40]. فثقافة المشاركة هي أهمّ تجلّيات المواطنة من حيث أنّها تعبّر عن قدرة الفرد على التّحكّم في اختياراته داخل نسق الإكراهات والضّغوطات السّياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة. بحيث تنتقل مشاركته من إطار الانفعال بذلك النّسق إلى إطار الفعل والتّأثير فيه. وهذا المبدأ ينطبق على الفرد كما ينطبق على الطّبقة السّياسيّة وفرق الضّغط وجماعات المصالح والتّنظيمات المستقلّة وخاصة المجتمع المدني وكلّ ما له صلة بمقوّمات السّلطة الاجتماعيّة المضادّة”[41]. وهي جميعها تستمدّ أهمّيتها من صفتها كفاعل اجتماعي مشارك في مسار بناء المجتمع وإعادة بنائه بشكل متواصل، وتستمد فاعليّتها من قدرتها على إحداث التّغيير على مستوى بنيات المجتمع والتّحكّم في الدّيناميكيّة الاجتماعيّة الكليّة. وهذه الدّيناميكيّة الاجتماعيّة تعبّر عن المنافسة التّشاركيّة الدّائمة بين المجموعات والطّبقات في المجتمع الكلّي والأنساق التّعبيريّة المرتبطة بها[42].

انطلاقا من هذا البراديغم فإنّ النّسق المجتمعي (يعني بنيته المتميّزة بدرجة من التّطوّر ونمط الحياة وسلّم العلاقات بين الطّبقات الاجتماعيّة) وآليّات تعزيزه (التّعليم والنّسق المدرسي والتّنشئة على مبدأ الإختلاف وقبول الآخر مثلا) يخلقون لدى أعضاء المجتمع دوافع مرتبطة بجملة من القيم من ناحية وتوقّعات موجّهة نحو تحقيق نوع من الأهداف المنسجمة مع تلك القيم من ناحية أخرى. هذان العنصران يحدّدان السّلوك التّشاركي الذي يتبنّاه الأفراد في المجتمع. والدّوافع والقيم والتّوقّعات ليست هي الأسباب الأوّليّة للمشاركة ولكنّها تكتسب قوّة كبرى حينما تصبح فعلا من أجل التّغيير نظرا لأنّها مرتبطة بالنّسق المجتمعي[43].  وتبدأ في التّأثير لا فقط على سلوك الأفراد ولكن أيضا على هذا النّسق المجتمعي في حدّ ذاته. من هنا تتحوّل المشاركة من مبدأ إلى ثقافة. المبدأ يمكن أن يكون مجرّد عنصر تكويني للقوانين التي تتحكّم في النّسق العام، والثّقافة هي الكل المركّب الذي يتّسم بالشموليّة ويفرض استقلاليّته على الأطر الشّكليّة التي يمكن أن تكون أداة توظيف. ومن هنا يكون المرور من مبدأ المشاركة إلى ثقافة المشاركة هو انتقال من حالة العنصر التّابع والوحدة العاجزة إلى حالة البنية الكلّية والمتغيّر المستقل. وبهذا يمكن لثقافة المشاركة أن تكون رافد المواطنة وركنها الأساسي بقدر ما تكون المحرّك الأساسي للتّغيير وفرض نتائجه وتحديد نسقه[44]، وبالإمكان أن يكون تغييرا في نسق ثوري. لأنّ “ثقافة المشاركة بما تعنيه من منح الثقة للمواطنين لتشكيل مجتمعاتهم وتغييرها حسب تطلعاتهم عبر ممارسة أرقى مظاهر الديمقراطيّة والمساهمة في صياغة القرار الجماعي بموجبها يتحوّل الأفراد إلى أعضاء فاعلين ومؤثرين في مسار التخطيط والتنفيذ، ويتعاظم دورهم في الحياة العامّة”[45] ليصبح الجميع شركاء في صياغة البناء الاجتماعي وضمان اندماجه في شتّى تعبيراته المختلفة، وربّما تكون تعبيرته السّياسيّة أكثرها دقّة وتعقيدا وأكثرها تعبيرا على فاعليّة ثقافة المشاركة ومدى اكتمالها.

ولمّا كانت ثقافة المشاركة هي عمليّة انتقال من سلوك، يكتسبه الفرد من خلال انخراطه في المؤسّسات الاجتماعيّة (الأسرة، المدرسة، المجتمع المدني…) إلى مبادئ متداولة ومستبطنة من طرف الكليّة الاجتماعيّة، بقطع النّظر عن أصولها الفكريّة والاجتماعيّة، فإنّها تعبّر عن حالة مزدوجة: فهي من ناحية أولى إحدى مكوّنات المواطنة في أرقى تجلّياتها، ومن ناحية ثانية إحدى المبادئ الأساسيّة لاكتساب المجتمع القدرة على التّحكّم في شروط إنتاج وإعادة إنتاج وجوده في كلّ أبعاده ومظاهره. لأنّها ببساطة تثبت “مدى قدرة المجتمع بتكويناته المختلفة على التأثير في اتخاذ القرارات ذات العلاقة المباشرة وطويلة الأمد بحياته ومصيره”[46]. ولأنّه “في ظلّ ثقافة المشاركة والمساهمة السياسيّة يندفع الأفراد للانغماس في العمل السياسي والإقدام على المساهمة النشطة في الحياة السياسيّة بكلّ مستوياتها، حتى إنهم قد يشكّكون بالسلطة السياسيّة ويعتبرونها مجرّد أداة لتحقيق مصالح القائمين عليها، إذا ما ابتعدت بأيّة درجة عن تلبية حاجاتهم ورغباتهم. الأفراد هنا، مواطنون مشاركون نشطون إذ يمتلكون مستوى عال من الوعي بالأمور السياسيّة ويقومون بدور فعّال في الحياة السياسيّة، ومن ثم يؤثرون بشكل كبير في النظام السياسي”[47].

  • ثقافة حقوق الإنسان

يمكن أن نميّز بين مستويين يشير إليهما معنى ثقافة  حقوق الإنسان:

المستوى الأوّل هو الذي يحصرها في إطار بيئتها التي أنشأتها وانبثقت منها ولا يعطيها أكثر من إمكانيّة الالتزام بذلك دون إمكانيّة اتّخاذ البعد الكوني المطابق لمفهوم الإنسان في كونيّته. وفي هذا المستوى يتمّ حصر حقوق الإنسان فلسفة ومفهوما وقانونا ومنظومة في بيئتها الثّقافيّة الغربيّة التي أنشأتها، وفي فضائها الحضاري الغربي الذي احتضنها، وفي سياقها الحداثي المتّصل بالعقلانيّة والفصل بين الدّين والدّولة وفي صلب الأنساق الفكريّة والمعرفيّة التي انبثقت عنها وهي المرتبطة أساسا بفلسفة الأنوار. فهل أنّ حقوق الإنسان مفهوم كوني؟ أم هو مفهوم عبرثقافي؟ أم هو مفهوم مندمج في الثّقافات؟ أم أنّ تطوّره وامتداده تزامن مع تطوّر النّظام الكوني الذي ألغى الحدود بين الدّول والمجتمعات والاقتصاديّات وبالتّالي السّياسات والثّقافات؟

لا يوجد أيّ مفهوم كونيّ بطبيعته، فكلّ مفهوم يصلح بالأولويّة في الإطار الذي ظهر فيه. وإذا أردنا أن نوسّع صلاحيّته إلى مجال أوسع من حدود سياقه الخاص، فيجب علينا أن نبرّر هذا التّعميم. وإلاّ فإنّ الثّقافة التي أعطت مفهوم حقوق الإنسان كان ينبغي أن تكون ثقافة كونيّة[48].

لقد تبلور مفهوم حقوق الإنسان في سياق تزامن ظهور الدّولة الدّيمقراطيّة الحديثة التي تميزت بالتداول على الحكم والفصل بين السّلطات الثلاث وتكريس مبدأ المواطنة وضمان الحرّيات، أمّا ثقافة حقوق الإنسان فقد تبلورت في إطار هذه الدّولة… هذا السّياق غربي الأصل ولكنّه اتّسم بامتداد كوني وبالتّالي فإنّ مفهوم حقوق الإنسان وليد هذا السّياق ومتأصّل في غربيّته بمعناها الجغرافي والثّقافي، ولكن المنظومة كونيّة لأنّها تشكّلت في نطاق الامتداد الثّقافي للمفهوم وانتشاره السّياسي. كما أنّ منظومة حقوق الإنسان هي منظومة قطاعيّة نشأت وتطوّرت في سياق منظومة أشمل، وهي المنظومة السّياسيّة الاقتصاديّة الاجتماعيّة التي أفرزت الدّولة الحديثة ونظّمت علاقة الدّولة بالمجتمع وفرضت الدّيمقراطيّة كخيار كوني أمثل لتنظيم العلاقة بين الدّولة والمجتمع. لا يجوز استنقاص هذا من ذاك أو استئصاله منه لأنّ رفض منظومة حقوق الإنسان باسم الخصوصيّة الثّقافيّة يمكن أن يمثّل مقدّمة لرفض الدّيمقراطيّة ومفهوم الدّولة باسم الثّقافة السّياسيّة المرتبطة بأنظمة الحكم الاستبدادي. في هذا المجال تتعزّز ثقافة المواطنة وثقافة المشاركة  بمنظومة حقوق الإنسان في إطارها الكلّي وفي سياقها الذي يجعلها تتكامل مع نظام سياسيّ ضامن للحرّيات والمساواة في الحقوق والواجبات والحق في المشاركة والإبداع والعدالة الاجتماعيّة، أي في سياقها الذي يأخذ بمقوّمات المواطنة في مفهومها الشّامل[49]. ومن هذا المنطلق فإنّ عدم احترام مبادئ حقوق الإنسان بكلّ عناصرها التّكوينيّة هو بتر لمقوّمات المواطنة وتعامل نصفي مع الدّيمقراطيّة. فتبنّي منظومة حقوق الإنسان هو متطابق تماما مع حالة المرور من نظام الجماعة إلى نظام المجتمع (الدّولة لا تتأسّس على الجماعة بل على المجتمع) والجماعة لم تكن هي أرضيّة ولادة المجتمع المدني بل المجتمع هو الذي شكّل أرضيّة تكوّنه وتطوّره. وفي الجماعة تسود القوانين الغيبيّة والبنيات التّقليديّة والعصبيّة والتّنظيم الاجتماعي الأوّلي وسلطة القرابة وروح الولاء… أمّا في المجتمع فتسود الحداثة والعقلانيّة وقوّة التّنظيم وروح القانون[50].

المستوى الثّاني هو المتّصل بفاعليّتها على النّطاق المواطني ومدى ضمانها لمبدأ العدالة والمساواة في بعديهما الاجتماعي والجهوي. في هذا المستوى ينبغي ألا نتعامل مع المنظومة على إطلاقها بل من خلال ما يطرأ عليها من تعطيل وتمييز في علاقة بالشّرائح الاجتماعيّة والمناطق الجغرافيّة. وفي هذا المستوى من البحث يخضع فهم حقوق الإنسان إلى محدّدات اجتماعيّة – فئويّة وجغرافيّة بالنّسبة إلى البلدان المتخلّفة، فإنّنا قد نجدها متشابهة في المكانة والفاعليّة عموما ولكن في حالة التّدقيق المجالي نجدها تختلف[51]: هي الحق في الغذاء بالنّسبة إلى الجياع والحقّ في التّعليم بالنّسبة إلى الأمّييّن والحق في الشغل بالنّسبة إلى العاطلين والحق في العيش الكريم بالنّسبة إلى الفقراء[52]. في حين أنّ حقوق الإنسان في جهات أخرى تختلف نوعيّا باعتبارها منفعلة بنمط الحياة ومستوى العيش فنجدها من فئة الحق في التّرفيه والحق في بيئة سليمة والحق في التّثقيف والحق في استثمار وقت الفراغ. على هذا الأساس ينبغي أن نميّز بين حقوق الإنسان باعتبارها ثقافة، وحقوق الإنسان باعتبارها برنامجا سياسيّا للنّظام الحاكم[53]. ثقافة حقوق الإنسان لا تأخذ بعين الاعتبار التّفاوت بين الفئات والجهات في تطبيق مبادئ المنظومة بل هي ترسيخ لها في شموليّتها وكونيّتها على مستوى الذّهنيّة والمسلكيّة العامّتين دون انتقاء أيّ من الحقوق أكثر استجابة لحاجة أيّ من الفئات أو الجهات، بينما برنامج السّلطة السّياسيّة في حقوق الإنسان يأخذ بعين الاعتبار حاجة كلّ فئة وكلّ جهة من هذه الحقوق لتكون استجابته من باب الفاعليّة والنّجاعة السّياسيّتين في تحديد علاقة الحاكم بالرّعيّة.

إنّ الإنسان الذي يمثّل موضوع حقوق الإنسان يوجد ضمن علاقة أشمل، حيث تكون العلاقات بين الدّولة والمجتمع، بين الدّيني والمدني، بين الاجتماعي والتّشريعي، بين المحلّي والعالمي، بين الدّاخلي والخارجي، بين الظّرفي والهيكلي، بين المؤقّت والدّائم…كلّها في تبعيّة متبادلة[54] إلى الحدّ الذي لا يمكن أن يوجد فيه تحت سلطة واحدة بل هو يعيش تحت سلطة موزّعة تحيط به في كلّ مجالات حياته. فهو محمول على الامتثال للسّلطة السّياسيّة والعائليّة والاجتماعيّة والدّينيّة وكذلك سلطة القيم الثّقافيّة ورموزها… لأنّها جميعا وكلّ من جانبها تمثّل عناصر مهمّة ولها كلّ لوحدها دور في توجيهه والتّأثير عليه في صناعة قراره.

هذا ما يحيلنا على ضرورة طرح المسألة في جوهرها من خلال تحديد صفة حقّ الإنسان وموضوعه: فمن هو إنسان حقوق الإنسان؟ هل هو الشّخص أم المواطن أم الفرد أم الكائن البشري؟  هل يمثّل الموضوع الوحيد لهذه الحقوق أم أنّه يندرج ضمن مجموعة أشمل؟

ليس ثمّة شيء أهمّ من التّأكيد على الدّفاع عن كرامة الشّخص التي تخصّ الكائن البشري، ولكن الشّخص يتطلّب تمييزه عن الفرد. لأنّ الفرد ليس سوى مجرّد تجسيد بسيط لبعض ملامح الشّخص في جانبها الوقائعي والميداني وهو بمثابة النّقطة غير المعزولة عن إطارها الاجتماعي، في حين أنّ الشّخصيّة نسيج يحيط بتلك النّقطة وهي جزء من نسيج أشمل يكوّن الواقع[55]. فحدود الشّخصيّة ليست مضبوطة مسبقا لأنّها مرتبطة بامتداد مفهومها النّفسي والاجتماعي في حين أنّ الفرد محدود في إطاره وفضائه ومحيطه وكذلك في حقوقه. لذلك فإنّ القاعدة الأساسيّة التي تؤطّر مجال حقوق الإنسان هي الاشتغال على حقوق الفرد بكلّ معانيها، لأنّ الفرد هو قاعدة المجتمع وعلى المجتمع أن يؤدّي دوره في حمايته بصفته رافعته الأساسيّة. وحتّى نميّز بين كلّ هذه العناصر الاستحقاقيّة يمكن أن نقف على أنّها قد تكون متباينة في أبعادها ومعانيها حسب المجتمعات. فمكانة الفرد في الغرب ليست نفس المكانة التي تعطى له في مجتمعنا وكذلك مكانة المواطن، رغم أنّ مفهوم المواطن ارتبط بالدّولة الدّيمقراطيّة الحديثة التي منحته حق المشاركة. في واقعنا يمكن أن تتّجه بعض التّصوّرات إلى الدّفاع عن حقوق الأفراد أو حقوق الأشخاص لأنّها لا تشتغل على مبادئ حقوق الإنسان كلّها ولا على كامل المنظومة التي تضمن حقوق الفرد في المطلق الاجتماعي أو حقوق المواطن في صيغة التّدقيق السّياسي، لأنّها تتطابق مع الشّروط الضّامنة لحقوق الرّعايا أو المتساكنين أكثر من تطابقها مع الشّروط الضّامنة لحقوق الإنسان الذي يجمع المعاني التي يوحي بها مفهوم الفرد والمواطن معا[56]. لذلك فإنّ منظومة حقوق الإنسان متجدّدة ولا يمكن تحديدها أو حصرها أو تسقيفها أو الاكتفاء بإعلانها. فالمعروف أنّه حين نكتفي بإعلان حقوق الإنسان فهذه إشارة إلى أنّ الأسس التي تقوم عليها ضعفت. فالأهمّ من الإعلان هو وضع القوانين[57] الضّامنة لها مهما كانت وتيرة تجدّدها، ولكن الأهمّ من هذا وذاك معا هو أن يتحوّل الإعلان والقانون إلى حالة ثقافيّة متجذّرة في المجتمع يستبطنها في وعيه الجمعي ويحوّلها إلى آليّة دفاع عن اندماجه الكلّي بقدر ما يدافع بها عن بنياته التّكوينيّة ومكوّناته الفرعيّة، لأنّه لا معنى لأيّ إعلان[58] أو قانون إذا كان “الرّجال الأشدّاء على الأرض” يؤوّلونه على غير المعنى الذي ينبغي أن يُفهم به، مهما كانت القوانين قادرة على حماية الفرد من هيمنة المجتمع وبطش الدّولة وسلطة الدّين. محصّلة كلّ ذلك، حتّى لايبق السّؤال حول “إنسان” حقوق الإنسان معلّقا، فإنّه الحامل لصفة مضاعفة وهويّة مزدوجة، فهو من ناحية أولى الفرد الحامل لثقافة المواطنة وثقافة المشاركة ويعزّزهما بثقافة حقوق الانسان. وهو أيضا الموضوع الذي تطبّق عليه مبادئ حقوق الانسان في شموليتها وكونيتها. فهو الذّات والموضوع في آن واحد.

يمكن أن نعتبر أنّ منطلق المسار الذي نتّفق اليوم من باب التّداول اللّفظي على أنّه “مسار ثوري” هو منطلق الدّفاع عن حقوق الانسان والبحث عن أسس المواطنة وتفعيل الحق في المشاركة التي تمثّل جميعها كلّية ثقافيّة غير مكتملة أو غائبة. لذلك فإنّ ما يمكن أن نعتبره ثورة التّونسيّين التي نعيش في ظلّها منذ أكثر من ثلاث سنوات هي مسار من “التّغيير في نسق ثوري” مشروط بضرورة التّأسيس على تلك الكليّة الثّقافيّة التي تجمع بين ثقافة المواطنة وثقافة المشاركة وثقافة حقوق الانسان.

لو بحثنا في البنية التّكوينيّة لمنظومة حقوق الإنسان لوجدناها تتكوّن من خمسة أصناف يعبّر عنها عادة بالأجيال، وهي الحقوق المدنيّة والحقوق السّياسيّة والحقوق الثّقافيّة والحقوق الاقتصاديّة والحقوق الاجتماعيّة. ضمن هذه العائلات الخمس نجد أنّ الفقر هو العنصر الأساسي في خرق المنظومة برمّتها. لأنّ الفقر هو نتاج النّظام القائم مثلما هو الشّأن بالنّسبة إلى الرّخاء، وهذا يعني أنّ الفقر هو نتاج النّسق العام الذي يجمع بين الثّقافي والاقتصادي والاجتماعي والمدني والسّياسي (نسبة الفقر في تونس 24,7 بالمائة خلال السّنة الحاليّة). والفقر كما هو معروف فإنّه يتسبّب دائما في اختلال الواقع الاجتماعي ويعطّل مسار النّمو الاقتصادي ويؤدّي عموما إلى الإخلال بالنّظام السّياسي ويؤثّر باستمرار في الواقع الثّقافي وعادة ما يؤثّر سلبا في الحياة المدنيّة[59]. وكما أنّ الفقر يمكن أن يكون سببا في خرق هذه الحقوق فإنّ الحقيقة الجدليّة هي السّائدة حيث أنّ خرق أيّ من هذه الحقوق هو سبب مباشر في الفقر. فالمؤتمر العالمي حول حقوق الإنسان الذي انعقد بفيينّا سنة 1993 كان قد أكّد على التّرابط العضوي بين الفقر وخرق منظومة حقوق الإنسان[60]. والفقر الذي يهدّد كلّ أصناف حقوق الإنسان وأجيالها هو الذي نعرّفه بكلّ بساطة على أنّه “الحالة التي يكون فيها الفرد غير قادر على توفير احتياجاته الأساسيّة التي تؤمّن له شروط العيش الكريم”[61]. ومن خلال هذا التّعريف نجد أنّ الفقر يتوفّر على كلّ أنواع الخروق، لذلك فإنّه من طبيعة القوانين الضّامنة لحقوق الإنسان أن تدرج أحكاما تهدف إلى تقليص الفقر وتقليص الفوارق بين أفراد المجتمع. والفقر أيضا هو الذي يغيّب الفرد عن حقّه في المشاركة ويضعه في مكانة دون المواطنة. ألم تكن ثورة الشّباب التّونسي ضدّ الفقر من أجل استرداد الحق في المشاركة وكلّ حقوق الإنسان تطلّعا إلى المواطنة؟

     ثالثا- مسار التّغيير في نسق ثوري

آثرنا استعمال عبارة ‘التّغيير في نسق ثوري” بدلا من اعتماد مفهوم الثّورة لأنّنا نعيش في مسار من التّفاعلات التي لم تحسم نتائجها لفائدة شعارات الثّورة وأهدافها بعد. لذلك فإنّنا نستعمل تعبيرا قد يعفينا من خطر التّحديديّة المفاهيميّة لواقع متغيّر باستمرار وغير قابل للحسم بشكل نهائي.

لقد توقّف كثير من الباحثين في حقل العلوم الاجتماعيّة عند هذا المسار من التّغيير “الثّوري” في تونس من باب الاشتغال في مجال التّاريخ الآني[62]. ولقد درسوا الثّورة دون مباعدة زمنيّة. ولم يكن بالإمكان فهمها على أساس أنّها مرحلة من مراحل التنمية، ولا من حيث أنّها منوال أكثر فاعليّة وقدرة على التنظيم الاجتماعي، ولا أيضا على أساس أنّها النّتيجة الطّبيعيّة للصّراع بين تكوينات المجتمع وعلاقات القوى التي تحكمه. ولكن المسألة احتكمت إلى الوقوف على الفعاليات المتعلّقة بتحوّل كامل للنّسق المتحكّم في الفعل بشكل عام ومن ورائه الأطر الاجتماعيّة المتّصلة به والمعبّرة عن شكل جديد من الوجود الاجتماعي[63]. لأنّ التّحوّل بقدر ما يتطلّب قواعد انتقال من نسق إلى آخر فإنّه يقوم على ضرورة تجاوز القديم. فالانتقال من النّسق المحافظ إلى النّسق الثّوري لا يتوقّف على تغيير الرّهانات السّياسيّة بل هو في علاقة تبعيّة مستمرّة مع الرّهانات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تتطلّب أداء من النّمط المختلف كلّيّا، لأنّ رهانات مجتمع الثّورة ليست تحسينا أو تهذيبا لرهانات المجتمع السّائد[64]. فمجتمع دراستنا تميّز بحالة نظاميّة استاتيكيّة ملازمة طيلة قرون نظرا لانعدام الأسباب المحفّزة على التّغيّر الاجتماعي. فدوافع التّغيير لم تظهر إلاّ في بعض حالات فقدان المصالحة  بين المجتمع والدّولة واللّجوء إلى الأساليب العنيفة من فرض القواعد اللاّزمة، وأهمّ دليل ما عبّرت عنه انتفاضة 1864 المعروفة بانتفاضة علي بن غذاهم احتجاجا على السّياسة الضّريبيّة المتّبعة من طرف السّلطة المركزيّة وتدهور الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وهذا ما يدلّ على أنّ الفعل الجماعي المحدّد لمسار التّغيّر الاجتماعي لا يتحقّق إلاّ في حالات الخلل الاجتماعي وأزمة النّسق، وقد تأكّد ذلك  خلال الهزّات الاجتماعيّة التي عرفتها تونس خلال أحداث 1978 حين تصادم الاتّحاد العام التّونسي للشّغل مع الحكومة وأحداث 1984 حيث انتفض التّونسيّون على سياسة التّعديل الهيكلي التي أفضت إلى الرّفع في أسعار المواد الأساسيّة وبداية تخلّي الدّولة عن دورها الاجتماعي. ولكن مرّة أخرى نتحقّق من أنّ هذه القوى الاجتماعيّة لا تظهر إلاّ كنتيجة لبداية انهيار النّظام وتفكّك النّسق الذي يحمل معه عناصر الأزمة، وهذا ما يحيلنا على قصور الدّيناميّات الدّاخليّة وعجزها عن إنتاج عوامل التّغيير الاجتماعي الذّاتي، ليبقى الأمر موكولا إلى العوامل المتمثّلة في ضعف المنظومة السّياسيّة والاقتصاديّة أو فشلها أو فشل رهانات السّلطة المركزيّة التي أدّت دورها طيلة قرون في تجميد آليات الحراك. أمّا عنصر الاستمرار وشروطه بالنّسبة إلى مجتمع دراستنا فإنّه يحتكم إلى شتّى الأفعال (الفرديّة والجماعيّة، السّياسية والتّاريخية): الاستعمار والدّولة الوطنيّة والقبيلة أيضا فإنّها لم تنته رغم خسوفها، وانحلال النّخبة والتّهميش والهجرة الدّاخليّة والبطالة والنّمو السّكاني والأمّية وغلاء المعيشة وانسداد الأفق أمام الشّباب والاقتصاد الموازي والجريمة المنظّمة  وغياب الأولويات في برنامج السّلطة السّياسيّة وغياب الاستثمار… وهي جميعها تستمدّ أهمّيتها من ارتباطها بسياسة الدّولة. وعلينا أن نسجّل أنّ الخاصّية التّاريخيّة الثّابتة والتي لم تتغيّر بعد تتمثّل في أنّ الانتفاضات والثّورات كانت تنجز دوما في الهامش (بمعناه الاجتماعي والجغرافي) ومن طرف المحرومين والمغيّبين ولكنّ المركز يصوغ نتائجها السّياسيّة والاقتصاديّة، وغالبا ما يستفيد منها الوافدون عليها متأخّرا والاصلاحيّون واليمين اللّيبرالي مثلما نجده اليوم يستأثر بنتائجها ويتحكّم في مآلها من كان غائبا على المراكمة التي تعود إلى سنة 1978 حين كانت الشّغيلة الفتيّة والقوى الاجتماعيّة والطّبقات الشعبيّة تخوض الصّراعات ضدّ نظام القمع والاستبداد[65]. فالمعروف أنّ الثّورة تراهن على المجتمع وتحقّق منجزها لأجله في حين أنّ من وصل إلى سدّة الحكم باسم الثّورة لم يراهن على المجتمع بل وظّفه لأجل السّلطة كما كان قد راهن على السّلطة سابقا طيلة عقود من العمل السّياسي.

يبدو أنّ عمليّة تعميم التّداول اللّفظي تفضي به إلى إلغاء معنى الثّورة وإخراجه من دائرة تحديد شروطها الإيديولوجيّة والفكريّة. لذلك علينا أن نبرز معنى واضحا للتعميم قبل أن نتطرّق إلى نتائجه الممكنة على المستوى المعرفي والميداني. فمن التّعميم نفهم بكل بساطة ومنطقيّة تجاوز أيّ نوع من أنواع الخصوصيّة والتّمايز، وهذا المبدأ الذي يعمّم “الثّورة التّونسيّة” يضفي عليها صبغة خصوصيّة عكسيّة، حيث يمكن أن يكون جزءا من أيّ جنس من الأحداث والوقائع الاجتماعيّة[66]. وعلى عكس المفهوم الكلاسيكي للثورة الذي عرفت به الثّورات الكبرى في التّاريخ، لأنّها بالأساس متميّزة بقدرتها على إحداث التّغيير الجذري للواقع، فان هذه “الثّورة” تكاد تخلو من كل صفة تصنّفها ضمن التّجارب الثّوريّة التّاريخيّة مثل الثّورة الفرنسيّة أو الثّورة البلشفيّة إلى الحدّ الذي ينفي عنها أيّ طابع ثوريّ[67]. فتعميمها ليس شيئا آخر غير الاصطلاح المتداول والتّوظيف الشّائع لذي يخرجها من الحدود والضوابط التي تكتسب في إطارها خصوصيّتها الثوريّة.

إنّ التعميم بهذا المعنى هو تفكيك لكل عناصر وأوجه الشكل التأسيسي والأصلي للثورة. وهنا يبدو من الضّروري أن نفهم ظاهرة التّعميم من زاوية العلاقات التي تجمع الثورة بغيرها من تعبيرات الصّراع الاجتماعي. ومن هذه الزاوية فكلّ شيء قابل لأن يكون موضوعا ثوريّا، ومن ناحية ثانية كل الوقائع هي ثورات وفقا لمبدأ التّغيير الذي حدث أو هو بصدد الحدوث على مستوى الكلّية الاجتماعيّة أو على مستوى بعض عناصرها سواء كانت العناصر السّياسيّة أو الاقتصاديّة أو البنيات والأنساق الفرعيّة للمجتمع[68]. وكذلك وفقا لمبدأ أن كل فعل اجتماعي وسياسي ينتهي إلى أيّ تغيير هو ثورة بالبداهة والأمر هنا ينسحب على الانتفاضة والتّمرّد والعصيان والخروج والانفجار الاجتماعي. كما أن الأمر ينسحب على كل فعل صاخب وعنيف في مواجهة النّظام فينال عنوانا ثوريّا دون وعي بذلك ودون التزام بما ينبغي أن يفعل هنا أو هناك[69].

إنّ هذا المعنى الآخر من التّعميم والذي يعني إتاحة معنى الثّورة لعموم التّداول بين الناس أو جعله في متناول العامّة (كما تفيد الدّلالة اللغويّة لكلمة تعميم) هو عودة إلى الشموليّة التقليديّة للوعي الاجتماعي[70].  ولكنّه فقط في شكل جديد أهمّ ملامحه انقلاب مفهوم الثّورة عن أصوله الفلسفيّة والإيديولوجيّة التي ساهم، خلال مرحلة انتصاراته المعرفيّة، في تكوين الخصوصيّة الاجتماعيّة والسّياسيّة للثّورة[71]. يكفي أن نشير إلى أنّ أهمّ العناصر المغيّبة في ما يعرف بالثّورة التّونسيّة هي النّظريّة الثّوريّة والتّنظيم الثّوري (بما فيه القيادة) والبرنامج الثّوري. وهذا الثّلاثي المميّز لخصائص الثّورة يكفينا ضرورة الاستجابة لشروطها التّأصيليّة المتطابقة مع الوعي النّوعي (المتمثّل في النّظريّة الثوريّة) والبنية الكلّية (التّنظيم الثّوري) والسّياق الشّامل (البرنامج الثّوري). على أن يستجيب كلّ عنصر من هذه العناصر التّكوينيّة إلى محدّدات اجتماعيّة واقتصاديّة ومحدّدات سياسيّة ومحدّدات إيديولوجيّة ملازمة لها وضامنة لتأمين وظيفتها الشّموليّة على ثلاثة مراحل متعاقبة تجد ترجمتها الاجتماعيّة في مجتمعات ثلاث متعاقبة، هي المجتمع الذي تنبع منه الثّورة وتنبثق، والمجتمع الذي يواكب مسار الثّورة ويؤمّن استمرارها وتتأصّل فيه مبادئها، والمجتمع الذي ينبثق عن الثّورة ويتوصّل إلى تحقيق أهدافها. هذه التّمظهرات الثّلاث “للثّورة” عبر مراحل متعاقبة من التّبلور المستمر لمجتمع الثّورة هي ما يمكن أن نسمّيه انتحالا عن جورج غيرفيتش بمسار الهدم والبناء وإعادة البناء[72].

ما يمكن أن نسمّيه “ثورة” حدث بسبب التّهميش والجوع والبطالة والتّفقير بفعل الفساد والاستبداد وغياب الحرّيات وسوء توزيع الثّروة الوطنيّة واستئثار الأقليّة بالنّصيب الأكبر منها وحرمان الأغلبيّة من حقّهم في العيش الكريم. والمطلوب في التّصوّر الثوري هو إعادة هيكلة المجتمع وإعادة بنائه طبقيّا وإعادة تركيب بنياته التّكوينيّة، إلاّ أنّ الذي حدث إلى حدّ اليوم هو مجرّد جراحة تجميليّة أعادت إنتاج نفس المؤشّرات والمتغيّرات الدّافعة للانفجار الاجتماعي وبالتّالي فإنّ نفس الأسباب لا تزال راسخة في المجتمع، خاصّة وأنّ هذه الأسباب تتعزّز بالدّخول في مرحلة سياسيّة غير واضحة المعالم وغير واضحة المآل. بل الأوضح أنّها تتّجه إلى عمليّة سطو على السّلطة وإعادة إنتاج منظومة الاستبداد ولكن بمرتكزات دستوريّة وبشيء من الشّرعيّة وبتوظيف سياسي للمطلبيّة الاجتماعيّة وباستخدام آليّات التّفويض الشعبي العام وتمثيل الإرادة الشّعبيّة لإرساء نوع من الاستبداد النّاعم الذي يمكن أن نطلق عليه الاستبداد الدّيمقراطي. وهذا ما يوحي بأنّ أسباب الثّورة اليوم أصبحت أكثر تجذرا من ذي قبل وأكثر موضوعيّة وأنّ المجتمع أصبح أكثر نضجا لإنجاز ثورته. فالمجتمع التّونسي لم يتعايش مع حقيقة مجتمع الثّورة ولكن من الممكن أن يعيش في كنفه اليوم.

الخلاصة أنّ هذا السّياق الذي نتناوله رغم ما حقّقه من نتائج سياسيّة، فإنّه لايزال يشتغل دون المنطق الذي تحتكم إليه ثقافة التّغيير، لأنّ هذه الأخيرة هي ديناميكيّة متميّزة داخل مجموعة شاسعة ومعقّدة من الأفعال المطلبيّة للمجتمع، كما تعرف من خلال إرادتها الحصول على حقوق جديدة[73] تتأصّل في ثقافة المواطنة وثقافة المشاركة وثقافة حقوق الانسان. ورغم تعدّدها واختلافها فإنّها تتّفق بالضّرورة على فرض نوع جديد من الحقوق التي يمكن أن تتحوّل إلى معايير ديمقراطيّة لأنّها ترتبط بشكل مباشر بالحقوق السّياسيّة التي لم تجد لها مكانا داخل التّنظيم الاجتماعي أو بالأحرى داخل منظومة توزيع الأدوار السّياسيّة[74]. لذلك يمكن أن ندرك التّباعد الواضح بين سياق الحركة الاجتماعيّة وسياق الثّورة في المجتمع قيد التّناول، لأنّه سياق من اللاّتنظّم الذي يغيب فيه مبدأ الهويّة ومبدأ الكلّية وإن حضر مبدأ المعارضة، كما تغيب عنه الوظيفة الوسائطيّة ووظيفة تنوير الوعي الجمعي رغم حضور وظيفة الضّغط. أمّا الحركات الاجتماعيّة فتتّسم بشموليّة في الأدوار والأهداف بالقدر الذي يجعلها الأقدر على الدّفاع عن منظومة حقوق الإنسان بعائلاتها الخمس (الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والمدنيّة والثّقافيّة). لأنّ الحركات الاجتماعيّة لا تفصل في أدائها بين السّياسي والثّقافي والمدني والاجتماعي… كما أنّها متجاوزة للسّياسي بمفرده وللاقتصادي بمفرده وللمدني بمفرده لتعبّر عن الكلّيّة الاجتماعيّة بما تعنيه من عدم استثناء لأيّ عنصر من العناصر المكوّنة للمنظومة الحقوقيّة في شموليتها، باعتبارها استجابة لمطلب اجتماعي. “فالأطراف الحاملة لثقافة التّغيير “لا تهدف إلى تغيير العلاقات الاجتماعيّة المحدّدة بالواقع الاقتصادي بل إنّها تهدف إلى الدّفاع عن حقوق الفرد وحريّاته ومسؤوليّته تجاه المجتمع وتجاه النّظام الذي يشتغل وفق منطق التّمييز بين المباح والمحظور وبين المعقول واللاّمعقول”[75].

هذا شأن ثقافة التّغيير التي هي دون خصائص التّنظيم والمسار الثّوريّين، أمّا شأن ما يسمّى “بالثّورة التّونسيّة” التي هي دون سمات ثقافة التّغيير ومبادئها فلم يكن بالإمكان أن نقف فيها على مقوّمات التّغيير الثّوري بما يستجيب للشّروط التي أتينا عليها وليس أقلّها إحداث تغيير اجتماعي شامل وإعادة هيكلة المجتمع ببنياته الاقتصاديّة والثّقافيّة وطبيعة النّظام السّياسي الذي يعيش في كنفه. غير أنّه لئن غاب البعد الاجتماعي والاقتصادي فإنّ الوجه السّياسي انفلت من إمكانيّة الإلغاء صلب هذا المسار من التّغيير. وربّما يعدّ إقحام هذا العامل بقوّة حضوره المكثّف على واجهة الأحداث هو الذي استقطب الفعل الثّوري ليحصر من خلاله كامل المسار في إنجاز التّغيير السّياسي المتمثّل في تجديد الطّبقة السّياسيّة ولا شيء غير ذلك لأنّه تغيير لم يأت على بنية الدّولة وشكل السّلطة وطبيعة النّظام السّياسي. فهي بهذا المعنى ثورة بوجه سياسي غير مكتمل الملامح، ولعلّه الوجه الذي أدار بوصلة الفعل الثّوري على حساب البعدين الاقتصادي والاجتماعي.

بهذا نفهم أنّ المسار السّياسي الذي هيمن على الواقع تحكّم في الحالة الثّوريّة الصّاخبة ودجّنها لتصبح سياقا من العمل السّياسي الذي يستهدف الوصول إلى السّلطة بصيغة منافية تماما لما تتطلّبه فعاليّات الثّورة. فمسار الثّورة لم يحافظ البتّة على الشّروط التي تجعل منه مسارا ثوريّا. بل كان مسارا سياسيّا بدأ مآله يتّضح من خلال نتائج انتخابات المجلس التّأسيسي يوم 23 أكتوبر 2011.

هذا ما يفرض التّساؤل عن مدى مجتمعيّة التّغيّر في هذا “المسار الثّوري” وعن مدى استجابته لشروط الولادة الاجتماعيّة لهذا النّمط من التّغيير.  

إذا كان مفهوم المجتمع مطابقا لواقع معيش على مختلف تجلّياته وتفاصيله فإنّ المجتمع كحالة وقائعيّة توجد في التّاريخ/ الزّمن أكثر ممّا توجد في المجال، ومثلما ذهب إلى ذلك كلّ من هيغل وكونت فإنّ الكائن الاجتماعي هو بالأساس كائن تاريخي[76]. على أنّ هذا الوجود التّاريخي واقعيّا والمفهوم السّوسيولوجي معرفيّا لا يشتغل إلاّ على مقوّمات اقتصاديّة وسياسيّة تضمن له شروط إنتاج وجوده المادّي والرّمزي وإعادة إنتاجه في مسار تطوّره الطّبيعي عبر التّاريخ. لذلك فإنّه “بين المعنى الذي يوحي به مفهوم المجتمع والواقع الذّي يعبّر عنه يوجد شيء آخر أكثر من مجرّد التّوافق البسيط والمطلق، فلا يكفي أن نقول بأنّهما متلازمين بشكل لا يقبل الانفصال بل إنّ المعنى لا يتأسّس أصلا إلاّ على مبدأ التّطابق التّام بين الفكرة والواقع أي فكرة المجتمع والواقع الذي يجسّدها”[77]. أمّا التّاريخ فإنّه يسجّل تطوّر الوقائع المنتجة لتلك الدّلالات، فقد يحدث أن يكون الواقع غير دقيق بشكل كبير أو غامض بشكل لا يسمح بصياغة المفهوم المطابق فيحدث أن تكون المسألة عكس ما ننتظر فلا يمتثل الواقع لمتطلّبات الجهاز المفاهيمي[78]. وحينئذ يصبح المعنى نوعا من العلامة التي تستوجب التّبرير على أرض الواقع كما هو الحال بالنّسبة إلى إشكاليّة التّغيّر الاجتماعي.

كما أنّ فكرة المجتمع لا تنفصل أبدا عن حقيقة هيمنة المؤسّسة السياسيّة (الدولة)، وليس بالإمكان فهم المنطق الاجتماعي بعيدا عن قواعد النظام والتّسيير التي أرستها التقاليد السّياسية التّابعة لمؤسّسة الدّولة. ومهما اختلفت المقاربات في صلب العلوم الإنسانيّة فإنّها تتّفق عموما على أن النّشاط البشري الجمعي يوجد في مستويات ثلاثا مختلفة مطابقة لثلاثة حقول، وهي المستوى الاقتصادي (حقل السوق) والمستوى السياسي (حيّز الدّولة) والمستوى الاجتماعي (الحقل الثقافي والحضاري). وإذ يعدّ التّنظيم نتيجة مباشرة للعلاقات النزاعيّة بين القوى التي تصارع من أجل الهيمنة وإدارة الأنساق أو فرض بعض المعايير على حساب الأخرى، فإنّ بعض الجماعات تنزع إلى تنظيم العلاقات مع محيطها الشّمولي سواء في نطاق الاندماج مع الكلّيّة الاجتماعية أو في نطاق الخروج عنها بأشكال متعدّدة أهمّها الصّيغة قيد التّناول في هذه المساهمة العلميّة.

إنّ اختبارنا لمدى “مجتمعيّة” موضوعنا (التّغيير الثّوري) يتحدّد بمدى امتلاك المجتمع لثقافة التّغيير التي تتأسّس على ضمانات ثلاث كنّا خصّصنا لها الجزء الأوّل من هذه المساهمة وهي من باب التّذكير ثقافة المواطنة وثقافة المشاركة وثقافة حقوق الانسان. وهي تتجسّد عموما في أربعة عناصر متلازمة في التّعبير عن نشاط الكلّية الاجتماعيّة، وهذه العناصر هي  الأدوار (مرتبطة بالأنشطة التي يؤدّيها الأفراد في المجتمع) والجماعات (عائلات، جمعيّات، نقابات، أحزاب سياسيّة) والضّوابط (القواعد التي تنظّم الأدوار في المجموعات) وشبكة القيم[79]. وينحدر العنصران الأخيران في نفس الوقت من النّسق الثّقافي والنّسق الاجتماعي. وحتّى تكتمل مجتمعيّة التّغيّر ينبغي أن يستجيب للشّروط الوظيفيّة والأهداف التي تخصّ كلّ نسق اجتماعي محكوم بتلك الأركان الثّقافيّة الثّلاث المكوّنة لثقافة التّغيير. فكلّ نسق اجتماعي يردّ الفعل تجاه أيّ عامل من عوامل الخلل التي تهدّده. وتجاوبا مع العناصر التّكوينيّة الأربعة التي يشترط وجودها لاكتمال بنية المجتمع، ثمّة أربعة وظائف مكلّفة بمواجهة المشاكل الأكثر تداولا وهي: وظيفة الاستقرار الاعتيادي الذي يمكن مقارنته حتّى بحالة السّكون والعطالة، ثمّ وظيفة الاندماج التي تنسّق بين عناصر المنظومة الشّاملة، فوظيفة متابعة الأهداف وأخيرا وظيفة التّأقلم التي تتفاعل مع جملة الوسائل التي يستعملها النّسق لتحقيق أهدافه. وهنا علينا أن نهتدي إلى أنّ هذه الوظائف الأربعة متراتبة بشكل مواز للعناصر الأربعة المكوّنة للبنية.

    رابعا- في اختبار “المسار الثوري” على ثقافة التغيير

الثورة هي صيرورة من التراكمات وليست ظاهرة سريعة الحدوث والانتهاء. بل على العكس تماما فبين بدايتها ونهايتها وقت طويل قد يمتد إلى سنين طويلة (الثورة الفرنسيّة مثلا). وهذا أمر طبيعي طالما أنّها تشمل كلّ فعل يؤدّي إلى القطع مع السّائد وتبديل الأوضاع تبديلا جذريّا. واللّحظة الثّورية تمثل نقطة اللاعودة إلى الماضي وتسمّى هذه العمليّة قطيعة. ويدلّ هذا اللفظ على الانفصال والتعارض بين حالة حاضرة والحالة التي سبقتها مباشرة أمّا مسار الثّورة فيعني الخيط النّاظم المنبثق عن تلك النّقطة.

تقوم الثورة على مرحلتي الهدم  ثمّ البناء وإعادة البناء، لأنها تعمل على تفكيك الهياكل الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة وإعادة تركيبها وفق متطلبات ثوريّة، ثمّ ضمان استمراريّتها وفقا لقواعد البناء الجديدة. أي القواعد التي تفرضها استحقاقات الثّورة، حتّى لا يخضع البناء الثّوري إلى آليات العمل السّابق للحظة الثّوريّة التي هي “صيرورة مركّبة يحمل زمنها الاجتماعي ما يتراكم، في اتجاه أهدافها، ولأنها مركّبة، فإنّ أصعب ما فيها إعادة البناء. الصعوبة مأتاها مطلب القطيعة: وهو مطلب شرعي اجتماعيّا وسياسيّا وأخلاقيّا ولكن حدوده متحرّكة.”[80]

ونطلق على فترة إعادة البناء المسار الثوري، الذي تعيش الثورة خلاله عدّة تقلبات وصراعات وتراكمات هي ضروريّة للقطيعة. والمسار الثوري يمثل الطريق بين الجديد والقديم. وطالما أنّ المسار لم يكتمل فإنّ أهدافه ونتائجه تبقى غير محدّدة وغير معروفة، لأنّ ذلك كلّه يبقى محكوم بمدى اكتمال ثقافة التّغيير بالمعنى الذي أثرناه سابقا وفصّلنا مكوّناته الأساسيّة. والمعلوم أنّ الخطاب السّياسي التّونسي اليوم ومن ورائه الفكر السّياسي الذي ينشط في مخاض تشكّل العقل السّياسي منقسم إلى تيّارين أساسيّين متناظران تماما في فهم المرحلة:

تيّار يسمّيها بمرحلة المسار الثّوري وتيار يعتبرها مرحلة انتقاليّة[81]. ولعلّ التّيار الأوّل أكثر وضوحا في رسم تطلّعاته لأنّه لا يزال بعد يرفع شعارات “ثورة المواطنة” ثلاثيّة المبادئ، وهو بذلك يحمل أعباء الثّورة ومدعوّ إلى ضرورة تأكيد ثقافة التّغيير على مستوى الواقع. ولكنّه رغم الوضوح الذي يميّزه فهو الأضعف على مستوى الفاعليّة والنّجاعة، وهو الأقلّ حضورا على المستوى الميداني. وتبقى مسمّياته أقل كثافة صلب الخطاب السّياسي السّائد.

أمّا التّيار الثّاني فهو الذي ينتصر إلى مقول الفترة الانتقالية[82] بما تعنيه محمولاتها الدّلاليّة وتنزيلاتها الوقائعيّة من استبدال براديغم الفعل الثّوري والصّراع بين القوى الثّوريّة والقوى المحافظة ببراديغم التّفاوض والتّحاور بين هذه القوى حتّى وإن كانت على طرفي نقيض، بمن فيها القوى التي كانت تطلب المواطنة والحق في المشاركة والقوى التي كانت تحتكر تلك القيم وتحلّ محلّها واقع الرّعيّة وواجب الطّاعة والإمتثال. وهو براديغم يجمع بين الثّوريّين والمحافظين بقدر ما يجمع بين أعوان الاستبداد وضحاياه على قاعدة “التّوافق”. أمّا هذا المصطلح الذي برز بكثرة تداوله خلال هذه الفترة فهو ذو دلالتين: الأولى تحيلنا على كونه دخيل أصلا على معجم الثّورة و مرتكزات ثقافة التّغيير، والثّانية تحيلنا على حالة  الفراغ المؤسّساتي والقانوني التي تتّسم بهما الفترة الإنتقاليّة إلى حدّ لايمكن أن نعرف فيه مآل الانتقال ونتيجته أصلا. فبقدر ما يمكن أن نتفق على أنّ النظام السّابق كان نظاما استبداديّا في كلّ مجالات اشتغال السّلطة السّياسيّة والأطر التي توجد تحت إدارتها فإنّه يعسر علينا أن نقف على ملامح واضحة ونهائيّة للنّظام السّياسي الذي سينبثق عن هذه الفترة الانتقاليّة[83]، باعتبار أنّ “المرحلة الانتقاليّة وضع استثنائي تتعطل فيه المؤسّسات التمثيليّة والتنفيذيّة والدستوريّة، ويلجأ إلى قواعد إجرائيّة انتقاليّة ومؤقتة قبل الشروع في إعادة بناء تلك المؤسّسات عن طريق الانتخابات”[84]. وعادة ما تكون هذه القواعد الاجرائيّة بمثابة الآليّة لتأمين الانتقال من الحالة الثوريّة إلى منظومة سياسية جديدة محافظة وتوافقيّة وإعادة تفعيل آليّات المشاركة واستيعاب القوى الثوريّة داخل إطار المشاركة الرسميّة التي تتشكّل من حالة وئام بين المجتمع المدني والمجتمع السّياسي لخلق نوع جديد من الشّرعيّة يحلّ محلّ الشّرعيّة الثّوريّة تتيح لقوى الثورة المضادّة التسلل إلى الوضع العام عبر آليّات متعدّدة، وتعمل على صرف وجهة الثورة عن مصالحها وأهدافها.

ومع كلّ ذلك، ولئن كانت المرحلة الانتقاليّة دون المسار الثّوري فإنّها بالإمكان أن تكون لحظة تغيير يضفي إلى نتائج منسجمة مع أهداف الثّورة وذلك انطلاقا من التّحدّيات المطروحة على قوى الثّورة داخل المسار الانتقالي. ومعها لا تقتصر تحدّيات المرحلة الانتقاليّة على مقاومة مخلفات سياسات الاستبداد والقمع والاضطهاد التي كانت تعاني منها أغلب فئات المجتمع التّونسي خلال العقود الماضية، بل إنها تشمل عمليّة تقدّم مرحلة الانتقال إلى الديمقراطيّة التي تفرض أكثر من أيّ وقت مضى الالتزام بقيم المشاركة واحترام خصوصيّة المرحلة والوعي في التعامل مع الأحداث وخاصّة التحلي بثقافة التغيير بمختلف أبعادها وتكريسها على أرضية الواقع من خلال الممارسات الفرديّة والجماعيّة للفاعلين الثوريين، إذ أنّ هؤلاء مطالبون اليوم باستبطان أكثر عمقا وشموليّة لهذه المبادئ، خاّة وأنّ “المرحلة الانتقالية ليست مرحلة غالب ومغلوب بل مرحلة وحدة وطنيّة ومشاركة جماعيّة في بناء السلطة الجديدة”[85]. والمسار الثوري في تونس يتسم بالارتباك والضبابية واختلال التوازن والشارع التونسي يحمل عدة هواجس. والمجتمع التونسي يعيش حالة من الذهول خلال هذا المسار الثوري الذي اصبحت الأحداث فيه متسارعة خاصة و أنه لا يملك الخبرة الكافية في التعامل مع هكذا مسائل. لذلك اكتفى أغلبية هذا المجتمع بمتابعة الأحداث دون المساهمة او المشاركة بل هناك من قاطع المتابعة واعتبر أن كل ما يحدث الآن لا يعنيه ابدا. وهذا يدخل في خانة المخاطر التي تهدّد مسار الثّورة. ولا شكّ أنّ حجم هذه المخاطر يكبر ويتضخم كلما كان الجانب الفكري والتنظيمي ضعيفا في الثورة. وغالبا ما تتعمّق هذه المخاطر أمام غياب وتفتت الوعي الجمعي فتصبح المرحلة الانتقاليّة مهدّدة لا سيّما وأنّ الثورة في بدايتها لم تحقق مطالبها ولم تحدّد طريقها بوضوح. فالفئات الاجتماعيّة التي تعيش تقلبات هذه المرحلة تحتاج إلى التنظيم والرؤية الفكريّة لتحويلها إلى عناصر فاعلة قادرة على صنع التغيير الثوري المطلوب، وإلا فإنها ستتحوّل إلى عناصر مشوّشة تصنع الفوضى وقد تحيد بالمسار الثوري عن طريقه الصحيح.

  • الانتخابات التأسيسيّة الحرّة النّزيهة الشّفافة المزوّرة

كان المجلس التأسيسي أحد المطالب السّياسيّة الخمس التي رفعها المعتصمون في[86] القصبة بعد أسابيع من سقوط ” نظام بن علي” وحدّد موعد تلك الانتخابات يوم 23 أكتوبر 2011، أي بعد 55 سنة من انطلاق أشغال أوّل مجلس تأسيسي بعد الاستقلال، ليعود المجتمع التونسي إلى نقطة البدء بانتخاب مجلس وطني تأسيسي ثان يأتمنه عبر الاقتراع على نحت شكل المستقبل والتشريع له على أمل أن يكون قطعا مع عهود استبداد سياسي وتراجع اقتصادي واجتماعي. ويعتبر خيار المجلس التّأسيسي خيارا رائدا ونموذجيّا لأنّه يعبّر أوّلا عن تطلّع إلى إرساء أسس الدّيمقراطيّة كما صاغتها التّجارب العريقة ويعبّر ثانيا عن الرّغبة في تحقيق المراكمة الفعليّة في تاريخ تونس على مستوى الخيط النّاظم لدور المؤسّسات في بناء الدّولة. لأنّ تجربة مجلس تأسيسي من جديد ستمنح تونس شرفا استثنائيّا في محيطها الحضاري والجغرافي، لأنّها ستكون بذلك مرّت من تجربة الدّستور الممنوح لسنة 1861 إلى الدّستور المنبثق عن مجلس تأسيسي يخضع إلى هيمنة حزب سياسي واحد ثمّ الدّستور الذي يعكس تنوّع مكوّنات المجلس التّأسيسي ومن ورائه ثراء التّنوّع الفكري والسّياسي للمجتمع التّونسي. ولكن هذا سيصطدم بعائق جوهري لهذا المطلب. إنّه عائق الأهليّة، أهليّة المجتمع التّونسي لفهم واستيعاب مبدأ الانتخاب و دور مؤسّسة المجلس التأسيسي في إعادة صياغة بنيان الدّولة في علاقتها بالمجتمع.

إنّ كتابة دستور جديد هو حدث له بعد رمزي ودلالي كبير، فهو بمثابة وضع حجر أساس لمستقبل سياسي وثقافي واقتصادي واجتماعي مغاير لوضع ما قبل “الثّورة”، كما أنه يؤكّد على مبدأ القطيعة لا فقط مع نظام “بن علي” بل مع النظام البورقيبي ليُعيدنا إلى نقطة الصفر وينطلق المجتمع الجديد، وهو الأمر الذي أعطى لهذا الموعد الانتخابي وزنه المادي والرّمزي. فانتخابات المجلس التأسيسي ليست مجرّد اختيار لأشخاص ونوّاب شعب، وإنّما هي فعل سيعدّ الأرضيّة الأساسيّة لبناء وتغيير الواقع التونسي بمختلف مكوّناته. لذلك فإنّ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي هي اختبار لمواطنيه الشعب التونسي ومدى رغبته في التغيير وتفاعله مع ثورته، فالإقبال على الفعل الانتخابي هو مؤشر إيجابي يؤكّد ارتفاع مستويات الارتقاء إلى درجات المواطنة لدى عموم الناس وينمّ عن تطوّر مستويات حسّ الرقابة الذاتيّة للمجتمع على مساره الديمقراطي وحرصه المتناهي على صيانة أسسه والدفع بالتغيير الثوري نحو الأمام. كما يمكن أن تمثّل إطارا يتصالح فيه التونسي مع ماضيه الانتخابي، لأنّ الانتخابات في تونس سواء في عهد “بن علي” أو “بورقيبة” كانت معروفة النتائج قبل بدئها[87].

لقد دخل التونسيون المشروع الانتخابي، والذي يعتبر أوّل مشاريع التحوّل الديمقراطي، بحذر وتحفظ شديدين وعزوف عن المشاركة السياسيّة في وقت يتطلب فيه سياق العمل على إنجاح أهداف الثورة اندفاع  جميع التونسيين وتفاعلهم الايجابي مع الشأن العام ومتطلبات التغيير الثوري المنشود.

ولم تكن طريقة تعامل التونسيّين مع الانتخابات هي الشيء الوحيد الذي لم يتغيّر، بل كذلك ممارسات النّخب السّياسيّة من خلال إدارة أحزابهم للحملة الانتخابيّة. فقد خاضتها بعض الأحزاب السّياسيّة بنفس عقليّة الحزب المنحل (التّجمّع الدّستوري الدّيمقراطي) مستغلّين في ذلك بعض السّمات[88] التي تميّز الشّخصيّة التّونسيّة واستمالة العديد من النّاخبين ليفوزوا بأصواتهم. وذلك بالإستثمار في ممارستين مجديتين بالنّسبة إلى النّاخب التّونسي الذي يقرأ الإنتخابات على غير ما ينبغي أن تفيده القراءة الصّحيحة: الأولى تتمثّل في استغلال حاجة النّاس وخصاصتهم وهي ممارسات عهدتها الذاكرة التونسيّة مع النّظام السابق في مثل هذه المواعيد. والثّانية تتمثّل في استغلال قلّة وعيهم وضعف إدراكهم بحقيقة المسألة وتوجيههم إلى ما يشبه عمليّة الاستفتاء على الهويّة بدل انتخاب مجلس تأسيسي.

يضاف إلى كلّ ذلك تزوير العمليّة الانتخابيّة[89] في محاورها الأساسيّة الثّلاث:

  • المحور الأوّل تعلّق بتزوير العنوان الأساسي للانتخابات وتحويلها إلى انتخابات برامج حكم وكأنّها انتخابات برلمانيّة ستفرز مجلسا نيابيّا يتولّى تعيين الحكومة التي تتولى بدورها تطبيق البرنامج الانتخابي. وقد كان الحزب الأكثري من حيث العدد في المجلس التّأسيسي (حركة النّهضة) هو أكبر المستفيدين من تغيير العنوان الأصلي للانتخابات باعتباره من أبرز الأحزاب التي استهلّت حملتها الانتخابيّة بتقديم برنامجها السّياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي سيدير عن طريقه شؤون البلاد.
  • المحور الثّاني تمثّل في إدارة المنافسة السّياسيّة دون النّزاهة المطلوبة ودون احترام أهم قواعد اللّعبة السّياسيّة المتمثّلة في احترام مبدأ تكافؤ الفرص والتّساوي في حظوظ الفوز، وذلك باستعمال المال السّياسي غير معلوم المصادر والذي برزت مظاهره للعيان سواء في التّظاهرات السّياسيّة الرّسميّة أو في الممارسات الشّعبويّة التي تستفيد من فقر النّاس وجهلهم.
  • المحور الثّالث تمثّل في استعمال الخطاب الدّيني وإحلاله محل الخطاب السّياسي في استمالة النّاخبين، وكان ذلك باستعمال المؤسّسات الدّينيّة الموجودة أصلا للعبادة ولكنّها في واقع الحال تحوّلت إلى منابر للدّعاية السّياسيّة تنتصر إلى الأحزاب ذات المرجعيّة الدّينيّة وعلى رأسهم حركة النّهضة على حساب الأطرف الأخرى. حتّى أنّ تكفير بعضها كان بمثابة إحدى الآليّات الانتخابيّة التي حسمت أمر هذه الأحزاب ذات المرجعيّة المدنيّة.

معلوم أنّ الأحزاب السّياسيّة هي المؤسّسات التي تضطلع بنشر ثقافة المشاركة والتذكير بأهميّة المرحلة وضرورة المصالحة بين الدّولة والمجتمع من خلال فرضها لقواعد عقد اجتماعي جديد، غير أنّها بأدائها المشار إليه آنفا تكون قد عطّلت شروط صياغة هذا العقد ومن وراء ذلك الوقوف دون المساهمة في صياغة ثقافة التّغيير التي ترتكز على ثقافة المواطنة والمشاركة وحقوق الانسان عند انشغالها بالمعارك الجانبيّة وعدم إحساسها بحجم رهانات المرحلة المتمثلة أساسا في ضمان أوسع مشاركة مواطنيّة في الموعد الانتخابي يكون بمقتضاها المجلس التأسيسي ممثلا حقيقيّا لإرادة الشعب لا لإرادة المتفوّقين والمقتدرين في إدارة المنافسة الانتخابيّة.

أجريت الانتخابات التّأسيسيّة كما كانت مقرّرة يوم 23 أكتوبر 2011 وكانت بإجماع كلّ هيئات المراقبة الدّوليّة والمحلّية نزيهة وديمقراطيّة وشفّافة بالقدر الذي يستجيب للمعايير الدّوليّة. وقد تنافس في هذه الانتخابات 109 حزبا سياسيّا و80 قائمة مستقلة وشارك فيها 4108202 ناخبا من جملة 8018048 ناخب أي بنسبة% 51,24   من النّاخبين الافتراضيّين  مع الإشارة إلى أنّ عدد أوراق التّصويت غير المحتسبة هو 252423 ورقة (152587 ورقة ملغاة و 99836 ورقة بيضاء) و809387 صوتا مهدورا لم يتحصّل على أيّ مقعد مع العلم أنّ حزب حركة النّهضة تحصّل على 89 مقعدا بعدد أصوات بلغ 1498905، وهو ما يعني أنّ ثاني أهمّ كتلة من الأصوات تفرّقت بين شتات القائمات الحزبيّة والمستقلّة دون جدوى. لتفرز الانتخابات مجلسا تأسيسيّا يتكوّن من ممثّلين عن 26 حزبا وعن 32 قائمة مستقلّة وعن قائمة ائتلافيّة واحدة[90].

صحيح أنّ نسب التصويت في هذه الانتخابات ارتفعت مقارنة بمثيلاتها في العهد السابق، لكنها تبقى محتشمة وغير كافية بالنسبة لمجتمع لم يمض على حراكه الثوري سوى عشرة أشهر، ويعيش مرحلة انتقاليّة تسودها الاضطرابات وعدم الاستقرار. فأن يبقى نصف التونسيين خارج دائرة الفعل الانتخابي أمر مثير للتّساؤل حول مدى رغبة هؤلاء في التّغيير أو مدى رفضهم لأيّ تجديد في آليات تثبيتهم لمكانتهم في الفضاء العام وتطويرهم لدورهم في المجتمع وضمانهم لمشاركتهم السّياسيّة. فالانتخابات هي وسيلة من وسائل التغيير السياسي والإحجام عنها إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على غياب ثقافة التغيير أو حتى مجرّد الرغبة في التغيير. وقد يذكّرنا ذلك بأنّ الشّخصيّة التّونسيّة “شخصيّة لا مبالية بالشأن العام وحريصة على النفع الخاص… عنوان عقليّة تونسيّة محليّة… ذهنيّة معيّنة تفضّل المهادنة على المواجهة واللامبالاة وعدم الاكتراث على تحمّل المسؤوليّة”[91].

  • مقدّمات عودة النّظام القديم في صيغتيه “البورقيبيّة” و”التجمّعيّة”

علينا أن نتذكّر أنّ “الثورة في مفهومها العميق هي القطيعة مع الماضي، ثورة معناها قفزة في الزمن وفي الرؤى وفي التصوّرات. وما لم تحصل القطيعة مع المنظومات السابقة (المنظومة البوليسيّة أو حتى المنظومة الاقتصاديّة أو المنظومة التعليميّة وطبعا المنظومة الاجتماعيّة الثقافيّة) لن نستطيع أن نبني ما يمكن أن يسمّى مجتمع الثورات أو المجتمع الجديد والحديث”[92]. لذلك يكون أمرا غير منسجم مع المسار الثّوري ولا حتّى مع مقوّمات ثقافة التّغيير أن نجد المرحلة تسجّل عودة النّظام الذي ثارت ضدّه أغلب فئات المجتمع التّونسي وشرائحه على اختلاف مرجعيّاتها وأصولها الجهويّة.

والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف لشعب قام بثورة وأسقط نظاما بوليسيّا استبداديّا مثل نظام “بن علي” أن يبحث عن بديل سياسي لمجتمع الثورة ضمن أرشيف استبدادي آخر يتمثل في نظام “بورقيبة” الذي حكم لمدّة ثلاثة عقود غابت فيها الحريّة الفكريّة والتعدّدية الحزبيّة، نظام اعتبر أنّ الشعب التونسي ليس مهيّأ بعد لممارسة الديمقراطيّة ليبرّر استبداده وهيمنته. “لم يحدث أن يهب هكذا شعب كامل يثور على نخبه وعلى حكامه ويقفز إلى مقدّمة المشهد ثمّ يعود إلى الوراء لكي يبحث في الأرشيف عن الديمقراطيّة القديمة أو الآباء الميّتين”[93]. الذين يرون أنّ “الشعوب المتقدّمة الواعية لا تتضايق ممّا تقرّره حكومتها خاصّة في تنقيص مقوّمات العيش ولا ترفض التضحيّات التي تطالب بها. إنّ الشعب الذي لا يمتثل لمقرّرات حكومته ولأوامرها يعدّ شعبا متأخرا لا يفهم المعالم الروحيّة التي يتطلبها وطنه، وإذا رأيتم حكومة تفرض بالقوّة على السكان، فذلك لأنهم لا يفهمون معنى الحريّة ولا مصلحة الوطن”[94].

إنّ البحث في إعادة إنتاج التّجربة البورقيبيّة وامتدادتها في تونس الثائرة ليس فقط هو تعطيل للمسار الثوري، وإنّما إعلان عن قصور فكري لدى المجتمع التونسي الذي لم يتفاعل مع فكرة التغيير الثوري ولم يفهم متطلباته بعد. فما يحتاجه التغيير الثوري اليوم هو الدفع والتحرّك نحو الأمام لا العودة لنبش الماضي حتى نستعيد منه نموذجا أثبت فشله.  ولكن الأخطر من الحنين إلى البورقيبيّة هو ظاهرة استحضار “محاسن” النّظام الذي أسقطه دعاة المواطنة ورافعي شعار “الشّغل والحريّة والكرامة الوطنيّة” لشدّة بطشه بهم وتفقيرهم وتهميشهم وإقصائهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم الانسانيّة.

هذا يدل على غياب ثقافة التغيير والقدرة على القطع مع الماضي. ولكن أيضا يدلّ على أنّ الذّهنيّة التّونسيّة هي ذهنيّة امتثاليذة لم تستطع تجاوز الهيمنة الأبويّة المجسّدة في شخصيّة بورقيبة أو من يجسّده مثل أحد أبنائه الذين يعيدون صورته في صيغته المهادنة لشعارات الثّورة ولعلّ مؤسّس حركة نداء تونس (الباجي قايد السّبسي) أبلغ تجسيد له. كما يدلّ في مستوى ثالث على أنّ الذّهنيّة التّونسيّة عاحزة عن بناء تصور لمجتمع جديد أو بناء منوال مجتمعي جديد يقطع مع رواسب الماضي دون أن يشوّه ثوابت شخصيّته وخصائصه الاندماجيّة. حتّى انّ هذه الذّهنيّة عاجزة عن تصوّر قيادة سياسيّة تولد في الحاضر لتنتسب إلى المستقبل بقدر ما تتمسّك بقيادة تنتمي إلى الماضي لتتحكّم في الحاضر والمستقبل. وهو ما لا ينسجم مع مفهوم الثورة والتغيير الثّوري. في حين أنّ الثورة تتطلب صياغة مشروع مستقبلي ورؤيا جديدة تلائم المرحلة، لا مشروع ماضوي ورؤيا تكيّف متطلّبات المرحلة مع مخلّفات الماضي.

لعلّ مبرّر ذلك أنّ منزلة التغيير محدودة في الثقافة اليوميّة الجمعيّة لدى التونسيين، فهناك أشياء كامنة في الذهنيّات العامّة وفي السلوكات اليوميّة وفي الشخصيّة الأساسيّة أغلبها تسير في اتجاه التسليم بالقدر ورفض مغامرة التغيير خوفا من العواقب. هناك نوع من الحنين إلى الماضويّة، تمجيد الماضي رغم قتامته على الحاضر وتفضيله على المستقبل يتجلي ذلك في لحظة سقوط “بن علي”، الحنين إلى العصر البورقيبي عند العلمانيين والتقدّميين، إعادة اختراع فكرة “بن يوسف” عند العروبيّين وخاصّة الإسلاميين بعد سنتين من الثورة. هناك حنين لـ”بن علي” والثناء عليه للتّعبير عن فشل الاسلاميّين في إدارة شؤون الدّولة. هذا يعود بنا إلى مسألة أهمّ، وهي أنّ المسار الثوري وضع أمام خيارين إمّا العهد السابق عهد “بن علي” الذي فيه الفساد لكن فيه مؤسسات الدولة العميقة وسيطرتها، وإمّا مُخرجات  صندوق الاقتراع المتثّلة في حركات تخيّرت شعار “الإسلام هو الحلّ” ولكنها لم تنجح لا في المحافظة  على مكاسب فترة ما قبل الثورة ولا في تحقيق شعارات الثورة. هذا غذّى من جديد ذهنيّة الحنين إلى الماضي ورفض مغامرة التغيير عند الغالبيّة الأعمّ من الفاعلين إنّ صحّ تسميتهم بالفاعلين في مجتمعات تعيش الفقر والجهل. بل إنّنا نجدهم يستحضرون التّجربتين (نظام بورقيبيّة ونظام نظام بن علي) ولكن هذه المرّة ليس بالصّيغة التّعاقبيّة التي ولكن وفق صيغة تأليفيّة تجمع بينهما في لحظة امتزاج النّظامين والتّجربتين لتحلّ محلّ اللّحظة الثّوريّة التي تعطّلت في مستوى الفكر والواقع. وفي ظلّ كل هذا يصعب على الثقافة المحليّة أن تبلور فكرة التغيير على أساس ثوري.

  • منجز الثورة بين مقوّمات الحداثة ورهانات التحديث

هناك محطات فارقة في مسيرة الثورات تضعها أمام خيارات صعبة ومصيريّة لا تخلو من مخاطر الانزلاقات والانتكاسات. والمتمعّن في المشهد التونسي العام يقف على حقيقة هذه المنزلقات التي وضعت المسار الثوري أمام تحدّيات كثيرة، فقد ظهر عدّة مسائل مربكة ومعارضة لأنموذج حضاري وثقافي وحداثي تميّزت به تونس منذ الاستقلال. فتونس التي تميّزت بأنها من أكثر البلدان العربيّة  حداثيّة واندماجيّة حداثة ثقافيّة تمرّ عليها موجات من الجدل الصّاخب من قبيل الزواج العرفي، ختان البنات، تعدّد الزوجات، النقاب، جهاد النكاح، تزويج القاصرات، منع الاختلاط، تطبيق الشريعة…

وكانت ظاهرة العروشيّة هي نقطة العودة إلى الوراء في مسار الثورة التونسيّة لتليها ظاهرة السلفيّة التي تعبّر عنها جماعات دينيّة متشدّدة[95] جدّا تتحرّك في دائرة الفكر الحنبلي الوهابي وتكفّر كلّ من ليس من فكرها، وتضمّ اتجاهات متعدّدة منها المعتدل الذي يدعو إلى التغيير بالطرق السلميّة ومنها الجهادي الذي يدعو إلى التغيير بالقوّة: لكنها كلها تتحدّث باسم إسلام لا وجود له حتى في أكثر النصوص الفقهيّة تطرّفا في تاريخ الفقه الإسلامي[96]. وقد تمكّن هذا التيّار السلفي من التغلغل في المجتمع والانتشار خاصّة مع وصول حزب النهضة الإسلامي للحكم بعد انتخابات المجلس التأسيسي وبعد أن اعتبرهم زعيم حركة النّهضة بأنّهم أبناؤه الذين يذكّرونه بشبابه ويبشّرون بثقافة.

فالقضاء على العروشيّة كان أوّل هدف الدولة الوطنيّة بعد الاستقلال للنهوض بالمجتمع وضمان وحدته وتماسكه والتفكك الذي يمكن أن يهدّد الدولة، لتعود تونس بعد أكثر من خمسين سنة لمناقشة هذه المسألة التي من شأنها أن تأخذ تونس إلى مسار تاريخي معاكس للصيرورة الثوريّة والمدّ الثوري، كما أنها مثلت تضادّا صارخا مع الوطنيّة التونسيّة. “إذن فالعودة إلى العروشيّة هي فعلا علامة من علامات تخلف هذه الدولة العربيّة وتخلف ما بني من حداثة، وهي علامة من علامات غياب الديمقراطيّة الحقيقيّة [97].

كلّ الثورات إن لم تكن لحظة بلورة للجديد بشكل حاسم يمكن أن تتحوّل إلى  لحظة استحضار للقديم كعودة العروشيّة، والتشكيك فيما أُعتقد أنّ فيه إجماع وطني، وعودة الزواج العرفي ومشاكل حقوق المرأة والمساواة و مناقشة مسألة العلمانية و فصل الدين عن الدولة تدلّ على أنه  بعد ما يناهز ستّة عقود هناك فئات في المجتمع لم تتقبّل حقن الحداثة التي فرضها النظام البورقيبي ونظام الاستقلال[98]. وبعد 14 جانفي ظهرالفكر السلفي والوهابي الذي أصبحت له القدرة على الانتشار ورسّخ ما كان يروّج إليه من شيطنة المجتمع التونسي أنه مجتمع سطحي من ناحية الإسلام، مناهض للشرع فتمكّنت هذه القوى من فرض الفكر السلفي والوهبنة حتى عند الناس المعتدلين[99]. وآل ذلك إلى إفراز قطبين: قطب يتمسك بقيم الحداثة وقطب آخر يشيطنها ويدعو إلى تطبيق الشريعة. وهذا كفيل بأن يضع النموذج التونسي موضع شك ومراجعة. خاصّة وأنّ المجتمع الذي تحوّل إلى مستودع لإنتاج الإرهاب وتصديره لا يمكن أن يكون قد استوعب شروط الحداثة، والأرجح أنّه كان يعيش عمليّة تحديث مغشوشة لم تصمد أمام مظاهر التّطرّف ولم تقاوم عناصر التّخلّف ولم تستطع أن تنتج منجزها السّياسي. والدّليل هو  بروز تيارات داعية إلى العودة إلى الحالة القروسطيّة مثل دعاة دولة الخلافة ورفض الدّولة الوطنية التي هي أهم ما أنجزته الحداثة والعقلانيّة الإنسانيّتين. كيف يمكن أن نتحدّث عن الحداثة في مجتمع يحكمه التّديّن السّياسي وينتخب نوّابه باسم الدّين وفيه من يدعو إلى التّراجع عن مكاسب الحداثة. كلّ ذلك يضع الحداثة البورقيبيّة المزعومة موضع الشكّ والمراجعة.

نتذكّر الشعارات التي رفعت في مرحلة الحراك الثوري، وهي شعارات واضحة وبسيطة ولا تتطلب تفسيرا ولا تحمل أيّ نوع من التعقيد. كما أنّه لا علاقة لها بقضايا الهويّة والعلمانيّة وأسلمة المجتمع ولا بالجنة ولا بالنار ولا بالكفر ولا بالإيمان ولا بالشريعة، بل هي تتعلق بمقاومة الفساد واسترداد الحق في الشغل والكرامة وتعديل منوال التنمية. كما نادت بالعدالة الاجتماعيّة والحريّة والمساواة والديمقراطيّة. ولكنّنا نجد المجتمع أيضا يترحّل من وضع المحارب للفقر والإقصاء واللاّمساواة إلى مدافع عن الإسلام وروح الهويّة واعتماد الشّريعة كمصدر أساسي للتّشريع وتنزيل الأسس الدّينيّة للدّولة ضمن عناصر الجدل الذي يتحكّم في مآل “الثّورة”[100]. فحينما اكتشف أنّه مسلم اتّجه إلى مقاومة الكفّار من بني شعبه وبذلك تنتهي فكرة الاندماج الاجتماعي أو يتّضح أنّها كانت ظرفيّة وسرعان ما تفكّكت وهي بالتّالي ليست مقوّمات متأصّلة في واقعنا الاجتماعي وليست نابعة من خصوصيّاتنا الاجتماعيّة ولم تكن متناغمة مع ما صاغه التّاريخ والأنتروبولوجيا، لأنّ الواقع الظّرفي كسّرها. وفي إحدى فصول “الثّورة” نجد المجتمع الذي وحّده الفقر والظّلم والإستبداد فرّقته العقيدة السّياسة والمصالح.

فمن الإفرازات الرّمزيّة العنيفة للسّياق قيد التّناول هو تغيّر مفهوم الحدود في تونس فلم يعد يتنزّل في قاموس واحد، بل نجده قد ترحّل من الفضاء الجغرافي إلى الفضاء الاجتماعي (الطّبقي) إلى السّياسي إلى الإيديولوجي إلى الثّقافي. فالتّونسيّون اليوم أصبحوا يستبطنون حدودا جديدة داخلهم، والحدود تسلّلت من المعنى الذي تكون معه خارج الحيّز المجتمعي إلى معان متعدّدة تدرجها ضمن حيّزه. وهكذا تبدو من مآلات “المسار الانتقالي” أنّه بدأ يرسّم حدود السّيادة والوطن داخله ويرسّم معها الحدود الفاصلة بين “المحافظة والتّقدّميّة وبين الحداثة والرّجعيّة”. فمجتمع الثّورة انحرف عن مسار “ثورته” ولم يحترم نقاط العبور التي حدّدتها له أسبابها وبذلك اتّجه للبحث عن نتائج مغايرة وغير منسجمة معها. فالمجتمع الذي وحّدته المطالب الاجتماعيّة فرّقته أسئلة الهويّة، والمجتمع الذي ثار لأجل العدالة الاجتماعيّة والتّوازن بين الجهات والشّغل والعيش الكريم وجد نفسه في مرحلة أولى ينتخب على أساس الهويّة وتكريس الشّريعة الإسلاميّة ثمّ في مرحلة ثانية وجد نفسه يصارع على قضايا اللّباس والزّواج العُرفي[101] والمأذون لشّرعي وختان البنات التي لم يطرحها من قبل مثلما طرح مشكلة الفقر والبطالة والتّهميش. فهو مجتمع انتفض على مطالب طرحها وصوّت على شعارات لم يطرحها وأصبح يصارع على قيم مُسقطة على كتلته التّاريخيّة وطارئة على ثقافته. لهذا فإنّه انتفض وأنجز ما أنجزه دون أن يتحكّم في مسار الثّورة ونتائجها. فقد اتّضح أنّ المجتمع التّونسي غير مندمج لأنّه انقسم فجأة بين “الكفّار والمسلمين”.  فكأنّ المجتمع التّونسي لم يكن يعلم أنّه مسلم ولم يكن يعلم أنّ إسلامه صاغه تحالف التّاريخ والأنتروبولوجيا، لذلك فإنّه يكتشف فجأة أنّه مسلم أو أنّ الثّورة أحيت فيه دينه بفعل حزب سياسي كان قياديّوه مهجّرون او ممّن اختار الاحتماء بالغرب ثمّ عادوا يبشّرون التّونسيّين بالإسلام واتّباع الشّريعة و”بألاّ يجب أن نحرّم ما أحلّ اللّه ونحلّ ما حرّم اللّه”[102]. كلّ ذلك دون أن يغفل المراهنة على التّصالح مع بعض انتظارات الحداثيّين لكي يفوز بأصواتهم باسم الدّيمقراطيّة. نجد المجتمع أيضا يترحّل من وضع المحارب للفقر والإقصاء واللاّمساواة إلى مدافع عن الإسلام وروح الهويّة واعتماد الشّريعة كمصدر أساسي للتّشريع وتنزيل الأسس الدّينيّة للدّولة ضمن عناصر الجدل الذي يتحكّم في مآل “الثّورة”. فحينما اكتشف أنّه مسلم اتّجه إلى مقاومة الكفّار من بني شعبه لتنتهي فكرة الاندماج الاجتماعي أو يتّضح أنّ مقوّماتها كانت حالة ظرفيّة سرعان ما تفكّكت ولم مقوّمات متأصّلة في واقعنا الاجتماعي ولا نابعة من خصوصيّاتنا الاجتماعيّة كما لم تكن متناغمة مع ما صاغه التّاريخ والأنتروبولوجيا، لأنّ الواقع الطّارئ كسّر شروط الاندماج الاجتماعي وأثبت هشاشته. وفي إحدى  فصول “الثّورة” نجد المجتمع الذي وحّده الفقر والظّلم فرّقته السّياسة والمصالح. وللانقسامات محطّات في مسار الثّورة: انقسام القصبة الأولى ثمّ انقسام القصبة الثانية وانقسام القصبة الثالثة التي لم تتم وبقيت في عرف التّاريخ مجرّد محاولة، والحملة الانتخابيّة التي جذّرت الانقسام على غير معايير الوحدة وعلى غير عنوان “الثّورة” وعلى غير الاستحقاق الفعلي للمرحلة وعلى غير شروط الاندماج. كلّ هذا يترجمه تقاسم الأدوار بين قيادات حركة النّهضة حيث أنّهم كانوا يديرون شؤون البلاد من خلال مؤسّستي الحزب والسّلطة السّياسيّة (الحكومة) دون أن تظهر بوضوح عناصر الدّمج بينهما، وهي إحالة بليغة على حقيقة الجمع الاستثنائي بين “الخلافة والإمامة اللتان تحكمان بالحقّ الإلهي”[103].

المسألة الدّينيّة الطّارئة على “الثّورة” و المسقطة على المجتمع أدّت إلى فتقه ثقافيّا وهو خطر أكبر من الفتق الاجتماعي (الطّبقي) والاقتصادي. فالمجتمعات غير المنسجمة ثقافيّا لم تجد طريقها إلى المصالحة لأنّ انقسام الذّهنيّات لا يعترف بالتّوازن الطّبقي ولا يمكن معالجته بمجرّد التّوافق الطّبقي. ولأنّ الانقسام الذّهني في واقع الحال يدخل في ثنائيّة المقدّس والمدنّس/ الكفر والإيمان وهي الثّنائيّة التي تكون فيها الحدود طويلة والمسافات متباعدة. وهو ما يشير إلى أنّ الثّورة جاءت لرتق المجتمع طبقيّا ولكنّ رهانات الطّبقة السّياسيّة الجديدة أدّت إلى فتقه[104]. وربّما يكون لذلك آثارا مباشرة على الشّخصيّة القاعديّة التّونسيّة.

  • البدائل الاقتصاديّة على خطى الانتكاسة

تبرز في سياق “الثّورة” عناصر استمراريّة الخيارات الاقتصاديّة التي ميّزت السّياسة العامّة خلال العقدين الماضيين، وهي الخيارات التي تراهن على اقتصاد السّوق وتعطي الأولويّة إلى الاستثمار الخاص الذي يلخّص فحوى المدرسة اللّيبراليّة القصوى كما صاغها ميلتون فريدمان. هذ الخيار الذي يستثني المسألة الاجتماعيّة من أولويّاته رغم أنّها أساس الثّورة وشعارها المركزي وعنوانها الرّئيسي دون استثناء عناوينها الفرعيّة. وقد تجلّى ذلك من خلال السّياسة الاقتصاديّة المقترحة من طرف الحكّام الجدد الذين يطرحون معالجة الأوضاع بنفس آليّات النّظام السّابق من خلال إعادة إنتاج نفس المنظومة القائمة على التّشجيع وتوفير الإمتيازات لفائدة المستثمرين على حساب الفئات الاجتماعيّة الأخرى والطّبقات الشّعبيّة. كما تحافظ على نفس الارتباطات الخارجيّة التي أفضت منذ بداياتها إلى ترسيخ حالة مستدامة من التّخارج الاقتصادي[105] الذي يفضي إلى إعادة إنتاج التّبعيّة. ولعلّ أبرز مثال على ذلك ما تطرحه الحكومات المتعاقبة خلال هذا المسار الانتقالي من الالتزام باتّفاقيّة الشّراكة التّونسيّة الأوروبيّة وعدم التّخلي عن مجلّة تشجيع الاستثمارات[106] التي تمثّل الأرضيّة القانونيّة لقطاع خاص أساسه الحوافز والامتيازات دون أن يكون له مردود اجتماعي. لذلك فإنّه في مسار “الثّورة” الذي أصبح مسارا انتقاليّا نقف على معطيات لا تتجانس إطلاقا مع الآثار السّياسيّة والاقتصاديّة لفعل تاريخي يمكن أن نسمّيه ثورة. بل نقف على أنّ “مسار الثّورة” لم يجدّد الطّبقة السّياسيّة لأنّه خلق نوعا من التّحالف الممتد بين قوى الهيمنة التّقليدية التي سادت في واقع ما قبل “الثّورة” والمحافظين الجدد من خلال التّعهّد بمواصلة نفس السّياسة الاقتصادية اللّيبراليّة. فالائتلاف الحاكم ما بعد الثّورة جدّد المظهر وغيّر اللّباس السّياسي ولكنّه حافظ على المنوال القديم حين وجدناه يتصالح مع الطّبقة البرجوازيّة[107] والأوليغارشيّة الماليّة في إطار غنائمي يقوم على تقاسم المصالح وتناصف المهام للدّفاع عن المصير المشترك الذي تحدّده وحدة الأهداف ووحدة الرّؤى والبرامج والمنطلقات والغايات وبالتّالي الأساليب. وكلّ هذا يحوّل الدّولة إلى مجرّد جهاز يسهر على توزيع المصالح بين الطّبقة السّياسيّة والنّخبة الماليّة التي أفرزها نظام ما قبل “الثّورة”. فامتلاك السّلطة عندها لا يعدو أن تكون مجرّد منصّة إعلان زواج جديد بين الطّبقة السّياسيّة ونخبة المال والأعمال بشفاعة دينيّة وتحت سقف الدّولة الجديدة بإدارة نظام سياسي قديم الأسس جديد الهيأة. وحيث نجد المجتمع المدني البرجوازي لم يتطوّر ولم يتغيّر فإنّه نفس المجتمع الذي كان مساندا للنّظام السّابق وهو نفسه الذي يعيد إنتاج دوره في ظلّ النّظام الجديد. وحتّى إن تغيّر الخطاب وتغيّر النّظام فإنّه يظلّ العضد الدّائم للنّظام القائم طالما أنّ الأرضيّة اللّيبراليّة هي التي تجمع بينهما. وواقع الحال في هذه المرحلة أنّ السّلطة السّياسيّة هي التي تسعى إلى استقطاب البرجوازيّة من خلال تطوير الشّراكة مع رجال الأعمال وذلك على حساب علاقة التّنافر البادية مع نقابة الشّغّالين. وهكذا فإنّ الثّورة لم تنجز شيئا أكثر من أنّها جدّدت لباس النّظام وغيّرت وجوه الطّبقة السّياسيّة المنبثقة من المعارضة التّاريخيّة من خلال فاعليها الأساسيّين الذين كانوا ضيوفا متأخّرين على الثّورة. مقابل ذلك فإنّها أدخلت القوى الوطنيّة في جولة جديدة من النّضال والمقاومة الوطنيّة. ولكن الاستعمال العمومي والتّداول الاصطلاحي السّائد لا يزال بعد يصنّف ما حدث تصنيفا ثوريّا. ولهذا تبدو مهمّتنا العلميّة ملحّة هي إعادة النّظر في المسألة برمّتها أكثر من أيّ وقت مضى.

      خـــاتــمـــة  

قد لا تحتاج هذه المساهمة الفكريّة إلى خاتمة باعتبار أنّها تناولت موضوعا لا يزال قيد التّشكّل في بعده الوقائعي والميداني، وحاولت استنطاق سيرورته تلك في محاولة بناء معرفي غير مكتمل لأنّ الفكرة عموما لا تكتمل إلاّ إذا اكتملت دلالتها المجسّدة في الواقع، لذلك يكون ختم العمل الفكري أو اختتامه أمرا غير مجد باعتبار أنّه قد يفرض إطلاق أحكام قيميّة بشكل ما أو السّقوط في التّخمين والانطباعيّة. ولكن مقتضيات التّبويب المنهجي تلزمنا بالخلاصة. وعلى هذا الأساس علينا أن نقدّم بشكل وقتي بعض الاستنتاجات التي يمكن أن تجيب عن بعض التّساؤلات الضّمنيّة التي وجّهت المساهمة برمّتها رغم قلّة الأسئلة المطروحة في متن النص. والضّرورة المنهجيّة حينئذ تقتضي أن نقدّم نتائج اختبار مسار “الثّورة التّونسيّة” على ثقافة التّغيير وتقتضي أيضا الإجابة عمّا إذا كانت لهذه الثقافة منزلة في صلب المجتمع الذي يمثّل فضاء التّغيير وموضوعه.

في حدود ما يسمح به حيّز هذه المساهمة من التّحليل والاستنتاج  فإنّ المجتمع التّونسي منفعلا بالعمليّة الثّوريّة التي انفلتت من إرادته بفعل تعقّد الإكراهات ولم يكن فاعلا أساسيّا فيها. لذلك فإنّه بإعادة إنتاجه للمنظومة التي كانت موضوعا للثّورة فإنّه يرفض أن يتحرّر ويرفض التّغيير الثّوري الذي تعتبر قيم المواطنة ومبادئها من أسمى أهدافه الأصليّة. يعني بكلّ بساطة أنّ هذا المسار لم يحتكم إلى ثقافة التّغيير، لذلك سرعان ما استحال مسارا انتقاليّا غير ثابت التّوجه وغير مضمون النّتائج، بل يُحسب له أنّه أسقط  شعارات الثّورة وغيّر معانيها وأهدافها.

كلّ ما في الأمر أنّ المجتمع التّونسي عاش ردّة الفعل العفويّة تجاه دوافع موضوعيّة للتّغيير دون أن تتهيّأ أرضيّته الفكريّة وقبل أن تنضج شروط المحافظة على أهداف هذا التّغيير وعلى طبيعته الثّوريّة، ودون أن يكتسب هذا المجتمع القدرة على إدارته وتوجيهه.

حينئذ يحقّ لنا الاعتقاد بأنّ التّونسيّين لم يثوروا محمّلين بثقافة المواطنة والمشاركة وحقوق الإنسان، بل ثاروا معبّئين طلبا لكلّ ذلك أو لأنّهم يفتقدون كلّ ذلك. وربّما كان افتقادهم له على مستوى الذّهنيّة العامّة والممارسة الاجتماعيّة قد أفقدهم القدرة على التّحكّم في مصير ما أنجزوه بشكل عفوي. فتحوّل فعلهم إلى عمليّة ارتداديّة تنذر بإعادة إنتاج مضامين الحقيقة الأكثر صلابة وثباتا في تاريخهم السّياسي والاجتماعي والاقتصادي: حقيقة تنتصر فيها مقوّمات العقليّة الأبويّة بروحها الاستبداديّة والتّسلّطيّة، ويبرز فيها التّفاوت الاجتماعي على قاعدة اللاّمساواة الفئويّة والجهويّة، ويتفوّق فيها الامتثال الولائي المطلق المترسّخ في ذهنيّة الرّعيّة.

 

البـيـبليــوغـرافيـا

الصّافي سعيد، حوارات الثورة مع الصافي سعيد، عرابيا للإعلام المتعدّد، ص 48.

الطّاهر لبيب، لكي لا تأكل الثورة أولادها باكرا، المستقبل، الأربعاء 6 نيسان 2011، العدد 3961.

المنصف وناس، الشخصيّة التونسيّةّ : محاولة في فهم الشخصيّة العربيّة، الدار المتوسطيّة للنشر، أكتوبر 2011.

فتحي ليسير، معجم الثورة التونسية، دار محمد علي للنشر، ط1، صفاقس 2012.

عبد الإله  بلقزيز، ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل، منتدى المعارف، ط 1، بيروت 2012.

عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1988.

عبد الحميد مطر، الثورة بين تعثر السياسات ودروب التغيير، دراسات جغراسياسيّة، تونس 1956-2013، دار نهى للطباعة والنشر والتوزيع، صفاقس، 2013.

عمر شلبي، الثقافة العربيّة: الأصالة التحدّي الإستجابة، منشورات دار الطليعة، ط 1، بيروت 2008.

حسين علوان، إشكاليّة بناء ثقافة المشاركة في الوطن العربي، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط 1، 2009.

الهادي التيمومي، خدعة الاستبداد الناعم في تونس،دار محمّد علي صفاقس 2012.

رمزي المنياوي، ثورات غيّرت وجه العالم، دار الكتاب العربي، الجزء 1، طبعة 1، القاهرة 2011.

 

 

Achille Weinberg, « Qu’est-ce qu’ une société? », in Sciences Humaines, N° 234, Février 2012.

Alain Touraine, Un nouveau paradigme pour comprendre le monde d’aujourd’hui, Arthème Fayard, Paris 2005.

André Dumas, Participation et projet de développement  . in Revue Tiers monde N°95 – 1983.

Bruno Jobert,  «Clientélisme , patronage et participation populaire», in Revue Tiers monde N°95 Juillet – Septembre 1983.

Debard , F . et Durand, A,  « Quelle participation ?  «in Economie et humanisme N°186 . Mars / Avril 1969.

François Perroux, Masse et classe. Editions Casterama. Bruxelles. 1972.

Eric Hobsbawn, The age of revolution : 1789-1848, London: Vintage Books, 1996.

Ernest-Marie Mbonda, « La pauvreté comme violation des droits humains : vers un droit à la non-pauvreté», in Revue internationale des sciences sociales, N° 180, juin 2004.

George Balandier, Sens et puissance: les dynamiques sociales, PUF, 3ème édition, 1986.

Georges Granai, « Le problème du changement social et la théorie sociologique », in Cahiers internationaux de sociologie, vol XXXVI 1964.

Georges Gurvitch, Traité de sociologie, PUF, paris 1962.

Guy Barbichon, « Le changement social : innovation ou conformisme », in Revue internationale des sciences sociales, vol XX, 1968,  N° 3.

Guy Rocher, Introduction à la sociologie général, T1, (Chap.IV : Culture, civilisation et idéologie), éd.H.M.D, col « point », Paris, 1968.

Immanuel Wallerstein, « Faut-il de- penser les sciences sociales du XIXe siècle ? », in Revue internationale des sciences sociales N°118-novembre 1988.

Jacques Berque,  Langages du présent, Gallimard, Paris 1974.

Jean Lacroix, « La société selon le positivisme comtien », in Recherches sociale, N° 53, janvier- mars 1975.

Jean-Marie Domenach, « Révolution et modernité », in Esprit N° 6, juin 1988.

Joseph Yacoub, « Pour un élargissement des droits de l’homme», in Diogène N° 206, avril- juin 2004, p.100.

Kenneth C. Land, « Théories, modèles et indicateurs de changement social », in Revue international des sciences socials, vol XXVII, 1975, N° 01.

Madeleine Grawitz,  Méthodes des sciences sociales, Editions Dalloz, Paris 1996.

Martin Dominique, » La participation directe en entreprise : de la résistance clandestine a la mobilisation marginale« . in Cahier internationaux de sociologie. vol 99 – 1995.

Martine Leibovici, « Révolution et démocratie », in Revue française de science politique, N°1,  février 1991.

Norbert Elias, La dynamique de l’occident, CALMAN-LEVY, 1975.

Patrick Watier, « Georges Simmel et la sociologie actuelle », in Société, Revue des Sciences Humaines et Sociales, 1993, N° 40.

Pierre Sané, « La pauvreté, nouvelle frontière de la lutte pour les droits de l’homme », in Revue internationale des sciences sociales, N° 180, juin 2004.

Radcliffe-Brown, Structure et fonction dans la société primitive, Traduction de François et Louis Marain, Minuit, col « Point », Paris, 1968.

Raimundo Panikkar, « la notion des droits de l’homme est-elle un concept occidental?», in Diogène 1982, N° 120.

Raymond Ledrut, « Une sociologie généralisée : Métamorphose de la sociologie », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXXVIII-1985.

Roger Benjamin, «Comprendre et transformer la société : Réflexions liminaires», in Recherches sociales, N° 72, octobre-décembre 1979.

Roger Benjamin, «Pour comprendre la société : orientations de recherche», in Recherche sociale, N° 100, octobre – décembre 1986.

Udai Pareek, «Les schémas de motivation et la planification des changements sociaux», in Revue internationale des sciences sociales, vol XX , 1968, N° 3.

Wilpert,Bernhar, «La participation dans les organisations«, in Revue internationale des sciences sociales N°2 –1984.

 

 

الوابوغرافيا

 

عبد الحسين شعبان، ثقافة التغيير وتغيير الثقافة، الحوار المتمدّن، العدد 2987، 26/04/2010.           www.alhewar.org

 

عبد العزيز قريش، مفهوم المواطنة وحقوق المواطن، وجدة سيتي.

www.ovjdacity.net/international-article12530.

 

Comité régional du travail social de Bretagne, janvier 2013, « Les paris de la participation, Promouvoir la culture participative comme vecteur de transformation sociale »,

www.crts- bretagne.fr/doc/avis%20participation

 

 

[1] – عمل منشور في مجلّة مــدارات، السّلسلة السّادسة عشرة عدد 21/22، ربيع – صيف 2014، مجلّد 11، ص.ص. 66- 115.

 

[2] – من المهم التّأكيد هنا على التّمييز بين معنى التّغيّر ومعنى التّغيير. فكثيرا ما ينساق المشتغلون في حقل العلوم الاجتماعيّة وراء الاستعمال المتداول للمفهوم في صيغته الفرنسيّة changement التي لا تميّز في مستوى بنية اللّفظ ومحموله الدّلالي بين ما يعبّر عن القدرة الذّاتيّة لإنجاز التّغيير والتّحكّم فيه كفعل متواصل (ويقابله في العربيّة لفظ: التّغيّر) وبين التّغيير بشكل عام دون يشترط الفالعيّة الذّاتيّة والقدرة على التّحكّم في عمليّة التّغيير وتوجيهها. لذلك فإنّنا نجد الموضوع قيد التّناول في حاجة إلى استعمال معنى التّغيّر في غير المعنى الذي يوحي به التّغيير. وبالتّالي وجب التّأكيد على أنّ استعمالهما معا في متن النّصّ بمعنيين مختلفين هو استعمال قصدي وهو تأكيد بأنّهما غير مرادفين لبعضهما البعض.

[3] – لقد أحصى الأمريكيّان “كروبير” و”كلوكهون” ما لا يقلّ عن 160 تعريف للثقافة لعلماء ينتمون إلى تخصّصات مختلفة منها الأنتروبولوجيا والإثنولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والطب العقلي والاقتصاد والسياسية…، من الطبيعي أن يركز كلّ عالم يمثل تخصّصا معيّنا على محكّات معيّنة، وأن يعطي ثقلا لظواهر من الثقافة دون أخرى، بحسب ما ينصرف إليه اهتمامه النابع من تخصّصه .

[4]– Radcliffe-Brown, Structure et fonction dans la société primitive, Traduction de François et Louis Marain, Minuit, col « Point », Paris, 1968, p 265.

[5]–  Guy Rocher, Introduction à la sociologie général, T1, (Chap.IV : Culture, civilisation et idéologie), éd.H.M.D, col « point », Paris, 1968, p 111.

[6] – يرى تالكوت بارسونز أنّ الثقافة “تتكوّن من تلك النماذج المتصلة بالسلوك ومنتجات الفعل الإنساني التي يمكن أن تورث بمعنى أن تنتقل من جيل إلى جيل بصرف النظر عن الجينات البيولوجيّة”. ويتّسم تعريف عالم الاجتماع الكندي غي روشيه بالشّموليّة عندما عندما ذهب إلى اعتبار أنّ الثقافة منظومة للتواصل بين أفراد الجماعة الاجتماعيّة، وأنّها منظومة للانتساب والانتماء إلى الهويّات تعمل الثقافة على إنتاجها والمحافظة عليها، إنّها القالب الذي ينصهر فيه أفراد الجماعة انصهارا، يكسبهم سمات وخصائص مشتركة في التفكير والإحساس والفعل. وظهرت أبحاث “كلود ليفي ستراوس” والتحليل البنيوي التي أرجعت الثقافات تنبثق من الإنسان بوصفه كائنا ثقافيّا خاضعا للقواعد الاجتماعية ، إذ يمكن اعتبار كلّ ثقافة مجموعة من الأنساق الرمزيّة تتصدّرها اللغة وقواعد التزاوج والعلاقات الاقتصاديّة والفنّ والعلم والدين، كلّ هذه الأنساق تهدف إلى التعبير عن بعض أوجه الحقيقة الطبيعيّة والحقيقة الاجتماعيّة، وأكثر من ذلك إلى التعبير عن العلاقات التي ترتبط بها الأنساق الرمزيّة بعضها ببعض، والبنية الثقافيّة حسب سترواس ليست إلا بنية ما يكون الإنسان من خلاله إنسانا أي بنية العقل الإنساني .

أمّا الماركسيّة، فقد اعتبرت أنّ الثقافة هي كلّ القيم الماديّة والروحيّة ووسائل خلقها واستخدامها ونقلها التي يخلقها المجتمع من خلال سير التاريخ. وبمعنى أكثر تحديدا، فإنّه من المعتاد التمييز بين الثقافة الماديّة (أي الآلات والخبرة في ميدان الإنتاج وغير ذلك من الثورة الماديّة) والثقافة الروحيّة أي المنجزات في مجال العلم والفنّ والأدب والفلسفة والأخلاق والتربية إلخ…. والثقافة ظاهرة تاريخيّة ويتحدّد تطوّرها بتتابع النظم الاقتصادية والاجتماعيّة.

“الثقافة في الماركسيّة تعني مختلف مكوّنات البنية الفوقيّة للمجتمع وتعبيراتها المؤسّساتيّة، وكانت البنية الفوقيّة انعكاسا في نهاية التحليل للبنية التحتيّة، وكانت التشكيلات الاجتماعيّة تتطوّر عبر سلسلة من الانقطاعات والاستمرارات”.

أمّا المفكّر محمد عابد الجابري، فيرى أنّ الثقافة هي “ذلك المركّب المتجانس الذكريّات والتصوّرات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تحفظ لجماعة بشريّة شكل أمّة… أو ما في معناها بهويّتها الحضاريّة… في إطار ما تعرفه من تطوّرات بفعل ديناميكيتها الداخليّة وقابليّتها للتواصل والأخذ والعطاء”.

[7]– محمود أمين العالم، الثقافة العربيّة أسئلة التطوّر والمستقبل، ندوة مستقبل الثقافة في العالم العربي، مكتبة عبد العزيز العامّة، الرياض، 2002، ص 17.

[8]– علي أومليل، سؤال الثقافة : الثقافة العربيّة في عالم متحوّل، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء-المغرب، 2005، ص 67.

[9]– عمر شلبي، الثقافة العربيّة الأصالة التحدّي الإستجابة، منشورات دار الطليعة، ط 1، بيروت 2008، ص 23.

[10] – عندما نحاول التفكير في مفهوم مجرّد كمفهوم الثقافة، فنحن لا نستطيع التفكير فيه إلا من خلال مقابلته بمفاهيم أخرى تدخل معه في علاقات يكتسب منها معناه ودلالاته، من تلك المفاهيم الإيديولوجيا والهويّة، إذ نلحظ خلطا بين هذه المفاهيم،  الثقافة لا تعني الإيديولوجيا أو الهويّة فكلاهما جزءان أساسيّان من الثقافة يساهمان في تكوين وبلورة هذا المفهوم. والثقافة أشمل وأعمّ.

 

[11] – فالتقدّم يعني حركة تسير وفق مراحل ارتقائية، أي أنّ كلّ مرحلة تكون أفضل من سابقاتها. وهو يشير إلى تغيّر المجتمع نحو مرحلة أفضل. والتطوّر يعني النموّ البطيء المتدرّج الذي يؤدي إلى تغيرات منتظمة ومتلاحقة، تمرّ بمراحل مختلفة ترتبط فيها كلّ مرحلة لاحقة بالمرحلة السابقة. أمّا النموّ فهو عمليّة التغيّر التدريجي والمستمر ويتضمّن تغيّرا كميّا أو كيفيّا، والغاية من النموّ هو النموّ ذاته .

[12] – عندما نتفحص تراث علم الاجتماع، نجد عددا من المداخل النظريّة الرائدة التي اهتمت بدراسة التغيّر مثل ما تضمّنته إسهامات هربت سبنسر وماكس فيبر وإميل دوركايم… فانطلقت النظريات البنائيّة الوظيفيّة والصّراع الاجتماعي والتطوريّة الدائريّة التي تناقش التغيّر ضمن نطاق واسع. فالمجتمعات في رأي سبنسر “تتطوّر بطريقة تلقائيّة من حالة يعمل فيها الناس نفس النوع من العمل إلى حالة من التخصّص والتعاون”. ويعتبر دوركايم “بأنّ لكلّ واحد منّا جذور ترجع إلى الأمس ترعرعت بأحداث اجتماعية ماضية وحاضرة تطورت فأصبحت جزءا من ذواتنا وكلّ ما يمثل الحاضر لم ينشأ بشكل مستقل عن الماضي” وهذا يعني أنّ مفهوم التغيّر لا يعني الانتقال النهائي من حالة إلى حالة أخرى مع القطع مع ما سبق بل يعبّر عن تواصل الخصائص الأولى. كما أنه يحيلنا إلى أنّ سلوك الإنسان ناتج عن تغيّر الأحداث والمؤثرات عبر الزمن، فهذا السلوك يتبدّل مع قواعد وقيم الجماعة والنظم والأنساق البنائيّة والثقافيّة، لكن نوع وطبيعة التغيّر تختلف من مجتمع إلى آخر ومن فترة إلى أخرى متأثرة بعدد وقوّة تأثير المتغيّرات بيد أنّ الشيء الثابت هو أنّ المجتمع الإنساني يتغيّر باستمرار. أمّا ماركس أطلق حكما بأنّ العلاقات بين عناصر الإنتاج وبين صراع الطبقات تكون نقطة محوريّة لطبيعة المجتمعات عموما وأنها هي الدافع الأوّل للتغيير الاجتماعي. ووجد ماكس فيبر أنّ الشخصيّات أو الجماعات الكاريزمتيّة هي إحدى قوى التغيّر في المجالات الرئيسيّة للحياة الاجتماعيّة في الدين والسياسة وحتى في الاقتصاد.

[13]–  George Balandier , Sens et puissance :  les dynamiques sociales, PUF, 3ème édition, 1986, p 78.

[14]–  Guy Rocher, Le changement social : Introduction à la sociologie générale, Op. cit. p 19.

[15] – من أبرز هذه النّظريّات والنّماذج التّسيريّة نجد النظرية البنائية الوظيفية حاولت تفسير ظاهرة الثورة وكشفت المصادر الموضوعيّة للتغيير الثوري داخل نسق الظواهر الاجتماعيّة ومن أبرز دعاتها تالكوت بارسونز الذي يعتبر الثورة “انحرافا مرضيا يؤدّي إلى خلخلة التوازن في بناء السلطة“. فترى البنائيّة الوظيفيّة أنّ النسق الاجتماعي سيواجه صعوبات حين لا تستطيع القيم القائمة تفسير التغييرات في الجوانب البيئيّة المحيطة، الأمر الذي يتطلب احتياج البيئة المحيطة إلى قيم جديدة تكون لديها القدرة التفسيرية، وهذا لا يأتي إلا عن طريق التطوّر أو الثورة. ويرى روبرت مرتون أنّ الاختلالات الوظيفية يمكن أن تفضي إلى حالة من عدم الاستقرار، وأن التمرّد هو استجابة لهذه الحالة. والاختلال الوظيفي الذي يتعرّض له المجتمع يوجب التعديل أو التغيير، وإذا قاومت السلطة هذا التغيير فإن التغييرات تكتسب طابعا ثوريا.

أمّا الماركسيّة فهي تنطلق في تناولها لمفهوم الثورة من التفسير المادي التاريخي، وترى بأنّ التناقض هو سبب التطوّر. كما تعتبر أنّ الصراع بين المصالح المختلفة، والمتعارضة أحيانا داخل النّظام ضرورة لتحقيق التغيّر الاجتماعي، ويعتبر ماركس أنّ الصراع الطبقي هو الموضوع الرئيسي للتاريخ ولا يمكن أن ينتهي إلا بالثورة، فحسب ماركس الثورات هي محرّك التاريخ العالمي . كما يعتقد كلّ من ماركس وانجلز أنّ القوى الإنتاجية في المجتمع تدخل في مرحلة من تطورها في صراع مع علاقات الملكية ومع الإطار الاجتماعي والسياسي القائم، وعندما تصبح علاقات الملكية معوقة للإنتاج تحدث أزمة وتبدأ حقبة من الثورات الاجتماعيّة ولا تستطيع الطبقات الحاكمة، ولا تريد الطبقات المستغلة أن تعيشا معا في ظلّ الشروط القائمة، وهذا التناقض بين الطبقات هو الذي يفضي إلى ثورة عنيفة.

[16] – عرف العالم على امتداد تاريخه الطّويل ثورات يعسر حصرها عدديّا منها من حوّل مسار التاريخ، فأعاد تشكيل مصائر دولة وشعوبها ليغيّر وجه العالم واتّجاه التاريخ. هذه الثورات بمثابة علامة فارقة بين تاريخ ما قبلها وتاريخ ما بعدها. وقد تكون الثورة شعبية مثل الثورة الفرنسيّة عام 1789 وثورة أوكرانيا المعروفة بثورة البرتقالية في نوفمبر 2004. أو عسكرية وهي التي تسمى انقلاب مثل الانقلابات التي سادت أمريكا اللاتينيّة، في حقبتي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، أو حركة مقاومة المستعمر مثل ثورة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي (1872-1963) بالمغرب الأقصى أو ثورة عمر المختار (1862-1931) بليبيا. كما تمّ إطلاق كلمة ثورة على تمرّد العبيد بقيادة سبارتاكوس في روما القديمة التي عرفت بثورة العبيد.

[17]– فتحي ليسير، معجم الثورة التونسية، دار محمد علي للنشر، ط1، صفاقس 2012، ص 98.

[18]– رمزي المنياوي، ثورات غيّرت وجه العالم، دار الكتاب العربي، الجزء 1، طبعة 1، القاهرة، 2011، ص 6.

[19]– Eric Hobsbawn, The age of revolution : 1789-1848, (London : Vintage Books, 1996), p 17.

[20]– Jacques Berque : Langages du présent, Gallimard, Paris 1974, p 339.

[21] – إنّ إشكاليّة الثقافة لم تعد شيئا مستقلا عن مكوّنات المجتمع حتى أنّ مفهوما جديدا للثقافة بدأ بالفعل في فرض نفسه، باعتبار أنّ القيم الثقافيّة تجعل التغيير يسيرا من خلال تمكين الأفراد من استيعاب التطوّرات والتحوّلات، فالإنسان يتفرّد عن جميع المخلوقات بقدرته على صنع الثقافة، فالعادات والتقاليد والأفكار والقيم التي يشارك فيها أفراد المجتمع والتجارب التي يمرّ بها الإنسان يستقرّ في أعماقه، ولكلّ مجتمع ثقافته الخاصّة التي يتسم بها ويعيش في إطارها لأنّ الثقافة تتماشى مع الخصوصيّات والمميّزات للمجتمع الذي تنتمي إليه. هكذا يلتقي العديد من علماء الاجتماع على فكرة أنّ لكلّ مجتمع مخيالا جمعيا يصنع هويّته… والحقيقة أنه لولا ميل الثقافة لتكوين النماذج الثقافيّة لكان الانتظام في السلوك الاجتماعي أمرا مستحيلا، ولسلك الأفراد في عشوائيّة وفوضى ما تمليه عليهم دوافعهم البيولوجيّة والغريزيّة ولأصبح المجتمع المنظم مستحيل الوجود.

 

[22]– عبد الإله  بلقزيز، ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل، منتدى المعارف، ط 1، بيروت 2012، ص 132.

[23]-عبد الحسين شعبان، ثقافة التغيير وتغيير الثقافة، الحوار المتمدّن، العدد 2987، 26/04/2010. www.alhewar.org

[24] – إنّ أهميّة البعد التغييري في الثقافة أمر مسلم به لا يمكن تجاهله خاصّة مع مبدأ الشموليّة الذي يجمع كلّ من الثقافة والتغيير الثوري، فمن الضروري البحث عن طبيعة التغيير الثقافي المطلوب لعمليّة التغيير الشامل وإيضاح التوجّهات الأساسيّة لهذا التغيير كمنطلقات لابد منها في عمليّة الثورة الشاملة التي ترتكز على أهميّة التغيير كحقيقة ثابتة في ديناميكيّة المجتمعات والتغيير الثقافي الذي هو جزء أساسي من هذا التغيير باعتبار أنه يقوم على تنمية القوى والموارد البشريّة ورفع كفاءتها في التفاعل داخل المجتمع. هنا يؤكّد غرامشي على أنّ نجاح الثورة أو التغيير الاجتماعي يعتمد بشكل أساسي على إنتاج ثقافة بديلة عند الشرائح المسحوقة في المجتمع، ثقافة تكرّس ربط المعاناة الخاصّة للمواطن بالمشكلة العامّة. وهو يؤكّد أيضا على ضرورة الوعي، وعي الأفراد بمهامهم وواجباتهم وضورة والوعي بخصوصيّة المرحلة.

[25]– عبد الإله بلقزيز، ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل، مرجع سابق، ص 130.

[26]– الثورة هي نهضة شعبيّة واسعة تخترق المسار العام للمجتمع وقواعده وتهزّ الكيان المجتمعي بقصد إحداث تغيرات سياسيّة واجتماعيّة وأخلاقية عميقة، تبدأ بالانقضاض على الحكم لإلغاء النظام السياسي واستبداله بنظام جديد، وقد لا تنتهي إلا بتغيير نمط العلاقات القائم وإعادة تنظيم وبناء الكيان الاجتماعي جذريّا. كما أنّ محك التغيير الثوري يرتكز في الإقرار المبدئي بانّ النقلة المطلوبة والنهضة المثلى تبتغيان في المقام الأوّل : تحسين نوعيّة الحياة على كافة المستويات، وهذا هو جوهر التغيير الحقيقي من خلال تجاوز الاختلالات في البنية الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة وتحقيق درجة عالية من التكامل بين هذه البنيات. والتغيير بمفهومه الشمولي لم يعد مسؤوليّة طرف معيّن دون الآخرين، فالتغيير ليس مسؤوليّة الحكومة وحدها ولا المثقفين وحدهم ولا العلماء وحدهم ولا المجتمع المدني وحده، التغيير أصبح مسؤوليّة الجميع، لذلك فمن الضروري نشر ثقافة التغير بين كلّ أفراد المجتمع حتى يساهموا كلهم بدون استثناء في هذه العمليّة بتعميم الوعي اللازم على مختلف المستويات والأصعدة ليشارك الكلّ في هذه المهمّة، فلا مخرج اليوم من الأزمات التي تعيشها الثورة إلا بغرس ثقافة التغيير بين جميع فئات المجتمع وتحسيسهم بأهميّة الفعل التغيري لتحقيق الأهداف المرجوّة. إذ لطالما كان التغيير حكرا على مؤسّسات الدولة فقط دون أدنى اعتبار لإشراك مختلف شرائح المجتمع في ذلك. إذا ثقافة التغيير هي مسؤوليّة الجميع دون استثناء لأنها ثقافة الوطن الجديد.

[27]– عبد الإله بلقزيز، ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل، مرجع سابق، ص 134.

[28]– إنّ المشروع التغييري في تونس لم يتحوّل بعد إلى ثقافة اجتماعيّة، وهذا سبب كبير في تباطؤ تحقيق الأهداف الثوريّة. إنّ هذا المشروع سيبقى حبيس الأماني ما لم يتحوّل إلى ثقافة اجتماعيّة، فلا يمكن أن تنجح أيّة محاولة للتغيير باتجاه المسار الثوري الصحيح ما لم تكن لها ثقافة تحميها وتعمل على تطويرها. فكلما كان الأفراد أكثر تفهّما لما يحيط بهم فإنّهم سيكونون بلا شكّ أكثر مقدرة على التصرّف طبقا للمفاهيم الناضجة والواعية للتغيير. فمن خلال منهج ثقافي واع يمكن خلق الكوادر المؤمنة بالتغيير، والتي تحتضن عقولا تأصّلت فيها مفاهيم التغيير بصورة عمليّة تعبّر عن واقعهم وآمالهم وإمكانيّاتهم بصورة تترجم الواقع من مجرّد مجموعة قيم ومفاهيم ونظريّات إلى اتجاهات إيجابيّة بناءة تخوض مجال التجربة والممارسة لتكتسب قيما أكثر تطوّرا وواقعيّة، وتصبح دافعة ومحفزة لهم وترتقي به إلى مستوى التطبيق ذو الأبعاد التغييريّة القائم على الإيمان والاقتناع، وبذلك تكون ثقافة التغيير جدارا عازلا وصدّا منيعا يحول دون تسرّب مفاهيم خاطئة تخلخل هيكل المجتمع وتعوق عمليّة التغيير الثوري الشاملة.

[29]– عبد العزيز قريش، مفهوم المواطنة وحقوق المواطن، الجزء الثالث، وجدة سيني.

www.ovjdacity.net/international-article12530.

[30]– نفس المرجع السابق.

[31]– عبد الحميد مطر، الثورة بين تعثر السياسات ودروب التغيير، دراسات جغراسياسيّة، تونس 1956-2013، دار نهى للطباعة والنشر والتوزيع، 17 مارس، صفاقس، 2013، ص 29.

[32] – Patrick Watier ; « Georges Simmel et la sociologie actuelle », in Société, Revue des Sciences Humaines et Sociales, 1993, N° 40, p. 165.

[33] – Achille Weinberg; « Qu’est-ce qu’ une société? », in Sciences Humaines, N° 234, Février 2012, p. 55.

[34] – François Perroux  :Masse et classe . Editions Casterama. Bruxelles. 1972.p129.

[35] – Roger Benjamin ; « Pour comprendre la société : orientations de recherche », in Recherche sociale, N° 100, octobre – décembre 1986, p. 20.

[36] – Wilpert,Bernhard: »La participation dans les organisations «in Revue internationale des sciences sociales N°2 –1984 P . 373.

[37] –  Martin , Dominique : » La participation directe en entreprise : de la résistance clandestine a la mobilisation marginale« . in Cahier internationaux de sociologie . vol 99 – 1995 P 371 .

[38] –  Debard , F . et Durand , A. : » Quelle participation ?  «in Economie et humanisme N°186 . Mars / Avril 1969 P23 .

[39] –  Jobert , Bruno : »clientélisme , patronage et participation populaire« in Revue Tiers monde N°95 Juillet – Septembre 1983. P 541 .

[40] – Guy Barbichon ; « Le changement social : innovation ou conformisme », in Revue internationale des sciences sociales, vol XX, 1968,  N° 3, p. 453.

[41] – Dumas , André : Participation et projet de développement  . in Revue Tiers monde N°95 – 1983 P 513 .

[42] – Georges Granai ; « Le problème du changement social et la théorie sociologique », in Cahiers internationaux de sociologie, vol XXXVI 1964, p. 44- 45.

[43] – Udai Pareek ; « Les schémas de motivation et la planification des changements sociaux », in Revue internationale des sciences sociales, vol XX , 1968, N° 3, p. 509.

[44] – Kenneth C. Land; “Théories, modèles et indicateurs de changement social”, in Revue international des sciences socials, vol XXVII, 1975, N° 01, p. 09.

[45]–  Comité régional du travail social de Bretagne, janvier 2013, « Les paris de la participation, Promouvoir la culture participative comme vecteur de transformation sociale »,                                                                         www.crts- bretagne.fr/doc/avis%20participation

[46]– عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1988، ص 185.

[47]–  حسين علوان، إشكاليّة بناء ثقافة المشاركة في الوطن العربي، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط 1، 2009، ص 12.

[48] – Raimundo Panikkar ; « la notion des droits de l’homme est-elle un concept occidental?», in Diogène 1982, N° 120, p.94.

[49] – من خلال التّجربة الفرنسيّة، نفهم أنّ منظومة حقوق الإنسان تبلورت في المجتمع وخضعت إلى المطلب الاجتماعي وتمّت صياغتها قانونيّا ثمّ أدرجت ضمن أحكام دستوريّة، وهكذا فإنّ فكرة إعلان حقوق الإنسان تدمج فكرتين أساسيّتين: فكرة وجود حقوق الأفراد أنفسهم والفكرة القائلة بضرورة الإعلان عنها وتدوينها . وهنا نجد أنّ المرحلة الانتقاليّة هي بمثابة مرحلة تثبيت أركان منظومة حقوق الإنسان في المجتمع (الواقع) ثمّ في البنية التّشريعيّة حتّى يتصدّرها الدّستور. والمثال الأكثر بروزا في التّاريخ هو تجربة فرنسا من خلال دستور 1946 ودستور 1958 حيث وقع تبنّي المنظومة الجديدة المتعلّقة بالحقوق الاجتماعيّة التي فرضتها الحركة الاجتماعيّة منذ 1884. وكأنّ القاعدة العامّة تفرض أنّ الإعلان عن المبادئ يسبق الإعلان عن الدّستور على عكس علاقة الدّستور بالقوانين الأخرى حيث تكون الأحكام الدّستوريّة سابقة على القوانين الأساسيّة. ونشير إلى التّجربة الفرنسيّة لنؤكّد أنّ إعلان حقوق الإنسان والمواطن كان منطلقا للدّساتير الفرنسيّة اللاّحقة إلى حدود الجمهوريّة الخامسة وفق دستور 5 أكتوبر 1958 الذي تضمّن في ديباجته إحالة على إعلان حقوق الإنسان والمواطن كما كان الأمر تماما بالنّسبة إلى دستور 27 أكتوبر 1946. على أنّ هذا التّأصيل الدّستوري لحقوق الإنسان لم ينقطع في فرنسا رغم تعدّد الدّساتير والجمهوريّات. إذ أنّ دستور 22 أوت 1795 تضمّن منظومة حقوق الإنسان المنصوص عليها في إعلان 26 أوت 1789 .

[50] – Raimundo Panikkar ; Op. cit.  p. 91.

[51] –  Joseph Yacoub ; « Pour un élargissement des droits de l’homme», in Diogène N° 206, avril- juin 2004, p.100.

[52] – نجد أنّ نسبة الأميّة في الوسط الغربي لبلاد التّونسيّة (القيروان- القصرين- سيدي بوزبد) تبلغ خلال هذا العام 33 بالمائة ونسبة البطالة تصل إلى 28 بالمائة كما نجد في هذا الإقليم 13 بالمائة من العائلات لا تملك أيّ مورد رزق. حسب الوثائق الرّسميّة التي يصدرها سنويّا ديوان تنمية الوسط الغربي تحت عنوان “الوسط الغربي في أرقام”. كما نشير إلى أنّ نسبة الفقر في هذه المناطق حسب آخر تقرير أصدرته وزارة الشّؤون الاجتماعيّة تتجاوز 40 في المائة خاصّة في القصرين وسيدي بوزيد.

[53] – Joseph Yacoub ; « Pour un élargissement des droits de l’homme», in Diogène N° 206, avril- juin 2004, p.100.

[54] – Ibid, p.103.

[55] – Raimundo Panikkar ; Op. cit. p. 100.

[56] – Ibid. p.98.

[57] – إنّ فكرة قانون ينتمي إلى الإنسان كإنسان قبل أن ينتمي إلى أيّ تنظيم اجتماعي تنخرط في تقاليد قديمة في التّفكير والتّنظير. هذا ما يشير إليه إعلان الحقوق لسنة 1688 في انجلترا التي أعلنت جملة من الحقوق التي تحدّ من إطلاقيّة سلطة الملك، وكذلك إعلان الاستقلال الأمريكي بعد توحيد المقاطعات الثّلاثة عشر الأولى التي كوّنت الولايات المتّحدة والمعروف بإعلان فيلادلفيا ليوم 4 جويلية 1776، هذا الإعلان الذي أكّد على حرّية الفكر.

[58] – هناك وثيقتان تاريخيّتان لعبتا دورا حاسما في حماية الإنسان من الدّولة وفي تطوّر مكانته. وثيقتان مرتبطتان ومتلازمتان رغم أنّهما متمايزتان وهو ما تمّ تأكيده من خلال تجربتين على الأقل: بالنّسبة إلى الأمريكيّين هناك ميثاقين مقدّسين، إعلان الاستقلال والدّستور وفي ديباجة هذا الأخير تمّ تضمين النّقاط العشر الأساسيّة لما يسمّى بإعلان الحقوق. وبالنّسبة إلى الفرنسيّين إعلان حقوق الإنسان والمواطن والدّستور الذي حافظ عليه وطوّره

 

[59]– Pierre Sané ; « La pauvreté, nouvelle frontière de la lutte pour les droits de l’homme », in Revue internationale des sciences sociales, N° 180, juin 2004, p. 304.

[60] – Pierre Sané ;Op. cit. p. 304.

[61] – Ernest-Marie Mbonda ; « La pauvreté comme violation des droits humains : vers un droit à la non-pauvreté», in Revue internationale des sciences sociales, N° 180, juin 2004, p. 309.

[62] – في نطاق العمل البيبليوغرافي المتّصل بموضوع “الثورة التّونسيّة” توقّفنا عند عدّة أعمال كانت أغلبها مستعجلة ومرتجلة وبعضها أسقطته لأحداث إضافة إلى الغياب التّام للمتون التّفسيريّة القادرة على استنطاق الأحداث وربّما تصلح أكثر لأداء دورها التّوثيقي أو تسجيل فعاليّات التّاريخ الآني دون الارتقاء إلى مستوى العمل العلمي المشروط بالبناء المعرفي للواقع المدروس. من هذا المنطلق يكون مشروع جدّا أن نبحث في المكتبة السّوسيولوجيّة المحليّة عن عمل نظري في علم الاجتماع حول الموضوع قيد التّناول في مستوى ما كتبه فردينان تونيز أو جورج غيرفيتش أو بيار بورديو أو غيرهم من الذين ساهموا في تحقيق المراكمة المعرفية. كما يصبح من الضروري التساؤل عمّا إذا كانت العقود الأربعة، التي تمثل عمر الإنتاج السّوسيولوجي المحلي، قد أفرزت عملا متكاملا حول المجتمع التونسي أو حتى مجموعة من الأعمال المتكاملة في الغرض.

 

[63] – Jean-Marie Domenach; “Révolution et modernité”, in Esprit N° 6, juin 1988. P. 30.

[64] – Jean-Marie Domenach; Ibid. P. 31.

[65] – خلال أحداث جانفي 1978 كانت حركة الاتّجاه الإسلامي (الإسم الأصلي لحركة النّهضة) تساند النّظام البورقيبي بدعوى أنّها تسعى للدّفاع عن السّلم الاجتماعيّة التي تمثل الوضع الأمثل لدعم الفكر الإسلامي (جريدة المعرفة عدد 4).

[66] – Raymond Ledrut; « Une sociologie généralisée : Métamorphose de la sociologie », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXXVIII-1985, p.28.

[67] – Martine Leibovici ; « Révolution et démocratie », in Revue française de science politique, N° 1 février 1991, p. 63.

[68] – Raymond Ledrut ; Op. cit, p.30.

[69]Ibid, p.31

[70] – Immanuel Wallerstein; « Faut-il de- penser les sciences sociales du XIXe siècle ? », in Revue internationale des sciences sociales N°118-novembre 1988, p..582.

[71] – Martine Leibovici ; Op. cit. p. 62.

[72] – Georges Gurvitch ; Traité de sociologie, PUF, paris 1962, p. 236- 245.

[73] – Alain Touraine; Un nouveau paradigme pour comprendre le monde d’aujourd’hui, Arthème Fayard, Paris 2005, p. 276.

[74] – Alain Touraine ;  Ibid. p. 285.

[75] – Alain Touraine ; Ibid. p. 285.

[76] – Jean Lacroix, « La société selon le positivisme comtien », in Recherches sociale, N° 53, janvier- mars 1975, p.21.

[77] – Roger Benjamin, « Comprendre et transformer la société : Réflexions liminaires », in Recherches sociales, N° 72, octobre-décembre 1979, p. 70.

[78] – Norbert Elias, La dynamique de l’occident, CALMAN-LEVY, 1975, p.183.

[79] – Madeleine Grawitz, Méthodes des sciences sociales, Editions Dalloz, Paris 1996, p. 396.

[80] الطّاهر لبيب، لكي لا تأكل الثورة أولادها باكرا، المستقبل، الأربعاء 6 نيسان 2011، العدد 3961.

[81] – تتّسم هذه المرحلة الانتقاليّة بسياقين اثنين:

1-  سياق تشريعي تميّز بغياب الأسس القانونيّة والمؤسّسات التّشريعيّة التي تحدّد شكل الدّولة وطبيعة النّظام السّياسي  باعتبار أنّنا نعيش في حالة فراغ دستوري لايزال رهين الدّور الذي يقوم به المجلس الوطني التّأسيسي الذي لم يؤسّس بعد إلى أيّ من المهام الموكولة إليه بعد انقضاء عامه الأوّل الذي يمثّل فترة شرعيّته الانتخابيّة. وحتّى بعد مصادقته على الدّستور خلال العمر الإضافي إلى عمره الأصلي فإنّ تفعيله لا يزال رهين سن القوانين الأساسيّة المطابقة للأحكام الدّستوريّة، ولا يزال أيضاف ينتظر انتخابات تشريعيّة تفرز برلمان نوّاب الشّعب. وفي انتظار ذلك فإنّ المجلس التّأسيسي قد تجاوز المهام الأصليّة التي انتخب لأجلها وتحوّل إلى برلمان يضطلع بكلّ المهام التّشريعيّة التي ينبغي أن يمارسها المجلس النّيابي المقبل في إطار وجود القانون الأسمى المنظّم لعلاقة الدّولة بالمجتمع في كلّ مجالاتها ونعني به الدّستور.

2- سياق اجتماعي تميز بالجيشان تبعا لما يمكن أن نعتبره وفقا  للتداول اللفظي “ثورة”، دون أن نقف على النّتائج التي ينبغي أن تنبثق عن ديناميكيّة ثوريّة. في حين أنّ هذا الجيشان لم يتجاوز حالة العطالة الوظيفيّة التي تميّز عديد البنيات التّكوينيّة للمجتمع والدّولة ولم يتحوّل إلى ديناميكيّة فعليّة قادرة على تجاوز البنيات القديمة رغم وهنها كما لم يرق إلى مستوى تفعيل البنيات المنسجمة مع واقع “ثوري”

[82]– تعدّ المرحلة  الانتقاليّة وضعا مؤقتا بعد وضع غير مرغوب فيه استمر فترة طويلة من الزمن يرجى تغييره في سياق استشراف عمليّات التغيير، ومن هنا يمكن التأكيد على أنّ المرحلة الانتقاليّة لها دور مهمّ في المسار الثوري، وتنبع هذه الأهميّة والخطورة لأنها تشكل مسار الثورة ما بين القديم الغير مرغوب فيه والجديد المراد تأسيسه، فهي تشهد عمليّة متزامنة ومتوازية من الهدم إلى البناء. ودخلت تونس مرحلتها الانتقاليّة منذ 15 جانفي 2011 عند إعلان “محمد الغنوشي” الوزير الأوّل تولي “فؤاد المبزّع” رئاسة الجمهوريّة وكانت تلك هي أوّل حكومة مؤقتة في المرحلة الانتقاليّة. وتتسم عمليّة الانتقال إلى الديمقراطيّة بدرجة كبيرة من التعقيد من ناحية، وبتعدّد مساراتها والاختلاف البيّن في نتائجها من ناحية أخرى، ويعتمد ذلك إلى حدّ كبير على مستوى التطوّر الاجتماعي والاقتصادي وعلى الظروف الاقليميّة والمحليّة والدوليّة السائدة في اللحظة التاريخيّة التي يحدث فيها التغيير. وتمثل طبيعة وخصوصيّة المرحلة الانتقاليّة في الثورات بعدم التوازن وغياب القدرة على السيطرة لأنّ الثورة ما زالت في منتصف الطريق لم تصل إلى نهاية مسارها الثوري يعني الإمساك بكافة المفاصل السياسيّة والاقتصاديّة والتشريعيّة والأمنيّة للدولة، لتجد نفسها في مواجهة لحظة فاصلة في التاريخ يصارع فيها القديم ويرفض أن يموت بينما يواجه الجديد عسر الولادة ومشقتها ومخاطرها. ومن هنا تنبثق جملة التعقيدات والمخاطر المحدقة بالثورات الشعبيّة.

[83] – لذلك علينا أن نشير إلى أنّ الانتقال الديمقراطي ليس الانتقال من أجل الديمقراطية. فمن الجائز أن تفضي هذه المرحلة الانتقاليّة إلى إعادة إنتاج المنظومة الاستبداديّة. وعليه ينبغي ن نميّز بين نمطين من الدّيمقراطيّة لأنّ إحداهما قد لا تنسجم مع شروط المواطنة وقيمة المشاركة وحقوق الإنسان التي توجد في بناء ذهني مشترك هو ثقافة التّغيير:

  • الديمقراطية الأداة- الوسيلة وقد تنتهي الى إعادة انتاج التسلط مثلما حصل في روسيا (هيمنة حزب روسيا الموحّدة المدعوم بالأوليغارشيّة والمافيا الماليّتين رغم وجود انتخابات دوريّة دون ضمان للتّداول على السّلطة) وايران (التي كبّلت عمليّة التّداول وأخضعتها إلى حكم المؤسّسة الدينيّة من خلال حكم الملالي والمرشد الأعلى للجمهوريّة الإسلاميّة الذي يحدّد مسبقا مآلات العمليّة الإنتخابيّة). وحتّى الدّيمقراطيّة اللّيبراليّة في صيغتها الأمريكيّة التي تفتقد للبعد الاجتماعي وتحصر التّداول عل السّلطة بين الجمهوريّين والدّيمقراطيّين الذين لا يختلفون في جذريّا في علاقتهم مع الطّبقات الشّعبيّة (أكثر من أربعين مليون أمريكي يفتقدون إلى التّغطية الاجتماعيّة). فالدّيمقراطية الأداة هي ديمقراطيّة العملية السياسية-الانتخابية المتّصلة أساسا بمهمة الأحزاب، وقد تكون في شكلها المشار إليه من خلال الأمثلة المذكورة عمليّة وظيفيّة صرف رغم دوريّتها وترسّخها في التّقاليد السّياسيّة. أمّا في شكلها الآخر الذي يمكن أن يعبّر عنه واقع الحال في تونس فهو الذي ينحصر في عمليّة انتخابيّة يختلس بمقتضاها حزب سياسي الشّرعيّة المطلقة باعتبار الوكالة النّيابيّة المنبثقة عن سيادة الشّعب بقطع النّظر عن مدى مشروعيّة ممارسته للسّلطة (والمشروعيّة هنا تتعلّق بمدى مطابقة الأداء السّياسي للشّروط التي بمقتضاها نال الأكثريّة في عمليّة التّصويت ومدى إيفائه بتعهّداته تجاه ناخبيه) ويرفض إعادتها إلى مصدرها الأصلي. هنا يتجلّى انحصار الدّيمقراطيّة في الأداء (حين تنحصر في عمليّة انتخابيّة قد تكون أنجزت في إطار يفتقد فيه المجتمع إلى مقوّمات المواطن وتفتقد فيه الأحزاب الأهليّة السّياسيّة لاستيعاب شروط الدّيمقراطيّة) كما يظهر انحصارها في الإطار (حين يكون إطارها الأوحد هو الحصول على الأكثريّة الإنتخابيّة في مناسبة واحدة وبعد ذلك ينقضي دورها لأنّها مجرّد أداة تُستعمل من أجل الوصول إلى الحكم).
  • الديمقراطية الغاية، أي بوصفها نظاما اجتماعيا أو كما يراها ألكسيس توكفيل الديمقراطية كحالة اجتماعية أي النّظام الذي يقاس بمدى بمجتمعيّة الدّيمقراطيّة Socialité de la démocratie)) حيث تكون نظاما اجتماعيّا يستوفي كلّ شروط وضمانات المواطنة بدءا بالاستجابة لمنظومة حقوق الإنسان في بعدها الكوني وصولا إلى شروط لتّكافؤ الفئوي والمجالي. في هذا المستوى تكون الدّيمقراطيّة واقعا مستداما وتكون فضاء وظيفيّا لمكوّنات المجتمع المدني لا تقلّ في دورها وأدائها عن مكوّنات المجتمع السّياسي.

[84]– عبد الإله بلقريز، ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل، مرجع سابق، ص 318.

[85] – عبد الإله بلقريز، ثورات وخيبات في التغيير الذي لم يكتمل.مرجع سابق

[86]– طالب المعتصمون في القصبة 2 بحلّ برلمان نظام بن علي و إبطال العمل بدستور 1959 الذي فقد ملامحه أصلا نظرا للتّعديلات التي جرت عليه وحل التّجمّع الدّستوري الدّيمقراطي وإقالة حكومة الغنّوشي لأنّها تمثّل امتدادا لنظام الاستبداد ودعوة التّونسييّن لانتخاب مجلس تأسيسي لسن دستور جديد.

[87] – لذلك لم تكن نسبة الإقبال عليها كبيرة، لا تتجاوز نسبة التصويت 10 أو 15 في المائة ، فمن سيقدم على المشاركة في الانتخابات وهو يعلم أنّ نتائجها ستتراوح بين 99 % و89 % لصالح الحزب الحاكم؟ (2 أفريل 1989 : 9927/ – 20 مارس 1994 : 99,9 %  –  24 أكتوبر 1999 : 99,4 %  – 24 أكتوبر 2004 : 94,5 % –  25 أكتوبر 2009 89,62 %)[87].

[88] – يمكن أن نعتبر الشّخصيّة التّونسيّة هي شخصيّة انفعاليّة (كثيرا ما تساير الواقع ولا تجتهد كثيرا في تغييره) وانبهاريّة (لأنّها تتطلّع إلى التّعامل مع الجديد الذي يتميّز ببروز نوعي ويظهر في شكل استعراضي) وانتظاريّة (من باب التّطلّع إلى الإستفادة والكسب من كلّ ماهو جديد).

[89] – لا يمكن أن تنحصر العمليّة الانتخابيّة في مجرّد عمليّة التّصويت وسلامة عمليّة الفرز وإحصاء الأصوات، بل هي أشمل من ذلك لأنّها عبارة عن مسار متكامل ينطلق منذ لحظة تحديد تاريخ الّتّصويت مرورا بالحملة الانتخابيّة وصولا إلى مدى تكافؤ الفرص في الدّعاية السّياسيّة، دون أن نغفل أهليّة المناخ العام الذي يعتبر من أهمّ محدّدات العمليّة الإنتخابيّة.

[90]– من التّقرير العام للهيئة العليا المستقلّة حول سير انتخابات المجلس الوطني التّأسيسي

[91]– المنصف وناس، الشخصيّة التونسيّةّ : محاولة في فهم الشخصيّة العربيّة، الدار المتوسطيّة للنشر، أكتوبر 2011.

[92] – الصّافي سعيد، حوارات الثورة مع الصافي سعيد، عرابيا للإعلام المتعدّد، ص 48.

[93]– الصّافي سعيد، نفس المرجع، ص 45.

[94]– خطاب بورقيبة ألقاه يوم 23 جويلية 1956 مقتطف من كتاب خطب بورقيبة، دار العمل، تونس 1976.

[95] – هذه القوى ترفض الحداثة شكلا ومضمونا وتعتبرها غريبة عن تقاليدنا وبعض فئاتها الأكثر غلوّا ترفض علنا وبدون لبس الديمقراطيّة وتعتبرها كفرا ونأيا عن تقاليدنا الإسلاميّة وتريد أن تستعيض عنها بنوع من الديمقراطيّة القائمة على العصبيّة الدينيّة. وبعض زعمائها يصرون على أنه لا فصل للدين عن السياسة، بمعنى أنه علينا أن نستعدّ لنحكم بشريعة الكهنوت الديني وهم لا يتردّدون في نشر البغضاء من على منابر المساجد ضدّ الديمقراطيين والحداثيين لتأليب الناس ضدّهم وتكفيرهم بغير وجه حق

[96]– الهادي التيمومي، خدعة الاستبداد الناعم في تونس، مرجع سابق، ص 236.

[97]– الصّافي سعيد، حوارات الثورة مع الصافي سعيد، مرجع سابق، ص 67.

[98] – في لحظة الثورة كان التغيير يروم إلى نحت بدائل جديدة قوامها المواطنة، الحكم الرشيد، الدولة المدنيّة الاجتماعيّة والديمقراطيّة (السياسي، الثقافي، الاقتصادي…). فيما بعد تبيّن أن فترة حكم “بورقيبة” و”بن علي” كان فيها نوع من الاكراهات والثغرات تجلّت خاصّة في تراجع التعليم وغياب الفكر النقدي وتشجيع التيّارات السلفيّة لضرب الإسلام السياسي. كلّ هذا وجد أرضيّة خصبة لانتشار التشدّد الديني وما يسمّى بإيديولوجيا الجهاد والحلال وقوّة التأثير الخارجي إعلاميّا وماليّا، فاخترقت بالتالي شرائح عديدة خاصّة الشرائح الفقيرة وكانت ترى في هذه الموجة الجديدة (التديّن) وسيلة للخلاص من الضياع الفكري والروحي والعقائدي وعوض أن يتمحور الرهان حول سبل تحقيق أهداف مدنيّة أصبح النقاش حول أسلمة المجتمع من جديد وهذا من بين العوامل التي أعاقت عمليّة التغيير.

[99] – من بعض ملامح المشهد التونسي بعد 14 جانفي 2011 نذكر:

  • صدامات في المؤسّسات التعليميّة وتعليق للدروس بسبب عدم السماح للمنقبات بمزاولة الدروس الجامعيّة (أحداث كليّة سوسة أكتوبر 2011 وأحداث جامعة منوبة في جانفي 2012) .
  • تضييق الخناق على العمل الثقافي. فبعد التخلص من الرقابة السياسيّة لنظام بن علي، أصبح العمل الثقافي في تونس يعاني من الرقابة الدينيّة أو بالأحرى السلفيّة التي تطالب بإغلاق المدارس العليا للفنون (أحداث الدورة السادسة لربيع الفنون بقصر العبدليّة جوان 2012، التظاهر العنيف على إثر عرض الشريط السينمائي “لا ربّي لا سيدي” جوان 2011 بقاعة سينما “أفريكا” بالعاصمة.
  • الدّعوة إلى مراجعة مجلة الأحوال الشخصيّة وتهديد مكاسب المرأة: طرح نقاشات حول تعدّد الزوجات والمساواة بين المرأة والرجل.

 

[100] – إنّ ما يحدث في تونس هو صدمة الانتقال الفجئي من الدكتاتوريّة إلى الديمقراطيّة. لقد عاش المجتمع التونسي طيلة أكثر من خمسين عاما حالة ثبات تمثلت في سيطرة نظام سياسي مستبد وحزب واحد على المشهد السياسي وتكريس دور المركزيّة المطلقة للدولة التسلّطيّة التي تخلّت عن دورها الرّعائي. كلّ ذلك ساهم في تكوين حالة من الجمود، وجعل التغيير أمرا عصيّا على ذهنيّة المجتمع التونسي وواقعه، حتّى وإن كان تغييرا نحو المواطنة والمشاركة والدّيمقراطيّة وحقوق الانسان. ولعلّ مشكلة المجتمع التونسي كغيره من المجتمعات العربيّة، غير ناضج فكريّا وسياسيّا وذهنيّا وعديم الخبرة والمعرفة بالتغيير الديمقراطي الحداثي، فبدا عاجزا عن تقديم حلول جديدة تتلاءم ومقتضيات المرحلة الانتقاليّة لذلك عاد ليقتات من أرشيف الخمسين سنة الماضية مرّة ومن أرشيف ديني سلفي يتراوح بين إيديولوجيّة التكفير والإرهاب مرّة أخرى. وهذا فعل مضاد لاتّجاه الثّورة، لأنّها تجديد وتوافق مع العصر ومستلزماته وتوق إلى المستقبل وسعي إلى تغيير الأوضاع إلى الأحسن وليست ارتدادا إلى الماضي بحثا عن حلول لمشاكل الحاضر في أرشيف التاريخ. ولكن الأمر قابل للفهم دون عناء باعتبار أنّه يحدث في مجتمع خال من ثقافة التغيير لذلك لم يستطع تحديد وجهة مساره الثوري المطلوب وحاد به جانبا صوب مسائل ومواضيع هي أبعد ما يكون عن تحقيق أهداف ثورته.

 

[101] – المجتمع الذي ثار من أجل المطالبة بمزيد من الحرّيات ومزيد تطوير مجلّة الأحوال الشّخصيّة نجده اليوم يدافع عن المكتسبات ويدعو إلى الحفاظ عليها بدل تطويرها. هذا المكسب الذي كان قبل الثّورة حدّا أدنى فإنّه يتحوّل إلى حدّ أقصى بعد الثّورة. وهذا ما يؤكّد أنّها ثورة مضادّة على مستوى حقوق الإنسان. فالمرأة التّونسيّة في مجتمع الثّورة كانت العنصر الذي ساهم بفاعليّة في مواصلة الأحداث وصياغة المشهد بكامله هي اليوم المستهدف الأوّل من طرف الفائزين بخراج الثّورة في حقوقها ومكتسباتها ووضعها الإنساني والمدني.

[102]  – من أهم تصريحات حمّادي الجبالي الرّئيس الحالي للحكومة وأمين عام حركة النّهضة.

[103]  – انطلاقا من استعمال حمّادي الجبالي رئيس الحكومة الأولى بعد الانتخابات لعبارة “الإشارة الرّبّانيّة” في حديثه عن الثّورة وكذلك عن فوز حركة النّهضة بالنّصيب الأوفر من المقاعد الذي يسمح لها بتشكيل الحكومة وإدارة شؤون البلاد. حيث يتقاسمها حمّادي الجبالي وراشد الغنّوشي في رؤية تجمع بين صفة الخليفة

[104] – أردنا استعمال عبارتي الفتق والرّتق لما تحملانه من دلالة بليغة على وصف واقع الثّورة التي يمكن أن نعتبرها ثورة الفتق والرّتق. وقد وردت العبارتان في القرآن الكريم: “أولم ير الذين كفروا أنّ السّماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ أفلا يؤمنون”. الأنبياء. 30.

[105] – حسب تعبير سمير أمين فإنّ التّخارج الاقتصادي يعني توظيف مقدّرات الآقتصاد الوطني إلى شرو الآقتصاد العالمي بحيث لا يشتغل من أجل الآستجابة لشروط التّنمية بل يستجيب لشروط رأس المال العالمي ويوظّف كلّ إمكانيّات المحيط لفائدة المحور الذي يفقد كلّ شروط السّيطرة على التّراكم ويفقد القدرة على إعادة إنتاج قوى الإنتاج كما يفقد شروط تحكّمه في موارده الطّبيعيّة وبالتّالي عدم التّحكّم في النّتائج الاقتصاديّة من خلال الخضوع إلى عولمة قانون القيمة نظرا لأنّ البنية الاقتصاديّة المتّسمة بهيمنة النّشاط الرّأسمالي مرتبطة بشروط السّوق الخارجيّة في سياق ما يسميّه سمير أمين بالنّسق العالم دون أن ترتقي إلى مستوى اكتمال سمات نمط الإنتاج الرّأسمالي.

[106] – القانون عدد 120 لسنة 1993 المؤرّخ في 27 ديسمبر 1993 المتعلّق بإصدار مجلّة تشجيع الاستثمارات

[107] – يظهر ذلك من خلال الاحتفاء بالهادي الجيلاني رئيس منظّمة الأعراف زمن نظام ما قبل الثّورة. إذ استضافته حركة النّهضة يوم 10 نوفمبر 2011 بمناسبة النّدوة الوطنيّة لدفع القطاع السّياحي. وقد حظي باستقبال رسمي من طرف أمين عام حركة النّهضة الذي كان يستعدّ آنذاك إلى رئاسة الحكومة.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: