تَحْمِلْنَ النَعْشْ وَتَحْفِرْنَ قَبْرًا لِهَيْمَنَةِ الذُكُورْ – سفيان جاء بالله

img

“لِينَا” ماتت… اخر خبر في الراديوهات و التلافز والفيسبوكات..

 

ماتت “لِينَا” وذهب اليسار مرة أخرى لمقبرة الجلاز ليدفن شهداءه، شهداء غدر الرصاص أو غدر البيولوجيا، شهداء لاتكافؤ ولاعدالة الفرص وإهمال وتقصير النظام في التعامل مع مواطنيه الذين كل ما احتاجوه الا وادار لهم ظهره. ظهرا يعلم لمن لا يديره..

تَرجَّلت “لِينَا” ورأينا في مقبرة الجلاز لماذا كان اليسار و لايزال روح الحياة والحب والأمل في هذا العالم، اليسار الذي لا يقصي النساء النضال من أجل الحياة والذي لا يقصيهن من المقابر، الذي لا يقبل باحتكار الذكور للطقوس الجنائزية، الذي يرثي أبناءه ويوريهم الثرى بالهتافات و الخطابات وبالغناء وقصائد الوداع. اليسار الذي كل ما دفن ابنة وابنا من بناته وأبناءه الا وأحيى رميم أمل وراكم لبناء غد أفضل.

ماتت “لِينَا” وحُمِلت في نعشها نحو مثواها الأخير على أكتاف نساء، كما حلمت بهن، ثائرات على استئثار المنظومة الذكورية بالحياة وكذلك ثائرات على استئثارها بالموت وطقوس العبور نحو العدم.

ماتت لينا وحملت النساء نعشها عاليا وقُبِرَتْ، ولو لحين، هيمنة الذكر على الأنثى باسم الدين والبيولوجيا والعادة والتقاليد.

تُوفّيتْ “لِينَا” ولكنها عاشت مرتين. مرة بحياة من النضال ضد الظلم و اللاعدالة و ضيم البيولوجيا، ومرة بحياة بعد الموت تظل فيها منارة لمن ستسلكن نفس الدرب، درب تحرر النساء بل درب تحرر المواطنات والمواطنين من قبضة أنظمة الموت.

ماتت لينا وعادت إلى السطح أشباح الظلاميين على صفحات الفيسبوك وفي اذاعاتهم و المنابر التي يحتلها أتباعهم تبكي ما حل ببنيان ثيوقراطيتهم المرصوص والمدعم بخراسانة الذكورية وهيمنة العقل الرجعي.

 

مات جسدها وعاشت ذكراها عبر كلماتها وتدويناتها ومواقفها وصورها، عاشت هذه الذكرى وألهمت كل أسئلتنا و ما قبليات الأجوبة لكل الباحثين عن فهم هذا الواقع الذي لا نقوى على هزمه. فهل توجد هيمنة ذكورية؟ هل في المستشفيات يداوون المرضى وفي المدارس يعلمون التلاميذ؟ أسئلة علمنا إياها أب روحي للسوسيولوجيا المعاصرة “هاوارد بيكر”. أسئلة تسائل أجوبة لم تطرح حولها أسئلة قبل الإجابة..

نعم توجد هيمنة ذكورية وأعمى من لا يقرأ الأرقام ويدعى العمى من لا يفقه كون هذه الأرقام تعكس هيمنة للذكور في العائلة والشارع ومكان العمل والمسجد. هيمنة بعنف رمزي وجسدي في آن واحد، هيمنة في كلّ مكان وزمان وفي كلّ الحقول : السياسة والدين والمجتمع والاقتصاد والثقافة، هيمنة ليست ناتجة حتى عن اكثر المقاربات التطورية تطرفا باعتبار البقاء للاقوى والاصطفاء الطبيعي، بل ناتجة عن منظومة ذهنية فكرية ايدلووجية ثقافية تؤثر في ما هو سياسي اقتصادي اجتماعي وثقافي لتضع حدودا لحركة التاريخ كما فعلت من قبل مع العبيد ومع السود وكما فعلت شعوب ضد شعوب و كما تفعل الآن طبقات ضد طبقات وفئات ضد فئات..

و هي، أي هذه الهيمنة، مقننة ومشرع لها من قبل القانون والدين والعادات والتقاليد وتطبع الأفراد لا بل وعبر مجلة الأحوال الشخصية التي اعتبرناها مكسبا لحقوق النساء. هيمنة تقوم على عنف رمزي، عنف الرموز بما هي تشريعات نسبت للسماء تارة او ل” هكذا هي الأمور” كشريعة الخوف من التغيير تارة أخرى. عنف يشترط خضوع المهيمن عليها للمهيمن عبر الاعتراف له بشرعية ما تجعل هيمنته مشروعة وشرعية. شرعية التفوق البيولوجي المورفولوجي المزعوم او انحياز القبيلة او الله له ثم مشروعية نصوص قانونية أكل عليها الدهر وشرب!  هذا العنف الرمزي الذي يعيد إنتاج خضوع النساء وهيمنة النظام الأبوي الذكوري كشرفة للنظام الرأسمالي العالمي الذي يجثم على صدور البشرية، قبر، ولو لدقائق، عند كسر النسوة اللواتي حملن نعش لينا له متحديات رمزية الموت وطقوس الجنازة في اذهان مجتمع يقدس ويشرع ويقنن احتكار الرجل لكل ما يمكن أن يثمن رأسماله الرمزي المشحون بكل ما يجعله مميزا عن المرأة وبالتالي يطلب من هذه الأخيرة إنتاج وشحن هذا الرأسمال وفي الان نفسه تنتج ضعفها وخضوعها وتعيد إنتاجه جيلا بعد جيل. هن، بتلك الحركة، تقدمن مربعات أخرى في مسافة من النضال من أجل حقوق النساء، حقوق لا ولم ولن تفتك الا بهدم المنظومة الرمزية للهيمنة وتحرير المرأة من أسر الاعتراف بشرعية زائفة للمهيمن حقيقي.

إن حمل النسوة للنعش ليس مجرد حركة قامت بها نساء متحررات صديقات لإمرأة متحررة توارى الثرى، بل هي صفعة لفئات واسعة من هذا المجتمع اعتبرت ذلك كفرا وهرطقة وزندقة. صفعة لمونوبول الاحتكار، مونوبول الحق في الوجود في كل مكان وزمان وترأس وتزعم و الاستئثار بكل ما ينتج رمزية ما. من رئاسة العائلة، مرورا بكبرى الوظائف لكبرى المناصب السياسية وصولا لإدارة طقوس العبور للحياة وللموت. صفعة لهيمنة ذكورية تخلق جدرانا زحاجية، أعلى من جدران تعبر الصين، تفصل المرأة عن عيش أدوار طبيعية احتكرها الرجل ليحتكر بالتالي رأسمال رمزي يجعله مراكما للتفوق والتميز ويقصي النساء ويقوم بمحاصرتهن في مربعات فعل ضيقة ومتراجعة يوما بعد يوم.

 

قد نختلف، أو اختلفنا سابقا، في منطلقات وأساليب تحقيق غاية الحرية والعدالة والكرامة، مع مقاربات بعينها او “براكسيس” معين داخل العائلة النسوية، او مع بعض المقاربات النسوية، ومع أشكال من أشكال الفعل الجماعي النسوي من أكثرها اعتدال لأكثرها تطرفا في مواجهة النظام الهيتيرو-بطريركي( أو بالأحرى قد نكون اختلفنا حقيقة مع مدعيات النسوية اللواتي أضررن بالنساء ربما حتى أكثر من الرجعيين أنفسهم) . لكننا لن تتخلف عن الوقوف مع نساء هذا الوطن في مواجهة هيمنة تتغذى بالذكورية والبطريركية لتفرض هيمنة القوي على الضعيف بغض النظر عن جندره لونه دينه اومكان ولادته وان كانت النساء هن الأكثر عرضة لهذه الهيمنة والحلقة التي جعلها الأضعف في تقاطعية أشكال الهيمنة.

 

قد نختلف لكننا لا ولم ولن نخون، لن نخون موتك يا “لينا” ففي موتك حياتك، وفي موتك حياة لأنك أملنا جميعا، أملنا في وطن سعيد وغد أفضل وأجمل. وطن لا يظلم النساء ولا يهيمن عليهن، وطن نعيش فيه مواطنات ومواطنين، كريمات وكرماء دون تمييز أو هيمنة.. وطن نعيش فيه أحرارا ونموت أحرارا، وطن لا تقمع فيه الكلمة الحرة، وطن نتساوى فيه أمام الحياة وأمام الموت.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب أسامة سليم

أسامة سليم

كاتب، مترجم وناشط سياسي تونسي. لديه عديد الاسهامات في الترجمة والنقد، مهتم بالفكر العربي المعاصر.

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: