تمظهرات الجسد مع القناع من خلال عرض إيغو فاوست ليوجينيو باربا

img
بقلم :أسامة الحنايني
تحمل الأقنعة الجسد إلى نظام سوسيو-ثقافي وحضاري لشدّة اختلافها من موقع إلى آخر وأشكالها وألوانها المتعدّدة واختلاف رمزيّتها من وجهة نظر أنثروبولوجيّة، يقول موريس مورلوبونتي : « يشكّل الجسد رسوخنا في العالم » ، إنطلاقا من هذا المعطى يمكننا القول بأنّ الجسد يقدّم نفسه لنا لتظهر من خلاله ملامح القناع ويصبح أمام تعبير لا مرئي ولا مجسّد بالرّغم من شدّة امتلائه بالحركات والإيماءات وهذا يطوّر من جماليّة الصّورة المسرحيّة ليصبح الرّكح فضاءا واسعا أمام امتدادات وتقلّصات الجسد ممّا يجعلنا نتوجّه مباشرة في هذا الجزء من البّحث إلى تجربة يوجينيو باربا وتحديدا إلى عرضه المسرحي إيغو فاوست لغوته باعتبارها إثارة هامّة لتمظهرات الجسد مع القناع، إذ كان أغلب الممثّلين يرتدون أقنعة تعود إلى حقبة زمنيّة معيّنة تحمل رمزيّة خاصّة بها ليشعر المتفرّج بنفسه بين عبور وتلاق مع حضارات شرقيّة مختلفة عبر تمدّد جسد الممثّل وانكماشه في لحظات مختلفة بين الشّعور واللاّشعور ليندمج اندماجا كليّا مع فحوى العرض وينتج متعة مسرحيّة.
اعتمد يوجينيو باربا في عمله إيغو فاوست على ميكانيكيّة جسد الممثّل وذكائه وطريقة أدائه لشخصيّة تاريخيّة ضمن مبدأ أسماه بتغيّرات التّوازن في الجسد والتضاد في الحركة والطّاقة في الزّمان والفضاء وهذا وقد اعتمد باربا على مجموعة مختلفة من الأقنعة تحمل طباعا وعرقا مختلفا وثقافة وحضارة شهدت تطوّر مفهوم الجسد بالنّسبة لبعض الشّعوب، وبناءا عليه فهذه المبادئ أصبحت أساسيّة في عمل الممثّل، وبرزت إشكاليّة الطّاقة في عمله واتّخذت شكلها عند الممثّل واختلافها في هذا الجّنس المسرحي الذي يعتمد على الظّواهر الأنثروبولوجيّة لنشعر نحن مشاهدوا العرض بالتفاعلات الداخليّة التي يعيشها الممثّل في لحظات صمته وعدميّة حركته، هذا بالفعل أداء يحمل طاقة داخليّة تجعل الممثّل يلعب لعبة الإقناع دون إصدار صوت أو التّحرّك في الفضاء، ممّا جعلنا نتساءل حول علاقة قناع الوجه بالجسد وتمظهراته تحت هذا السّحر في طور ما قبل التّعبير، وهنا نستنتج بأنّ باربا وضع الممثّل تحت تأثير القناع وفي حضور ذهني وجسدي مختلف تماما عن الحياة اليوميّة التي تقتضي تقنيّات مرتبطة بثقافته وطبيعته بالرّغم من انطلاقه من المسرح الشّرقي كمنظور استشرافي.
ينصهر الجسد في هويّة القناع لتتمّ عمليّة تلاقح ثقافي تحت جو مليء بالعزف الحي لأنماط موسيقيّة مختلفة منها الهنديّة واليابانيّة، ليصبح عرض فاوست عملا كونيّا باعتبار هذه الحضارات الجوهر الرّوحي والفلسفي للتراث العالمي الذي اعتبر مرجعا مسرحيّا.
تحمل الأقنعة التي اعتمدها باربا نبضات واندفاعات حيويّة طبقا للحضارة التي أتت منها المليئة بالحركة لتنحو بالجسد منحى الحركة الانتقاليّة في الفضاء المحيط به، فقد حفر باربا في ثقافات الشّعوب وانعكاساتها النّفسيّة والأدائيّة في التّاريخ البشري وعلاقتها بالإنسان والعقائد وما قد تنتجه من عمل فنّي، حيث اعتمد على إرث بشري وقام بدمجه اعتقادا منه بانّ هذا المزج هو عبارة عن مقترح كوني يجمع بين مختلف الأساطير والمسرحيّات العالميّة لبناء فكرة الإنسان الكوني أو لتضخيم مفهوم الهويّة التي اتّصلت بشكل مرئي بالقناع، هذا الصّدام يعكسه لنا باربا باعتباره : « نتيجة حتميّة للصراع الذّاتي للنّفس الإنسانيّة المنطلق من فكرة الأنا ‘’Ego’’ وصراعها مع المرجعيّات المتمثّلة بالتنوّع وحيرة تلك الأنا باعتبارها الوسيط لتحقيق الذّات الإنسانيّة بشكلها السّوي، حيث يحتدم الصراع وربّما تفقد الذّات السّيطرة حينما تكون عرضة للميل نحو عالمين متضادّين، هما عالم ”الهو” المتمثّل بالغرائز ما تسبّبه من دنس وصراعات الحروب من جهة، وبين ”الانا الأعلى” المقدّس المتجسّد بالقيم الأخلاقيّة وعالم المثل من جهة أخرى »، ويتمثّل هذا الصراع في محاولة الانا الأعلى في المحافظة على الحضارات البشريّة باعتبارها هويّة للجنس البشري والهو الذي يسعى إلى إلغاء الآخر ليصبح أداة لإنجاز ما ترغب به الذّات أو ما تطمح له من غرائز بغية تحقيقها، وبناءا عليه فإنّ باربا يطرح نفسا جماليّا يدعو إلى إلغاء البّحث في إيديولوجيات قريبة المدى أو ضيّقة الشّعبيّة لإنتاج بديل لها ضمن لإطار مسرحي عابر للهويّات وعلاقتها بالأمكنة والأزمنة من خلال تجارب أدائيّة تعتمد على القناع باعتباره الممثّل لجميع هويّات العالم وطاقة الممثّل المفعمة بالحيويّة.
يعبّر القناع وزيّ كلّ ممثّل في عرض إيغو فاوست عن هويّة ظاهريّة للمجتمع القادم منه « فنجد الرّجل الأوروبي والهندي والإفريقي والآسيوي، كما أنّ هذه المسرحيّة نجد فيها ملامح من المسرح الياباني والهندي وبعض من الفنون الرّقص الإفريقي وفي اللّحظة التي يحاكي فيها باربا المشهد التّمثيلي لمقتل والد هاملت نرى المخرج يطلعنا على نماذج مختلفة التي تجسّد الانفعالات التي تظهر الحزن لمختلف الشّعوب، حيث نرى احدى النّساء تولول كأنّها امرأة عربيّة وأخرى تنثر الورد » حيث يعبّر هنا باربا عن التنوّع البشري واتّحاد طرق التّعبير في المهمّات الإنسانيّة، وقد صوّر لنا الإختلاف العرقي من خلال وضع هاملت إفريقيَ الجنسيّة وأوفيليا هنديّة وأم هاملت دانماركيّة ممّا يشكّل حوارا لمختلف الثّقافات والأجناس ويدعو الممثّل لاكتشاف طرق أدائيّة جديدة معتمدا أقنعة تحمل إحساسا مختلفا.
نلاحظ في عرض إيغو فاوست أنّ في كلّ استخدام لقناع ما يحمل هويّة إفريقيّة أو يابانيّة أو هنديّة يطغى على المسرح جوّ موسيقي يدعم الأداء التّمثيلي وهذا يؤيّد قولنا بأنّ باربا يشرّع لمفهوم المسرح الكّوني تتداخل فيه الأجناس الأدبيّة والفنيّة مع الهويّة الفرعيّة حيث « لا تقف الهويّة أو الجّنس أو النّسق عائقا لإيصال منظومة العرض » إذ أنّ هذه التّرجمات الجسديّة التي يقوم بها الممثّلون في إيغو فاوست تمثّل شواغل ذوات المجتمعات الإفريقيّة والآسيويّة، والصّراعات التي تسكن ذات الإنسان بين رغبة في دحض فكرة الآخر ومحاولة لاستقطاب جملة من الحضارات والثقافات.
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: