تماهي الدهشة بالسرد قراءة في رواية ( بقايا القهوة ) لماريو بينيديتي

img

تماهي الدهشة بالسرد

قراءة في رواية ( بقايا القهوة ) لماريو بينيديتي

بقلم :زيد الشهيد (العراق- السماوة)

ماريو بينيديتي كاتبٌ أحبَّ الشِّعرَ فكتبَه ونالَ شهرتَه أدبياً كشاعرٍ . ما لبثَ أنْ استهوَته القِصَّةَ القصيرةَ والروايةَ وما بينهما مِن مَقالاتٍ فكتبَها جميعاً .. ولأنَّه ابتدأ بالشِّعرِ فقد تسلَّلَ هذا الغاوي إلى السَّرد . والسَّردُ حين يلتهمُ عَسلَ الشِّعرِ ويدخلُ في عمليةِ التمثيل الأدبي يكونُ النِّتاجُ نصاً  متميزاً يتوجّه لمتلقّين سيغوصونَ في ماءِ اللذاذةِ العَذبِ ويطفونَ على أمواجِ دهشةٍ تجعلُ الرّوحَ تُتمتِم بلغةٍ التحليق : يآآآآآآآآآآه ، ما هذا الفضاءُ الفسيحُ ، وما هذه النشوةُ العارمةُ ؟! .

ويومَ كتبَ ماريو بينيديتي الروايةَ أرادَها خِطاباً سردياً لا يرتضي غيرَ الشِّعرِ اثباتاً لرقيها وتعطير فضاء القراءة بشذا القبولِ المُستَحَب . أرادَها خطاباً ينأى عن الفَجاجةِ النثرية  ويهربُ من المباشرةِ الثقيلةِ . فالروايةُ المؤثِّرةُ (( لا ترضى بأنْ يكون شعارُ لغتِها شعارَ النثرِ الذي تُمثِّلُ لغتُه الخطَّ المُستقيم ، وإنَّما تسعى إلى أنْ تتماسَّ مع الشِّعرِ الذي شعارُ لغتِه  الخطُّ المُنحني .. فلغةُ الشِّعرِ الحَقِّ تُجسِّدُ الجَّمالَ الفنيَّ الرفيعَ ، والخيالَ الراقي البديع ، والحسَّ الشَّديدَ الرَّهافةِ ، والرِّقَّةَ الشديدة الشَّفّافَةَ ؛ بالإضافةِ إلى ما ينبغي أنْ يكون في اللغةِ الشِّعريةِ من جِدّةِ الإبداع ، ولذّةِ الابتكار )) (1) وهاتِه التوصيفات هي ما تحلَّت بها روايةُ ” بقايا القهوة ” الخطابُ ، الرقيقُ ، الرهيفُ ، الراقي . فالذائقةُ إذْ تلجُّ ميدانَ هذا الخطاب  ستُسرِعُ الخُطى ، مُلتهمةً الأسطُرَ ومُقلّبَةً الصَّفحات ، راقصةً على إيقاعِ جَمالٍ مُبهرٍ وقد تراغَت مَلَكةُ خيالِ المتلقي فأنتَجت ما يُشبه الإكسير الذي ينقلُ ذائقتَه إلى النَّشوةِ المائيةِ الغامرة .

هيكليةُ الرواية

جاءت بقايا القهوة  مُسنيَرةً بـ 48 عنوان ، مُوَزعةً على 260 صفحة من القطعِ المتوسط ؛ تقدَّمَها إهداءٌ موجَّه : ” إلى مَن ترجمَ أعمالي لامتلاكِهم الصَّبرَ وفنَّ إعادةِ صياغةِ كلامٍ وصمتٍ شخصياتي المونتيفيدية في أكثر من عشرين لغة ” ثم اقتباس كلام لثلاثةِ كتاب ؛ أولُهم خوليو كورتاثار مُستفهِماً (( إلى أينَ يذهب الضَّبابُ وبقايا القهوةِ وتقاويمُ الزمنِ الماضي ؟ )) ومنه استعارَ عنوانَ روايتِه ؛ أعقبه قولٌ بمثابةِ إجابةٍ على سؤالٍ غير موجود (( لا توجد أشياءٌ زائفةٌ . يكفي قليلٌ من الإيمانِ لكي يصبح كلُّ شيءٍ حقيقةً )) للوي جوبيه (مدخل الفنانين ) ، ثم الكلام الثالث لميلتون شينكا ، إذ يقول (( أحرارٌ نَحنُ كأطفالٍ قريبين منَ الخلود )) .

تشرعُ الروايةُ كخطابٍ متوزعةً  بين أنا المُتكلِّم / الأول ، والصوتِ الغائبِ / الثالث باستهلالٍ يتحدَّث فيه كلاوديو ، الحاضرُ على امتدادِ الصفحات ، عن حُقبةٍ مُستلَّةٍ من شريطِ ذكرياتِه كان فيها مكانُ الطفولةِ حَيّاً ومَحبوباً لديه ، وإنْ انشطَرَ هذا المكان إلى أكثرَ مِن واحدٍ بفعلِ انتقالِ الأُسرةِ المستأجِرةِ على الدوام من حَيٍّ لحي ، بل كانَ الانتقالُ المتكررُ مبعثَ سعادةٍ له كطفلٍ . فبالانتقالِ تُستثارُ متعةُ الفضولِ عنده  لمشاهدةِ الأشياءِ المخزونةِ او المحفوظةِ في أماكنَ لا تصلها عينُه (( أعترِف إنَّ هذه الحركة المُتجددة دائماً لفتحِ وإغلاقِ الأدراجِ والصناديقِ والرِّزمِ الكبيرةِ والحقائبَ كانت تُشكِّلَ متعةً بالنسبةِ لي . فكلُّ شيءٍ كانَ يعود لمكانِه في الدواليبِ والرفوفِ والخزاناتِ والأدراجِ ، وإنْ كانت هناكَ أشياءٌ أخرى كثيرةً لا تغادر الصناديق .)) ص9 تبقى الذاكرةُ المُحمَّلةُ بالفضولِ مُتحفزةً للاكتشافِ ومُنفتحةً على العوالمِ الجديدةِ لا منغلقةً على الأمكنةِ المتواربةِ دائماً على فضاءِ الأزمنة .. يقول غاستون باشلار (( المكان الذي نحبُّه يرفض أنْ يبقى مُنغلقاً بشكلٍ دائمٍ . إنَّهُ يتوزعُ ويبدو وكأنَّه يتَّجهُ إلى مُختلفِ الأماكنَ دونَ صعوبةٍ ، ويتحركُ نحو أزمنةٍ أُخرى وعلى مُختلفِ مستوياتِ الحُلُمِ والذاكرة .))* وكانَ انْ تحرَّك زمانُ الحُلم لدى كلاوديو إلى مَحلةِ ” كابورّو” التي خَلَقت لديه نظرةً جديدةً تجاه الأمكنةِ . فكابورو المكانُ استحالَ ميدانَ لَعبٍ لا ينقطع كانَ فيه كلاوديو مع أبناءِ خالته وأبناءِ الجيران يُشكِّلون فُرقاً للمنافسةِ ، مُنقسمينَ الى مجموعتين هُما مَن يحمل اسمَ ” كونان دويل ” مُخترع شخصية شيرلوك هولمز رجل التحري وصاحب الذكاء الثاقب ، و “ساندوكان” البحّار الذي يبحثُ عمَّن قتلَ أمَّه وأباه لينتقم لهما . لذلك حين فكَّر والدُ كلاوديو على تغيير المكان واستئجار بيت آخر في محلةٍ أخرى بعد وفاةِ زوجته  ” أم كلاوديو” تألمَ الفتى وشعرَ أنَّه تعلَّقَ بالمكان ، وانَّ النوستالجيا ظلَّت مُستمرةً بعدَ الانتقالِ ومرورِ الأعوام .

في كابورو أيضاً يتعرَّف على ” الداندي ” وتعني الشخصَ المتأنقَ ،  وهو رجلٌ ثملٌ يشهدُ كلاوديو وصحبُه يوماً موتَه مَطعوناً بسكينٍ والدمُ يأخذُ مَساراً من تحتِ الجِّثَّةِ فيتولى احدُهم تغطيتَه بصحيفةٍ دونَ أنْ يمسَّوه . لم يكن الداندي بالتأنقِ الذي يتَّصف به ارستقراطيٌّ أو برجوازيٌّ  إنَّما كانَ مُتشرِّداً بحذاءٍ مُمزَّقٍ وسروالٍ رثٍّ وقميصٍ قذرٍ ومعطفٍ اقربَ إلى البلى ويستبدلُ مع المزاجِ ربطتي عنقٍ يملكهما . الداندي الذي لم تنشرُ الصّحفُ خبرَ موتِه ، لكنَّ اسمَه ظهرَ في مَقطعٍ من تانغو يقول (( وأحياناً عندما يُصيبني المَلل / أتذكّر الداندي ، ذلك المتشرد / الذي ” تبرَّزَ ناراً ” هناك في كابورو / ذاتَ أربعاءٍ وخيمٍ )) ص34 . وفي كابورو شهد كلاوديو وفاةَ أمِّه مثلما  شهدَ تعرفه على ريتا التي تسلَّقت شَجرةَ التين المُشترَكة مع الجيران يوماً .

السهل الممتنع

يَدخلُ النصُّ المُحبَّبُ صاحبُ اللغةَ الرشيقةَ ميدانَ تقبُلِ المتلقّي بانشراحٍ واصطيادِ فيض الإعجاب ، فيصحُّ عليه مُصطلح ” السهل الممتنع ” ؛ ذلك الذي يرى فيه القارئُ سهولةً ويسراً في التقبِّل لكنَّه صعبٌ وعسيرٌ في التقليد وفي محاولةِ محاكاتِه والكتابةِ على هواه . والسهلُ الممتنعُ نتاجٌ يعتمدُ أساساً الموهبةَ التي لا تباريها وسيلةُ تعلُّم  ولا دربةٌ مهما استهلكَت من وقتٍ وبُذِلَ فيها من جُهد .. وما يتركُه هذا السهلُ الممتنعُ حين التحوِّل عنَه هو الدهشةُ ؛ وليسَ غير الدهشةِ المُفردة التي تصحُّ عليهِ ولَهُ . لذلك يمكن توصيفُ خِطاب ” بقايا القهوة ” الروائي على أنَّه من السهلِ المُمتنع . فأنتَ لا تواجَهُ بالجملةِ المعقَّدة ولا الصورةِ المركبة إنّما بالوضوحِ والصَّفاء اللذين يجعلانك تتهادى كأنَّكَ تعومُ بزورقِ جَذلٍ في مياهِ بحيرةٍ زرقاء رائقة تمنحك المتعةَ والَلذاذة .

المَسارُ الطفولي مَقرونا بالأحداث

تكمُن حياةُ الطفولةِ في مجموعةِ اعتباراتٍ لعلَّ أهمَّها (1) الخيال و(2) اللعب و(3) حب الاكتشاف الذي يضفي على حياةِ الطفلِ خبرةً تتنامى مع تقادُمات الأعوام . خبرةٌ تجعلُ منه كياناً بشرياً يعتمدُها مُستقبلاً ، مُستلّاً منها العونَ في مواجهةِ الأحداثِ والتصرّفِ بما يقللُ من الأخطاءِ في ما لو واجَه قَدرَاً أو وجدَ نفسَه إزاء ميدانِ اختبارٍ لابدَّ من تجاوزِه بالنجاحِ وبأقلِّ الخَسائر .. وإذا كانَ اللعبُ ديدناً طفولياً فإنَّ الخيالَ سلوكاً يُضئلُ صَرامةَ الواقعِ عند الطفلِ ويزيدُ من وعيهِ وحساسيته تجاهَ الحقائقِ الماديةِ التي تفرضُها النُّظمُ الاجتماعيةُ والتربويةُ . نظمٌ  يحسبُها الطفلُ مُعيقةً لخيالِه وكابحةً لجموحِ اندفاعِه في عالمِه اللامحدود .. لقد عالجَ تشارلز ديكنز في روايته ” الأزمنةُ الصَّعبة ” ملكةَ الخيال وفعاليتَها عندَ الطفل عبرَ مديرِ المدرسةِ الابتدائية ” توماس كرادكرند الذي كان يمنع على تلامذتِه الخيالَ والخَلقَ وايلاءَ المشاعرِ أهميةً ؛ مُركِّزاً ومؤكِّداً على الحقائق (FACTS ) ؛ فقد نهرَ التلميذةَ اللطيفة ” لوسي ” عندما شذّت عن تلاميذِ الصَّفِ الذين رفضوا تقبّل شراءَ سجّادة تزينُها الأزهارُ ، قائلةً أنَّها تعشقُ الأزهارَ وتحبُّ أنْ تَتخيَّل نفسَها رافلةً في حديقةٍ مليئةٍ بالورود ؛ صارخاً : إنني أمنعُكِ أنْ تتخيَّلي .” وموجهاً كلامَه الصارمَ للتلاميذ جميعاً :” يجبَ أنْ تَنسوا هذه الكلمة .. ما أريدُكم تعلمَه هو الواقعُ والواقعُ ، ثم الواقع .” ومن يتابع كلاوديو في ” بقايا القهوة ” يَجده مُتشبثاً ، شأنه شأن اقرأنه الأطفال والفتية ، بالخيال واللعب وحبِّ الاكتشافِ مُناهِضاً أفكار السيد توماس كرادكرند ومتوافقاً مع لوسي الصريحة بالرأي المكبوحة بالـ”لا ” المُتكرِّرة .. وإذا كانت كلماتُ ديكنز وسردُه مَشحوناً بالصَّرامةِ في ” الأزمنة الصعبة ” فإنَّ ماريو بينيديتي اتَّخذَ روحَ الدَّعابة ( SENSE OF HUMOUR ) في سردِه ووصفِه ، وأظهرَ كلاوديو فتىً يَفرد صفحاتِ كتابِ حياتِه وقد رسمَ ابتسامةً تنمُّ هي الأخرى عن روحِ الدَّعابةِ فتأخذُ بنا بالى ” توم سوير ” و “هكلبري فن” لمارك توين ومغامراتهما ونزقهما الطفولي .

التَتابعُ العاطفي .. النساءُ في حياة كلاوديو

أربعُ فتياتٍ أو نساءٍ هُنَّ مَن دخلنَ في ذاكرةِ كلاوديو العاطفيةِ وجعلَ يتذكرُّهنَّ وفقَ احداثٍ حَفرت وجودَها في ذاكرتِه فلم تُمحى ولم تزُل .. الأولى حين كانَ في الثامنةِ من عُمره كان لديه كما لدى كلِّ طفلٍ في هذه الفئةِ الزمنية بعضٌ من النزق ؛ ذلك الذي برزَ مع الأستاذةِ انطونيا بيكو التي جيءَ بها مُعلِّمةً لتعلِّمه الدروسَ وكان يحفظُها قبلَ يومٍ من مجيئها فتجدهُ يعرف كلَّ شيءٍ عن الدرسِ لكنَّه لم يَشي لوالديه عن قدرتِه على تجاوزِ الدروس وعدمِ الحاجةِ لمُدرِّسةٍ تَعاطفاً مع المُدرِّسةِ التي ستنتفي الحاجةُ لها طالما أنَّها لا تضيف له شيئاً .(( إذْ كنتُ أحفظ يوم الاثنين الدرس الذي ستلقّنني إياه المُعلمةُ يومَ الأربعاء ، وكان ذلك يثير في الفتاةِ المسكينةِ خيبةَ أملٍ كبيرةٍ ونوعاً من الإحساسِ بالفراغ التربوي ، وربّما الخوف من أنْ يعرف والداي أنَّني أتقدَّم في دراستي وحدي دونَ حاجةٍ لمساهمتِها التعليمية فيقرّرا بالتالي الاستغناءَ عن خدماتِها العقيمة .)) ص16 ولقد تحوَّل هذا الإحساسُ إلى نوعٍ من الإعجابِ بها بعدما شرعت توجّه إليه (( نظرات حلوة ومتسامحة )) ثم استحالَ إلى نوعٍ من النظرِ الشهواني (( أعتقد أنَّ التعبيرَ الشهواني الأول والمُبكِّر لديَّ ترجم في تلك النظرات المُستتِرة التي كنتُ أوجّهُها إلى تلكما الساقينِ الجميلتين الكاملتين ؛ كنت أراهما حتى في الأحلامِ لكنَّ الأمرَ لم يكُن يتجاوز نظراتِ الإعجاب والدهشة ))ص17

أما الفتاةُ الثانيةُ فكانت ناتاليا ؛ الفتاةُ التي في الخامسةِ والعشرين بينما هو في السادسة عشر . تُعلِّمُه الدرسَ الأول في الجِماع الذي نقله من مخلوقٍ يمارسُ الحياةَ بخيالِ فتى إلى سلوكٍ تُعطّره اللذاذةُ وينفجرُ فيه ينبوعُ الدَّهشة .. يُشيرُ فرويد في كتابه ( حياتي والتحليل النفسي ) ” كان الناسُ ينظرونَ إلى الطفولةِ على أنَّها بريئةٌ وخاليةٌ من شهواتِ الجنس . ولم يكُن يتبادرُ إلى الأذهانِ أنَّ الصراعَ ضد شيطانِ اللذةِ الحسّية يبدأ قبلَ فترةِ البلوغِ المُضطربة ”  . فبعدَ درس ناتاليا له تتغيرُ عنده المواقفُ وتُستَجدُّ المشاهَد ويرى أنّه يمتلك خزيناً من الكَنز غيرِ المُكتَشَف . (( في السرير ، برفق وعلى مهل ، باشرت هي الدرسَ الأول . وأظنني كنتُ تلميذاً مُجدّاً وأظنُّها كانت مسرورةً بتعلّمي السريع .” كبدايةٍ أُؤكِّدُ لكَ أنَّك ممتاز ، كلاوديتو . ستجعل نساءَك سعيدات ؛ سترى “… إلى تلك اللحظة كنت أنا السعيد ، لدرجة أنَّني بعدَ عشر دقائق طلبتُ منها ، وقد ازدادت ثقتي بنفسي ، أنْ تلقِّنَني الدرسَ الثاني . ” الآن ؟ ” .. ” الآن .. الآن .”)) ص124

والثالثة هي ماريانا التي ارتبطَ بها وهو في سنِّ الواحدة والعشرين وصارت ضِمن مشروعِه الحياتي في الزواج ، واستطاعَ من خلال ما ربَحه من مالٍ في لعبة الروليت أنْ يؤسِّس لموضوعة زواجه منها ، ووافقته هي على أن يقيما حفل الزواج بعد عودته من رحلة إلى مدينة كيتو حيث كلَّفته الوكالةُ التي يعمل لها بالمشاركة بتمثيلها في ”  مؤتمر دراسي دولي ، حول التخطيط البياني والاشهاري ” . وكان قرارُ رؤسائه في الوكالةِ أنَّه الشخصُ الأمثلُ لامتصاصِ الأفكارِ الجديدة .

والرابعة كانت ” ريتا ” فتاةُ شجرةِ التينَةِ التي تمتدُّ أغصانُها الغليظةُ من بيت صديقه نوربريتو لبيتهم ، وتحديداً من نافذةِ غرفته حيث يتبادلُ الاثنانُ المجيءَ عبرَ الأغصان . فتاةُ التينةِ التي ادَّعت أنَّها ابنةُ خالةِ صديقِه نوربريتو تلك هي فتاةُ الحلم التي شغلته كثيراً ؛ وشاهدَها لأولِّ مرة عندما انتقلت إليه عبرَ أغصان الشجرة ودخلت غرفته وحاورته عن سبَبِ بكائه – الذي كان بفقدان أمه التي ستموت بالسرطان –  ومحاولة طمأنته بعبارة (( كلُنا سنموت )) ؛ وإبداء الحنين ؛ ومن ثم التغيير الجذري في حياته العاطفية (( قامت ريتا بشيءٍ كان فعلاً نقطةَ النهاية لطفولتي : قبّلتني على وجنتي ، عند زاوية الشفتين ، وأطالت قليلاً تلك القبلة . فأصبح لدي انطباع بأن ذاك كان أول مسودة لسعادتي .”ص63

فتاةُ التينة هذه ستظهرُ في الروايةِ ثلاث مرات وبفتراتٍ زمنيةٍ متباعدة . ففي المرةِ الأولى التي ظهرت له وقد استخدمت أغصانَ التينة وسيلةً للوصول إليه في غرفتِه التي في العليّة . وفي المرةِ الثانية عندما كان يعمل رَساماً في مؤسسةٍ وكان لحظتها يجلس في مقهى ويرسم ميناء ساعة وعقربيها . العقربان اللذان يفضلهما على الثالثة وعشر دقائق كوقتٍ له وقعُه المتكررُ في نفسه (( كانت ساعتي المفضلة هي الثالثة وعشر دقائق وهي ساعة هامة في مسيرتي القصيرة . في الثالثة وعشر دقائق عثرنا على جثة الداندي ، وفي الثالثة وعشر دقائق توفيت أمي ، وفي الثالثة وعشر دقائق دخلت ريتا غرفتي في كابورو ، وفي الثالثة وعشر دقائق كانت تجربتي الأولى مع ناتاليا .)) ص135 . ظهرت له ريتا في المقهى وقد قضت معه وقتاً قصيراً وخرجا سويةً وأعطته مَوعداً للقاءِ في اليومِ التالي بعد أنْ قبَّلته على وجنته عند زاويةِ الشفتين . تماماً كما قبَّلته قبلَ أعوامٍ . لكنَّها لم تفي بوعدِها … وفي الظهورِ الثالث كانت ريتا قد تقمَّصت شخصيةَ مضيفةٍ في الطائرة التي يستقلُّها وكانت يوماً أعلمته أنَّها تعمل في شركةِ طيران … إنَّ هذا التماهي بين الحاضرِ المُتمثِّل في ذكرى عابرةٍ تكرَّرت لأكثر من مرةٍ وماضي حفرَ وجودَه في الذاكرةِ فلم تستطع الأيامُ محوَه ولا هو ( كلاوديو ) تخلَّص منه إنَّما كانَ يتمنّاه وإنْ شعرَ بلا واقعيته ، وأمِلَ حضورَه ولو في حلمِ يقظةٍ . فكثيرةٌ هي الأشياءُ والمواقفُ التي تمرُّ خَطفاً ونبقى نتمنّى حضورَها كي نعيش طعمَها العَذب ولحظاتِها المَطرية . وكثيراً ما ردَّدنا معَ مضفر النوّاب في ندائِه الحميم لحبيبٍ غائبٍ مرَّ يوماً سحابةً عاطفيةً جميلةً في حياتِه (( تعال بحلم / واحسبها الك جيّه / واقولن جيت )) .. وهكذا هي ريتا في تأثيرها على قلبِ وعاطفةِ وذاكرةِ كلاوديو . تبقى هي الحلمُ الذي يتمنّاه .

روايةٌ سرديةٌ أم سيرةٌ ذاتيةٌ

مَن يقرأُ الروايةَ ويتَتبَّعُ حركةَ كلاوديو ونموَه العُمري والعاطفي ، والمراحلَ الدراسيةَ ومِن ثمَ العمل الوظيفي مَقرونةً بالأحداثِ لابدَّ سيخرج بحصيلةِ أنَّها سيرةٌ ذاتيةٌ لشخصٍ تناوبَ على عرضِ حياتِه هو بنفسِه وقرينٍ له بمثابةِ راوٍ عليم يَعرفُ كلَّ شيءٍ يَخصه أو هي سيرةٌ ذاتيةٌ مُختلقَةٌ وطفولةٌ قد لا تكون مٌعاشَةً فعلاً ؛ فـالروائيونُ (( كثيراً ما يعودون إلى طفولةٍ مُختلَقَةٍَ لم يعيشوها حتى يستطيعوا حكايةَ أحداثٍ تتَّسِمُ بسذاجةٍ مُختَلقةٍ )) (3) ويصنعونَ ماضياً غيرَ حقيقي مُسقَّط بوسائلَ أدبيةٍ (4) وقادرَ على التأثيرِ والإقناع .


  • (1)     في نظرية الرواية ، د.عبد الملك مرتاض ، عالم المعرفة ، العدد 240 ، ص12
  • (2)    جماليات المكان ، غاستون باشلار ، غالب هلسا ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت  ص72
  • (3)   ، (4) جماليات المكان ، ص136
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: