” تعلم عوم ” : عندما يتحول الجهل بالسباحة إلى حكم إعدام مكسي بالنفاذ العاجل !

img
بقلم :هديل الخزري 
شخصياً لا أجيد السباحة و لم يكلفني عدم إلمامي بقواعد هذه الرياضة المسلية التعرض لمكروه يذكر سوى منعي من إرتياد النزل السياحية التي تعج بها تونسنا الجميلة لاستبدل هذا الأمر بهوايات أكثر إستجابة لعاداتي اليومية و طبعي الخجول و قد يتمثل جلها في إ حتسا ء قدر غير يسير بالمرة من الشاي و القهوة و مطالعتي لكتب الشعر و الرواية متى سماح لي بذلك خاطري المشغول بتحرير رسالة دكتوراة عن الهياكل المعنية بحقوق الانسان ببلادي و رصد ما تتعرض له تلك الحقوق من انتهاكات حول العالم :
ذلك السرطان المثير للرعب و الإشمئزاز الذي ينخر بنيان المجتمع الانساني دون هوادة و دون إدراك لما يجنيه علينا هذا الأمر من حزن عميق و غضب إيجابي تم ترجمته إلى مجموعة من الحركات الاحتجاجية السلمية المطالبة ببث العدل و إعلاء صرح العدالة بين كافة المواطنين طاعة لمبادئ القانون الدولي لحقوق الانسان و عملاً بالفصل الأول من الإعلان العالمي لحقوق الانسان :
عمر العبيدي ضحية جهله بالسباحة :
 
إثر المقدمة اللطيفة التي صغتها قبل قليل و بعد طول تدبيج أرغب أن أشير إلى شعار ” تعلم عوم ” و هي مبادرة إفتراضية تم إطلاقها من قبل مجموعة من الناشطين و الناشطات في حقل حقوق الانسان على خلفية وفاة عمر العبيدي رحمه الله و هو شاب لم يتجاوز التاسعة عشر من العمر عرف عنه عشقه للرياضة و هو الذي دفعه إلى حضور مختلف الفعاليات و المباريات الرياضية بمدينة رادس إرضاءا لهوايته اللطيفة و جاهلاً أن ولعه بكرة القدم لن يتطلب منه مجرد إقتطاع بعض المبالغ المالية البسيطة من مصروف جيبه و تشنيف أذنيه بالعبارات النابية و العنف المادي و المعنوي الذي يسود شتى الملا عب ليتطور هذا الأمر فيكلفه حياته حيث توفي هذا الشاب اليافع في سن مبكرة إ ثر ملاحقته من قبل مجموعة من الأمنيين لينتهي به المطاف في احضان نهر متاخم للملعب الرياضي برادس لتزهق روحه يوم 31 مارس 2018 بالمكان المذكور سالفاً لعجزه عن السباحة أولاً و عجزه عن الدفاع عن نفسه كسبب ثاني .
 
و بالرغم من محاولة الشاب الفرار من قبضة رجال الشرطة خوفاً من قبضة المتراك الذي طال جسده النحيل حاول في اللحظات السابقة لموته إستجدائهم بما يملك من نقاء و بقايا ثقة في المنظومة الأمنية متعللاً بسذاجة أنه لا يجيد السباحة و مع ذلك أجابه رجل الدرك بهدوء ” تعلم عوم ” لتتحول هذه العبارات إلى حكم إعدام مكسي بالنفاذ العاجل و غير قابل للطعن بالإستئناف أو التعقيب حيث لم يمهله ما تبقى من العمر لتعلم السباحة أو مجرد الإعتراض على الحكم الجائر الصادر بحقه .
من يضمن حق عمر :
 
عندما يتوفى لك صديق أو حبيب أو شخص قريب إلى قلبك فمهما بلغت درجة وعيك و ثقافتك قد يتحول هذا الوعي في لحظة شجن إلى ثورة عارمة و نقمة غريبة تزعزع ثقتك في العالم الخارجي و المنظومة الطبية التي لم تبذل وسعها حسب رأيك لانتشال من يمثل فقدانه خسارة لا تعوض من براثن الموت و أنياب المرض أما أن يتسبب في قتل هذا العزيز أشخاص يفترض أن يكون بمقتضى القانون الوطني متجندين لحماية الشعب و الوطن فهذا أمر يدفعك إلى تحيين موقفك من مصير الحريات العامة بدولتك و هو ما حمل عائلة عمر العبيدي التي ترزخ تحت هول الصدمة و مرارة الإحساس بالظلم التخفيف من حدة هذا الشعور عبر الاستنجاد بمحامي لمتابعة القضية و بغية حماية حق عمر من الإندثار و قد صرح المحامي للفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية أن 17 عوناً ممن ينتمون إلى الفرقة المزعوم تورطها في جريمة القتل على وجه الخطأ أنكروا أثناء الطور الأول
التحقيقات خروجهم من الملعب ليغيروا أقوالهم إ ثر مواجهتهم بشريط فيديو يثبت ملاحقتهم لعدد هام من الشباب في محيط الملعب و هو ما دفع بهم إلى الإعتراف تحت تأثير الأدلة الدامغة المعروضة أمامهم و خوفاً من شيطنتهم لدى الرأي العام الذي أبدى الكثير من التعاطف مع الشاب المتوفي و أهله و ذويه .
علاقة المواطن التونسي بالمؤسسة الأمنية :
 
تعاطي رجال الدرك مع المنحدرين من شريحة إجتماعية هشة مستغلين هذه الهشاشة و التقدير المبالغ فيه الذي يبديه هؤلاء لهذا القطاع لما يمثله من سلطة رمزية في الأوساط الريفية و الأحياء الشعبية يدفعنا إلى التسائل عن الهدف الحقيقي لانتفاضة 14 جانفي التي قادها الشباب العاطل عن العمل الذي أزهقت أحلامه في واقع إجتماعي و إقتصادي أفضل فظلت علاقة المواطن العادي بالأمني ممزوجة بالكثير من التوتر و الغموض .
بدأنا اثر رحيل الرئيس السابق زين العابدين بن علي بالتدرج نحو ثورة تشريعية غايتها صناعة العدد الأوفر من القوانين الرامية لحماية حرية التعبير و التظاهر السلمي و غيرها من الحقوق التي منعنا عنها خلال السنوات العجاف الماضية كما تم تركيز هيئة الحقيقة و الكرامة الساعية للتحقيق في وضعية حقوق الانسان و جبر الضرر فضلاً عن رد الإعتبار لمن تعرضوا للحيف و التهميش في الفترات السابقة لنفاجئ بعد مرور بعض السنوات على الثورة بعودة قطاع الأمن إلى ذات الممارسات العنيفة السابقة و المتجسدة في إطلاق الذخيرة الحية و القنابل المسيلة للدموع دون وجود ضمانات فعلية أو قانونية تخفف من أثر هذه المعاملة و تكفل للمواطن العادي حقه في صورة تعرضه للعنف من قبل هذه الفئة المعنية بتطبيق القانون و المساعدة على انفاذه لا غير .
تغير في المشهد الحقوقي مع وجود بون شاسع على مستوى الممارسة :
 
لئن كانت الثورة التونسية الضامن الأساسي لتركز عدد هام من المنظمات الدولية غير الحكومية على غرار اوكسفام و المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب و مركز الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة (DCAF) لازلنا نتمثل وجود بون شاسع بين الموجود و المنشود :
فعمر ليس الشعب الوحيد المستهدف بالعنف أو المعاملة القاسية أو المهينة دون داعي أو مبرر قانوني لذلك و هو ما يبدو متناقضاً مع التعهدات الدولية للدولة التونسية في مجال مكافحة التعذيب بموجب مصادقتها على البروتوكول الإختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة و والمعتمد في 18 ديسمبر 2002 في الدورة السابعة والخمسين للجمعية العامة و إن منع صغر السن و الإفتقار إلى التجربة عمر من التحصن بالقانون لحماية نفسه فقد عمل الشعب عمر بوزويدة على إستجماع شجاعته مصرحا لمنظمة العفو الدولية “أؤمن [بالكيان] الذي ندعوه الدولة وبالنظام وحكم القانون. وإذا ما كنت قد ارتكبت خطأ، ينبغي أن أخضع للمحاسبة، ولكن إذا ما أخضعت للظلم، ينبغي أن أنشد العدالة. لا أعرف كيف أركض، آ وآخرون لا يعرفون السباحة؛ نجوت من الموت، ولكن آخرين ماتوا. آمل أن خيبة أملي في الدولة تصلحها الدولة.إذ سعى بوزويدة إلى تسخير أكثر السبل قربا للشباب و أكثرها عفوية حيث حاول إيصال صوته عبر مختلف الوسائط الإجتماعية و أهمها الفايسبوك شارحاً أنه مع عدم تمتعه بمهارات فائقة في العدو الريفي فقد تعرض رفقة شقيقه يوسف بوزويدة لعنف شديد من قبل رجال أمان في منطقة رادس في 5 ماي 2018 اثر إنفجار مصادمات بين مشجعي فريق كرة السلة و رجال الدرك بهذه المنطقة و إن أدى هذا العنف إلى فقدان يوسف لوعيه وفقاً لشريط فيديو قام بتصويره أحد شهود العيان فإن الشعب التونسي لم يفقد بعد إيمانه بالسلطة القضائية حيث نأمل أن تنظر في هذا الصنف من القضايا بنزاهة و حياد تامين دون إنحياز لأي طرف كان .
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.