تطلقت اليوم ، أميمة دكالي

img

تطلقت اليوم – أميمة دكالي

لم أظن يوماً أنني سألفظُ بهذين الكلمتين “أريد الطلاق” حتى في الخيال ، و لا ظننتُ أنني سأنهي علاقتي برجلٍ لم يكن يجمعني به بيت و أولاد فحسب ، إنما كان ولدي و والدي الذي لم تمنحني الحياة فرصة رؤيته لوهلة واحدة على الأقل ، و والد أولادي ، إستمر زواجنا لعشرين سنة ، لن أنكر أنّ طوال هذه الفترة كان لي الملاذ في التيه و اليقين أثناء الربما و السند في المحن ، لكن و رغم كل الولع الذي حمله لي في فؤاده إلا أنه يوم تغزّل بغيري من النساء ، أتاني منكسراً حاملا في يدهِ ظرفاً و باقة ورد و قال:
– تفضلي يا غجرية
– هه ما المناسبة عزيزي
– إمرأة مثلك لا تحتاج المناسبات لتقدم إليها باقة ورد
– مشكور عزيزي سأقرأ الظرف حينما أنهي الطهي ، ضعه فوق الأريكة
– حسنا يا كاتبة أو عفواً يا طباخة
و غادرَ المنزل حينها ، أنهيت الطهي و جلستُ على الأريكة لقراءة ما كتبَ بعد أن وضعتُ الورد في المزهرية عساه يعيش لمدة أطول ، فتحت الظرف بعد معاناة طويلة ، لم تجري العادة أن يغلق الأظرفة التي يمنحني إياها بتلك الطريقة كأنه كان يريد أن يقول بطريقة غير مباشرة لا تفتحيه يا عزيزتي
-“حبيبتي أميمة ، ظننتُ أنكِ لن تفتحي الظرف لكن ربما تناسيتُ حينما أغلقته بإحكام أنكِ إمرأة قوية لا تجيد الإستسلام ، أمضيتُ معكِ أجمل أعوامي و لطالما كنتُ فخور بكِ كزوجة لي و أم لأولادي قبل كاتبة و مخرجة ناجحة ، لم أعرف قيمة الكتب و لا حتى قيمة القهوة السادة كل صباح إلا معك ، و ما كنت سأدرك شيئا عن مجال الطبخ و السينما لولاكي ، لطالما إحتفظتُ بهذه التفاصيل لنفسي لكن ربما حان الوقت الذي يجب أن تدركي فيه إلى أي حد كنت متيم بك ، فكل عمل كنتِ تزاوليه سواء داخل البيت أو خارجه كنتِ تبدين لي أكثر النساء فتنة ، في حفلات توقيع كتبك ، حفلات تكريمك ، فحتى و أنتِ تلعبين كرة القدم مع أطفالنا و أنت تدرسينهم ، و أنت تقرئي لهم كتبتك الذي يشهد التاريخ و الأدب على نجاحها كنت تبدين فاتنة للغاية في كل حالاتك ، و رغم كل ما ذكرته و ما لم أذكره ، و ما يحمله قلبك و قالبك من جمالٍ يوسفي إلا أنني تغزلت ليلة أمس بغيركِ من النساء إنه مكر الرجال يا عزيزتي و لستُ أول رجل يخون زوجته و لا آخر رجل لكن أعترفُ أن إمرأة مثلك لا تستحق الخيانة ، أعلم أنكِ تطرحين هذا السؤال على نفسك الآن : ما الذي دفعهُ لإخباري بشيء كهذا؟ سأجيبك حالاً ، أعرف حق المعرفة أنك إمرأة أُنجبت من رحم الشك و تدرك الكثير بحدسها و هذا الكثير يرهقها فقبل أن تخوضي ملحمة الشك و ترهقي نفسك و قبل أن يخبرك حدسكِ بكل هذا عدتُ منكسراً إليكِ لأخبركِ بما فعلتُ و أنا أطلب الغفران ليس من أجلي بل من أجل حبنا الذي إستمرّ حوالي عشرين سنة دمتِ و دامت روعاتكِ”.
ما إن أنهيت الرسالة حتى أجهشت بالبكاء ، و رغم كل ما أحمله من أحاسيس لزوجي إلا أنني عند الخيانة أسقط الإنسان من حيث رفعته كأنه لم يكن ، أجبته برسالة أخرى قائلة:
– عزيزي أعتذر و لكن إعتذارك غير مقبول أظن أن رجل مثلك يدري تماما أن إمرأة مثلي، مثلما ناعمة كالسلام هي قاسية كالحرب ، إعتني بنفسك جيّداً لطالما أحببتكَ ، ستتولى محاميتي إجراءات الطلاق أرجو أن لا ترهقها ، سلام عليك يا خائن .
تطلقنا بعد تلك الرسالة بحوالي شهر ، توليت حضانة فلذات كبدي و إنشغلت بتصوير فيلمي و كتابة رواية أخرى بعنوان “فقيدتي لن تعود” كأن العشرين سنة التي مضت لم تكن أساساً، أنا اليوم إمرأة أربعينية الهوى و أعيش أربعينياتي برشاقة أنثى عشرينية أزاول كل أعمالي كالسابق و لم تزعجني يوماً كلمة مطلقة فأنا أملك ألقاب لا تقارن بلقب كهذا ، الطلاق عزيزتي ليس عيباً العيب أن تتجاوزي خياناته .

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: