تساؤلات حول الأنساق والبنيات المنتجة للعنف

img

 

تساؤلات حول الأنساق والبنيات المنتجة للعنف[1]

 

 

                                                                                                                         د. المـولـدي قسّــومي

                                                                                                                          باحث في علم الاجتماع

                                                                                                                          جـــــامــعــة تــونـــــس

    مــقــدّمـــة                                                                    

   تهدف هذه المساهمة إلى فهم الخصائص السّببيّة للعنف انطلاقا من الأنساق والبنيات المنتجة له في نطاق السّعي إلى تنزيل هذه الظّاهرة داخل الأطر والمؤسّسات والمستويات الإجتماعيّة المستبطنة لها. ولعلّ هذا التّوجّه يجد تبريره في الوضع المعرفي والشّروط النّظريّة والمنهجيّة لعلم الإجتماع، بناء على أنّ هذه المساهمة تزعم الانخراط في صلب المقاربة السّوسيولوجيّة أكثر من الانتساب إلى غيرها. ويمكن أن نبيّن بعض هذه الشّروط من خلال التّذكير بالخصائص التّالية:

– إنّ علم الاجتماع قد تمحور وتطوّر حول فكرة المجتمع وحول الاعتقاد بأنّ المجموع الاجتماعي ينتظم حول منطق التنظيم بحيث تكون كل مجالات الحياة الاجتماعية قادرة على ملء الوظائف المؤسّساتيّة ومحاطة بآليات المراقبة والتّنشئة الاجتماعية[2].

– مهما تعدّدت الدّراسات السّوسيولوجيّة للمجتمع فإنّها تتّفق عموما على أنّ النشاط البشري الجمعي يوجد في مستويات ثلاث مختلفة وفي ثلاثة حقول مطابقة لها، وهي المستوى الاقتصادي (السّوق) والمستوى السّياسي (الدّولة) والمستوى الاجتماعي (الثقافة بمعناها الأنتروبولوجي). والأخصائيّون في هذه الميادين الثلاثة معنيّون بالاهتمام بمساراتها البنيويّة وليست الظرفيّة[3].

– إنّ مهمّة علم الاجتماع هي فهم الفاعلين الاجتماعيين والنّزاعات الاجتماعية وهذا ما يفرض عليه التّعامل مع التّنظيم الاجتماعي بصفته نتيجة للعلاقات النّزاعيّة بين القوى الاجتماعية التي تصارع من أجل مراقبة وإدارة الأنساق، وخلالها تتمكّن الجماعات من تنظيم العلاقات مع محيطها الشّمولي[4].

إنطلاقا من هذه المحدّدات يمكن أن نتساءل حول البنيات والأنساق المنتجة للعنف مع إمكانيّة التّفاعل مع هذه التّساؤلات تفاعلا بانوبتيّا Panoptique يسمح لنا برؤية كلّ شيء دون أن نكون ضمن العناصر موضوع الدّرس، وفقا لما يتطلّبه الدّور الموكول للعلوم الإجتماعيّة[5]. وتبعا لهذه الشّروط الأوّليّة نحاول التّعامل مع هذا الموضوع قيد الدّراسة بالاعتماد على بعض المطارحات النظريّة والوقائعيّة وانطلاقا من بعض الأسئلة التّأليفيّة: أليس العنف من آثار المؤسّسات الإجتماعيّة والسّياسيّة ونتاجا عكسيّا للحضارة والتّاريخ؟ أليس العنف عبارة عن تهديد بقطيعة بين الرّوابط الإجتماعيّة إن لم يكن ترجمة واقعيّة لقطيعة فعليّة؟ ألا يبدو أنّ العنف هو العنصر الفكري المشترك بين مختلف أنساق الفلسفة السّياسيّة الحديثة إذا ما عدنا إلى فكرة حرب الجميع ضدّ الجميع (هوبز) أو الفكرة التي ترى في المجتمع النّاشئ مجالا لأفظع حالات الحرب، وإذا ما تفحّصنا المفهوم الهيغلي للعنف التّاريخي أو مفهوم ماركس حول الصّراع الطّبقي؟

أوّلا: الأسس الإجتماعيّة للعنف

قد تكون محاولة تعريف العنف أمرا محكوما بهاجس التّدقيق. لأنّ تناوله بشكل مجرّد – والحال أنّنا نجده في كلّ مكان ونتعايش معه في كلّ الأوقات – يمكن أن يؤدّي إلى المخاطرة بعدم القدرة على تحليله إطلاقا وذلك بالجمع بين وضعيّات لا تتشابه والخلط بين أفعال لا تنتمي إلى نفس الطّائفة، وهذا ما يؤدّي إلى إجهاض كلّ ما يمكن أن ترمي إليه إشكاليّة البحث في مثل هذا الموضوع. ولكن بقدر ما يكون هاجس الدّقّة قابلا للتبرير فهو قابل للنّقد خاصّة عندما  يتوه التّحليل بين فاعليّة الواقع الحسّي و جدوى النّماذج التّفسيريّة والأطروحات النّظريّة المتاخمة لبعضها إلى حدّ التّداخل. هذا يحصل بالتّأكيد عندما لا يأخذ تعريف العنف سوى مظاهره الاستعراضيّة وننسى أشكاله الخفيّة والضّمنيّة والشّرعيّة والمؤسّساتيّة التي تمثّل الحقل الأكثر قدرة على استنبات تلك المتون النّظريّة سواء كانت تنتمي إلى حقل العلوم الإجتماعيّة أو إلى العلوم المجاورة. لذلك فإنّ وجهة النّظر الجزئيّة ليست إلاّ متحيّزة عندما لا تضع في اعتبارها أنّ مشروع النّظام المتماسك يهدّده العنف بعدم التّماسك، لأنّ إقصاء بعض أدوات التّحليل ونفي قدرتها على فهم الظّاهرة يعتبر في حدّ ذاته شكلا من أشكال العنف الرّمزي ولكنّه عنف لا يمكنه تأمين أيّ مظهر استعراضي. وحتّى نتجاوز هذه الملابسات آثرنا أن نتناول الأسس الاجتماعيّة للعنف كمنطلق للنّظر في مجتمعيّة هذه الظّاهرة التي يتناولها بعضهم على أنّها إحدى العناصر التّكوينيّة الثّلاثة للسّلطة الاجتماعيّة، إذا ما اعتبرنا أنّ هذا النّوع من السّلطة هو نتيجة للتّفاعل بين المعرفة و القدرة على العنف والثّروة[6].

بدل البحث عن معرفة ماذا يعني العنف – كأنّ الأمر يتعلّق بمعرفة مباشرة وآنيّة تمكّن من تحديد مكان العنف في الجسم الإجتماعي وحينئذ يمكن استئصاله – يمكن أن نهتمّ بالمواقف التي تبديها التّكوينات الإجتماعيّة تجاه العنف بمختلف أنماط وأشكال تمثّله وكيفيّة التّفاعل معه وتقبّله. وضمن هذه الآفاق يمكن المراوحة في الاهتمام أيضا بين أكثر أنواع العنف مهادنة وأكثرها تطرّفا.

توجد أدبيّات كثيرة حول العنف، إنّها تتناول في المستويات الأوّليّة العنف بين الأفراد وفي أعلى مستويات التّحليل كيفيّة ممارسة السّلطة. وبين المستوى الأوّل والثّاني يوجد المدافعون عن حقوق الإنسان والصّحفيّون وعلماء الإجتماع والسّياسة وهم جميعا يفكّرون في العنف بصفته تلك، ويستحضرون التّحديدات الكلاسيكيّة في مستوى تحليل مظاهر العنف السّياسيّة والإجتماعيّة. ولكن الأهمّ من ذلك هو أنّ هذه التّحديدات لا تخرج بالعنف عن نطاق الظّاهرة الإجتماعيّة التي تتحاور مع المجتمع الذي تنشأ وتتطوّر داخله منذ الأسباب حتّى النّتائج والآثار[7]. ومع ذلك يأخذ التّفكير حول العنف هيئة تساؤل يبحث في العلاقات والضّوابط والحدود الإجتماعيّة والنّفوذ والعلاقة بالآخر والاختلافات. ومن ثمّ فإنّ “الإشكال يتمثّل في كون العنف أصبح مشكلا خاصّة بفعل الدّور الذي يلعبه المجتمع في حدّ ذاته في توليد العنف في الوقت الذي يكون فيه المجتمع في الآن نفسه هو الهدف الأساسي للعنف وكذلك فضاؤه”[8]. لذلك فإنّ الفرضيّات المناسبة للتّعامل مع هذه الإشكاليّة لا تخرج عن المضامين التّالية:

إمّا أن نعتبر العنف حادثا تاريخيّا لم يكن من المفروض أن يحدث حسب مقتضيات النّظام وبذلك يكون العنف أساسا من أسس القطيعة وأداة من أدوات التّهديد الوظيفي والبنيوي للمجتمع، وإمّا أن نعتبره إحدى مكوّنات العلاقات الإجتماعيّة وبالتّالي هي مسألة متأصّلة في المجتمع. وحينئذ يكون العنف عنصرا من العناصر التّكوينيّة والتّأسيسيّة للعلاقات الإجتماعيّة ولكن في جانبها الحادّ.

يجوز أيضا اعتبار العنف قديما قدم العالم، فالأسطورة والرّواية ونظريّة نشوء الكون تبيّن لنا أنّه مرتبط بالأصول الأولى للإنسان والمجتمع وهو مرافق دوما للأبطال المؤسّسين.

كيف يحدث أن يظهر العنف وكأنّه مشكل معاصر أو عبارة عن مشكل جديد ؟

كيف يحدث ونصبح في مواجهة العنف وكأنّه ظاهرة برزت بالأمس ؟

الإجابة عن هذه الأسئلة هيّأها التّاريخ وجسّدتها الأحداث، فالمتمعّن في الفترة الرّاهنة التي تعيشها الإنسانيّة يتحقّق من أنّها اتّسمت بسيادة العنف على أهمّ مقوّمات الحياة، فخلال القرن الأخير تمثّل الحرب أهمّ عنصر للقتل أكثر من أيّ وقت مضى وأكثر من أيّ عامل آخر من عوامل الفناء كالأوبئة والمجاعات. حيث أنّه خلال الثّلاثة قرون السّابقة (17-18-19) قتلت الحرب حوالي 25 مليون إنسان، في حين أنّ العشر سنوات التي تمثّل المدّة الإجماليّة للحربين العالميّتين كانت حصيلتها 65 مليون إنسان دون اعتبار الخسائر الماديّة الأسطوريّة.

في سياق تناولها لهذه الظّاهرة التي تعبّر عن أعلى مستويات العنف وأكثره حدّة، فإنّ العلوم الإجتماعيّة جمعت مادّة معرفيّة تحليليّة وميدانيّة مهمّة وكافية لحشر الحرب ضمن أكثر أنماط العنف تواصلا عبر التّاريخ، “فخلال الفترة الممتدّة بين سنة 3600 قبل الميلاد واليوم لم تعرف البشريّة سوى 292 سنة من السّلم، أي المدّة الإجماليّة التي لم تشهد حروبا بين البشريّة. وخلال الحيّز المتبقّي من المدّة حدثت 14531 حربا كلّفت 3,6 مليار إنسان بين قتيل في الحروب وضحيّة الكوارث المترتّبة عنها”[9]. توازيا مع هذا الإقرار بأنّ الحرب هي أقصى أنواع العنف فمن الممكن أن نلخّص أشكال العنف في ثلاثة أصناف:

– العنف الفردي المرتبط بالانفعالات ويخضع إلى شروط ومتطلّبات الحياة اليوميّة ويكاد يكون جزءا من نسق الحاجيّات.

– العنف المجتمعي أي الذي يمارس في إطار الكلّيّة الاجتماعيّة أو على نطاق دولة معيّنة.

– العنف بصفته أداة سياسيّة تستجيب لنسق المصالح الخارجيّة وخاصّة منها المصالح الإقتصاديّة  وعادة ما يأخذ صفة القمع إذا مورس على النّطاق الدّاخلي ويأخذ شكل الحرب إذا ما تمّ تنفيذه على المستوى الخارجي.

باعتبار ذلك فمن الضّروري استحضار أنّ العنف متأصّل في الإنسان والمجتمع وبالتّالي مرتبط ارتباطا وثيقا بالبنيات الإجتماعيّة مهما تغيّرت أو تطوّرت كما أنّه وليد الأنساق المنظّمة للمجتمع، لذلك فهو مستمرّ مادام المجتمع مستمرّا.

هذه الخاصّيّة الأنطولوجيّة للعنف تمكّننا من توظيف التّجربة التّاريخيّة كمنطلق منهجي بدل الاعتماد على المنطلقات الميدانيّة التي تجعل من البحث مجرّد وصف للمعطيات والبيانات.

ما الذي يمكن أن يمثّل عنصرا مشتركا بين شخص يكون ضحيّة للعنف على أيدي مسلّحين وشخص يعتبر ضجيج الشّارع أو ضجيج جاره شيئا لا يحتمل؟

لا شكّ أنّ الفرق بينهما شاسع ولكن الانفعالات والمضاعفات المترتّبة عن الواقعتين من آثار ونتائج يمكن أن تكون متقاربة وتشترك في خطاب سلبي حول المجتمع وتتطلّب دوما مزيدا من الأمن. هذه مسلّمة تمكّننا من استخلاص بعض النّتائج[10]:

  1. لا وجود لقدريّة في العنف منذ لحظة الاجتهاد من أجل تحليل جملة المبرّرات العميقة التي تؤدّي إليه وتنتجه. فهو لا يخرج عن مسؤوليّة السّلطة، ولكن بشكل إجرائي فإنّ كلّ واحد يعتقد أنّه جزء من العمليّة الأمنيّة عن طريق موقفه من الآخرين واحترامه لهم.
  2. تبقى الاستجابة للعنف دوما مجتمعيّة خاصّة في وضعها موضع المناورة التي تهمّ كلّ أفراد المجتمع في تصريف شؤونهم حينما تستحيل عليهم أساليب المناورة الهادئة.
  3. الفعل العنيف تفرضه حالة المرور من لحظة المشاركة الإجتماعيّة والسّياسيّة إلى لحظة الإقصاء والتّسلّط وامتلاك النّفوذ ومصادرة الحق في المشاركة.
  4. إنّ دور الدّولة في عمليّة المرور تلك ليس مختلفا عن دور الأفراد والعناصر الأخرى. وهذا يبدو من خلال السّياسة العامّة أو من خلال استعمال أدوات الضّبط الطّارئة.

مبدئيّا يمكن الإقرار بأنّ العنف هو شكل موجّه من أشكال ممارسة القوّة الجسديّة وهو أمر يعود إلى شعور بالقمع ومرتبط بظروف محيطيّة وبيئيّة تترجمها مظاهر البؤس والكثافة السّكّانيّة والفقر والتّفاوت الاجتماعي والنّزاعات الإيديولوجيّة والعنصريّة. في سياق ذلك فإنّ العنف البشري هو موقف يتميّز بممارسة القوّة الجسديّة ضدّ أشخاص أو أشياء بغاية الأذيّة، ويمكن أن نستخلص ثلاث مكوّنات لهذه الظّاهرة:

  • المحيط الآهل بالظّاهرة والذي يتضمّن مجموعة العوامل الاقتصادية والإيديولوجيّة والسّياسيّة والعائليّة التي تمارس تأثيرا على الفرد وترسّخ فيه الاستعدادات الأوّليّة للعنف.
  • الاستعدادات الشّخصيّة والذّهنيّة للتّعامل مع المعلومات عن طريق مسالك الاستيعاب وتأويلها عبر ميكانيزمات ذهنيّة تصل الانفعال بالسّلوك وتجعل الثّاني يتأثّر بالأوّل ويتطبّع به وبذلك يكون السّلوك عنيفا وعدوانيّا بقدر ما يكون الانفعال حادّا ومرتبطا بالانعكاس الشّرطي .
  • تشكّل ردود الأفعال الفرديّة والجماعيّة التي تكوّن المظهر الحسّي للعنف وتمييزه عن شكله الرّمزي والصّامت، باعتبار أنّ هناك عديد الأنماط من العنف غير المرئيّة.

إنّ أغلب البحوث والمعارف الحاليّة المتناولة لظاهرة العنف تعتمد على العوامل البيئيّة وتنطلق من النّتائج الحسّيّة والسّلوك المرئي خاصّة بالنّسبة إلى العلوم الإنسانيّة والإجتماعيّة، وهي بذلك لا تكترث بحلقة أساسيّة من هذه السّلسلة ألا وهي الفيزيولوجيا الذّهنيّة[11].

تدرس العلاقات بين الأفراد والجماعات بالرّجوع إلى الانفعالات والمعطيات الذّهنيّة  بقدر ما تدرس بالرّجوع إلى الاقتصاد والمعطيات الثّقافيّة وكذلك ظروف العمل، باعتبارها مجالات تجعل من انسجام الإنسان مع محيطه مسألة معقّدة ومستعصية أحيانا، والحال أنّ هذه التّفاعلات والآليّات التي تتضمّن الخوف والعنف والرّيبة والتّوجّس والاندفاع مرتبطة أصلا بالنّشاط الذّهني الدّاخلي وبالقدرة على الاستبطان الانفعالي للوقائع الموجودة ضمن المحيط الذي يتفاعل ضمنه الفرد مع بقيّة المكوّنات الإجتماعيّة والماديّة والرّمزيّة لهذا المحيط. لأنّه عند الإنسان كما عند الحيوان فإنّ الوسط المادّي الطّبيعي حاسم من أجل الاستمرار والتّطوّر، وبالتّالي إذا كانت ضرورة توفير مستلزمات البقاء والاستمرار دافعا حاسما لدفع الإنسان إلى المداخل العنيفة ذات الخاصيّات ما قبل الإجتماعيّة[12] فإنّ الرّغبة في التّفوّق والتّحكّم والهيمنة والسّيطرة والقيادة وممارسة السّلطة وتحقيق الأرباح والاحتكار الإقتصادي…إذا تحوّلت إلى ضرورة فإنّها يمكن أن تصبح دوافع المرور إلى استعمال العنف بتعدّد أشكاله.

إذا كان العنف هو نتاج المحيط الثّقافي وأقصى شكل من أشكال استخدام القوّة الجسديّة فإنّه يختلف عن ذلك الذي يميّز سلوك الإنسان الذي يناضل ويقاوم ويصارع من أجل أن يعيش في ظروف عاديّة. فهذا الأخير يمكن أن يردّ الفعل بعنف تجاه إثارة مزعجة أو مؤلمة فيأخذ النّضال شكلا هادئا أو عنيفا حسب طبيعة وحجم الفعل القمعي الذي يتعرّض له الإنسان وينفعل به. إنّ الاحتلال هو أقوى أشكال انتزاع الحريّة والسّيادة بمعناها المطلق، لذلك فإنّ النّضال التّحرّري لا يمكن أن يكون سوى عنيفا حتّى يتمكّن من مواجهة عنف الاحتلال. وهنا يمكن أن تكون ردّة الفعل أعنف من الفعل إذا ما كانت التّنشئة الإجتماعيّة للفاعل الإجتماعي في أرضيّة ثقافيّة متطبّعة بردود الفعل العنيفة، لأنّه يمكن أن نرسّخ في الفرد منذ طفولته خاصّيّة الهدوء في التّفاعل مع الأحداث إلى حدّ السّلبيّة وعدم الإكتراث كما يمكن أن نرسّخ فيه خاصيّة الانفعال بشكل تناظري فيمكن أن تصل ردود الفعل إلى مستوى القيام بفعل عنيف. وهنا يكون للتّنشئة الإجتماعيّة دورا مهمّا في ترسيخ مبدأ التّحكم في الذّات.

أمّا المقاربة السّوسيولوجيّة فتدفعنا إلى إعادة توطين العنف في الممارسة اليوميّة للمجتمع وضمنه يبدو العنف كشكل من أشكال التّعديل المندرج ضمن ممارسات اجتماعيّة مكثّفة ومتكرّرة على مستوى كلّ الحقول الآهلة للفعل مثل الضّبط والرّقابة والتّسلّط والضّغط واحتكار العنف الشّرعي والقمع والسّيطرة من أجل إرساء النّظام والسّرقة من أجل العيش والتعطيل من أجل التّحكّم … وهذه الوقائع المتباينة من العنف يمكن أن تترجم عن لحظات التّفاوض الحادّ بين الأفراد المعنيّين في نطاق المساهمة التّعديليّة لمنطق القوّة الذي قد تفرضه أحيانا بعض مقاييس الاختلاف أو الأفعال وردود الأفعال. إلاّ أنّ العنف قد لا يبرز دوما في الواقع اليومي للمجتمع لأنّه يوجد ضمن حدود اجتماعيّة مشبعة بالوقائع المرادفة للعنف. وليست المظاهر الحادّة للوقائع المنفلتة من إمكانيّات السّيطرة والتّحكّم والتي تسجّل حضورها على أعمدة الصّحف أو أروقة المحاكم سوى دلالات مهمّة مرشّحة لمزيد فهم نسيج الوقائع العنيفة المحبوكة داخل سيّاج العلاقات الإجتماعيّة. إنّ العنف بهذا المعنى “هو اللّحظة المجتمعيّة التي تُفرض فيها القوّة الماديّة بنفس مستوى القوّة الإقتصاديّة والسّياسيّة والإجتماعيّة كأساس للتّفاعل”[13].

إنطلاقا من هذه المقاربة يمكن أن نقدّم ثلاث أطروحات حول العنف:

الأطروحة الأولى تعتبر العنف نتيجة طبيعيّة لنظريّة الحاجة: ضمنها يكون العنف نتيجة الكثافة السّكّانيّة وتفاقم الفقر والاحتياج والسّكن غير اللاّئق والبطالة والفشل المدرسي … ويمكن معالجة هذا النّوع من العنف من منطلق سياسي ( سياسة التّشغيل ، سياسة التّعليم ، سياسة السّكن…).

الأطروحة الثّانية تنبع من تحليل يستند إلى صراع الطّبقات الإجتماعيّة وشروط الهيمنة. لذلك فإنّ العنف الذي تمارسه الفئات والشّرائح الضّعيفة والمهمّشة في الأوساط الحضريّة الشّعبيّة ضدّ المجتمع أو ضدّ نفسها ليس إلاّ الوجه الآخر للعنف الذي تمارسه الدّولة والطّبقات العليا ضدّها. من الممكن تطويع هذه الأطروحة باستعمال المفاهيم المقترحة من طرف بورديو، أي إنطلاقا من اعتبار مظاهر العنف بمثابة تعبير المغيّبين في نسق الهيمنة، إنّه العنف الرّمزي[14].

من زاوية النّظر هذه يمكن اعتبار أنّ العنف الرّمزي يمكّن الأفراد من التّموقع في سياق اجتماعي لا يزال بعد يحتفظ بمقوّمات التّفاوت حيث توجد الأدوار المرتبطة بالمكانة المهنيّة ولكن أيضا المرتبطة بالقوّة الجسديّة. خلاصة هذه الأطروحة أنّ العنف ببعديه المادّي والرّمزي يعبّر عن  الآثار المباشرة والمؤكّدة لاشتغال السّلّم الإجتماعي على خلفيّة إعادة إنتاج التّمايز والتّفاوت بين الطّبقات.

الأطروحة الثّالثة تتناول العنف كتكلفة للحضارة لأنّه ظاهرة متأصّلة أنطولوجيّا وسياقيّا في مسارات وجود وتطوّر المجتمعات البشريّة. وهذه الأطروحة تحيلنا على الخاصّيات الفصاميّة للحضارة بصفتها الإطار الذي يستوعب التّجلّيات الماديّة للمدنيّة وحصيلة تطوّر الرّصيد العمراني لثقافة ما بمعناها الأنتروبولوجي. وتبرز هذه الخاصّيّة الفصاميّة في التّناقض الصّارخ بين المبدأ الذي يعتبر أنّ الحضارة ترفض العنف لأنّه حالة خروج عنها وعودة إلى حالة الطّبيعة والحالة المتوحّشة ( كما يفهمها فلاسفة الحق الطّبيعي والتّعاقد الإجتماعي )، وبين الحقيقة التّاريخيّة التي لا تجد في العنف سوى عاملا من عوامل اكتمال الحضارة وأداة للهدم من أجل البناء وإعادة البناء وهي حقيقة بارزة على مستوى التّطوّر التّاريخي للمجتمع الإنساني بالشّكل الذي تبدو معه الحضارة الإنسانيّة وكأنّها مستبطنة للعنف ولا تقدر على التّخلّص منه.

إنّ التّاريخ برمّته يعتبر عمليّة مقاولة مستمرّة تهدف إلى التّحكّم في العنف وإدارته بدون نهاية، لأنّ العنف حاضر في صلب المجتمعات. فهو يأخذ شكل الحرب في العلاقات بين المجتمعات عندما تتجاوز المنافسة ضمانات التّبادل. هكذا يمكن أن نربط وجود الإنسان بالعنف، فهو “يستمدّ منه إنسانيّته… فالعنصريّة بعد من أبعاد الإنسان وهي في نفس الوقت تعبّر عن إحدى اشتقاقات العنف. فالأوروبي لم يستطع أن يكون إنسانا إلاّ بخلقه للعبيد والغرباء، ومن خلال ذلك أسّس بشكل عنيف صامت حينا وصاخب أحيانا ثنائيّة إنسان عادي وإنسان من النّوع الجيّد”[15]. حتّى على مستوى النّماذج التّفسيريّة في صلب علم الإجتماع يمكن أن نستخلص بشكل تأليفي نوعين من التّقاليد: الأوّل ينطلق من مبدأ التّرابط الإجتماعي وعوامل الإندماج في المجتمع، والثّاني يركّز على الطّابع النّزاعي للبنيات الإجتماعيّة وعوامل مقاومتها للاندماج[16]. وبشكل عام فإنّ النّظريّة السّياسيّة التّي نعتمدها كمنطلق احتياطي للفهم والتّحليل بالإضافة إلى منطلقنا الأساسي (المقاربة السّوسيولوجيّة)، مرتبطة بالتّقليد الثّاني ومستوحاة من التّشاؤم الأنتروبولوجي[17] التي يفترض بشكل مسبق أنّ العلاقات الإجتماعيّة تحمل في أحشائها بذور الهيمنة والعنف، وأنّ أهميّة الدّولة تكمن في مواجهتها لمخاطر الانفجار الجماعي والتّهديدات الضّمنيّة المتأتّية من حالة الفوضى.

يعرّف توماس هوبز الحالة الطّبيعيّة بخضوعها لقوّة الحرب، غير أنّ الأنتروبولوجيا من خلال مساهمتها في الموضوع تعيد طرح نفس المسألة ولكن بشكل آخر: “إنّها تبحث في كيفيّة تكوّن المجتمع والحفاظ على حالته السّلميّة بالتّعامل مع العنف وهي لا تزال تواصل الاعتقاد بأنّ المقوّمات الرّمزيّة والدّين هي التي حصّنت الرّوابط الإجتماعيّة من المواجهات العنيفة باعتبار هذه العناصر الغيبيّة هي عناصر السّلم الإجتماعيّة تحت الرّعاية الإلهيّة”[18]. وهناك من ذهب إلى أنّ التّضحية هي الأداة الأولى التي مكّنت من اشتقاق العنف، ولكّنّها تضحية ملتزمة بالمفهوم الدّيني وإسقاطاته لأنّها بهذا الالتزام تدوم أكثر من غيرها وهذا ما يفسّر التّفاعل الحميمي بين المقدّس والسّلطة والقانون وهو الثّالوث المولّد للعنف انطلاقا من مادّته الأوّليّة التي هي البنية الإجتماعيّة.

إنّ النّظام والعنف مترابطان بشكل معقّد وداخل منطق التّناقض. فالنّظام لا يمكن أن يكون نتيجة للعبة التّعدّد والتّراتب التي تجمع بين عناصر مختلفة. وبسبب الاختلاف والتّعدّد يتكوّن المجتمع وثقافته في بنيات منظّمة تمكّن الأفراد من الانتساب إليها والوجود من خلالها وتكوين هويّاتهم وتحديد وضعهم الإجتماعي. لذلك فإنّ “كلّ أزمة حادّة تشمل النّظام الإجتماعي والثّقافي تبدو أوّلا وقبل كلّ شيء أزمة الاختلاف والتّعدّد. فالأفراد يوجدون ضمن علاقات غير ثابتة وعلاقات شكّ ومقاييس يلفّها الغموض، لذلك فإنّ إمكانيات إنتاج العنف تقوى ومراقبته تضعف ولا يمكن أن يدجّن إلاّ بإعادة خلق الاختلافات بعيدا عن النّظام وقواعده”[19].

منذ سنوات مثّلت هذه الأطروحة حافزا لظهور عدد مهمّ من الكتابات ذات الأسس النّظريّة والميدانيّة التي تتناول مشكلة العنف. إنّها في الغالب كتابات تضمن التّبعيّة المتبادلة بين التّخصّصات في مقاربتها ومتجاوزة للتّخصّصات في نتائجها. إنّها تؤلّف بين مفاهيم علم النّفس الإجتماعي ومحدّدات علم الجريمة، وتواجه معايير الحراك النّفسي بمعايير الحراك الإجتماعي كما تجابه خصائص الفعل السّياسي بخصائص الفعل الإجتماعي، إلى أن برزت مدرسة متعدّدة الاختصاصات ولكّنّها تتّفق على متن مشترك يعرف بنظريّة النّزاع. هذه النّظريّة تستوحي أسسها الفكريّة من ماركس وأنجلز وماكس فيبر وبارسونز.

في هذا السّياق من التّأصيل النّظري يمكن أن نسوق نظريّتين متميّزتين بقراءتهما السّببيّة للعنف[20]:

النّظريّة الأولى تعرف بنظريّة التّحوّلات الإجتماعيّة والقمع النّسقي لفيارباند و نيسفولد Feierbend-Nesvold. وقد انطلقت هذه النّظريّة من فرضيّة أنّ القمع النّسقي قابل للتّطبيق على كلّ تحليل للسّلوك الجماعي يمكن رصده داخل الأنساق الإجتماعيّة . فالقمع النّسقي يعرّف هنا بأنّه عبارة عن قمع جماعي يمكن إدراكه داخل مجتمع معيّن ويعرف بخاصّيّتين أساسيّتين:

  • الوصاية على مستوى تحقيق الأهداف والحفاظ عليها بصفتها جملة من القيم الإجتماعيّة.
  • الضّغط الذي يتولّد داخل بنيات ومسارات نسق اجتماعي.

بناء على ذلك يمكن أن نفترض أنّ القمع النّسقي يمثّل حافزا أساسيّا للسّلوك السّياسي العنيف / الحاد بقدر ما يمكن أن يساهم في إيجاد بعض خصائص التّغيّر الإجتماعي.

حتّى يتسنّى لنا تحليل هذا البناء الفرضي يمكن الانطلاق من بعض المسلّمات الميدانيّة: في كلّ الظّروف فإنّ القمع النّسقي يفرض وجوده الوظيفي في حالة الفجوة بين التّطلّعات والانتظارات الإجتماعيّة للّحظة الرّاهنة وبين ما يمكن أن يتحقّق اجتماعيا. كما أنّ التّوقّعات الآنيّة تحدّد مستوى القمع أو مدى تحقيق الإشباع. كما أنّ انعدام الثّقة في إمكانيّة تحقّق الإنتظارات الإجتماعيّة يضاعف الإحساس بالقمع النّسقي خاصّة إذا كانت تلك التّطلّعات والانتظارات ذات أسس نزاعيّة أي موضوع تعارض أو صراع بين الفاعلين الاجتماعيين ومحلّ تناقض بين الأطر والخلفيّات والمرجعيّات.

النّظريّة الثّانية من تأسيس سامويل هانتنغتون[21]، وتذهب إلى أنّ التّحديث يستفزّ العنف ويثيره في المجتمعات الإنتقاليّة. فهو يتمسّك بضرورة البحث عن أسباب العنف وعدم الاستقرار التي تعاني منها البلدان الجديدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاّتينيّة في مستوى  التّفاوت الموجود بين تطوّر المؤسّسات السّياسيّة القادرة على الاستمرار والدّوام ومسارات التّغيّر الإقتصادي والاجتماعي. وبقطع النّظر عن قبوله للمتن الإجتماعي ثلاثي المستويات كما تمّ تصوّره من طرف الوظيفيّين البنيويّين ( يعني المجتمع التّقليدي والمجتمع الانتقالي والمجتمع الحديث ) فإنّ هانتنغتون يضيف أنّ الأوّل والأخير أقلّ استبطانا للعنف وعدم الاستقرار السّياسي، في حين أنّ المجتمعات الانتقالية أكثر قدرة على احتوائها والخضوع لها. الانتفاضات الثّوريّة والانقلابات العسكريّة وحرب العصابات والتّمرّد كلّها خصائص المجتمع الانتقالي. وحتّى يتخلّص من أطروحة الفقر فإنّ هانتنغتون يعتبر أنّ الرّغبة في الإثراء والتّحديث هي التي تنتج العنف وعدم الاستقرار وليس البؤس والتّخلّف. كما يذكّر أنّه في البلدان السّائرة في طريق التّحديث يظهر العنف والتّململ والتّطرّف دوما في مستوى الطّبقات والشّرائح الإجتماعيّة التي تعيش واقعا ماديّا مريحا وليس في مستوى الطّبقات الفقيرة. وكأنّه هنا يلمّح إلى أنّ التّطوّر الإقتصادي مسألة ضروريّة لإحداث حالة من عدم الاستقرار.

بتفسيره لفرضيّة التّفاوت أو المفارقة يؤكّد هانتنغتون أنّ التّعبئة الإجتماعيّة هي عامل من عوامل عدم الثّبات الأهمّ من التّنمية الإقتصاديّة. التّحضّر والتّعليم والوسائط تعرّض الإنسان التّقليدي إلى أشكال جديدة للحياة وتصوّر جديد للرّفاه وإمكانيّات جديدة للإشباع. ومن جهتها فإنّ هذه القيم تقطع حواجز الثّقافة التّقليديّة فيما يتعلّق بالمعرفة والمواقف وتحمل التّطلّعات والحاجيات إلى مستويات جديدة. ولكن باعتبار أنّ الطّاقة التي يمتلكها المجتمع الانتقالي لإشباع تطلّعاته تتطوّر ببطء كبير فإنّ المفارقة تنمو بين التّطلّعات والانتظارات وبين تكوين الحاجيات وإمكانيّة إشباعها، وكذلك بين وظيفة التّطلّعات ومستوى الحياة. هذه المفارقة تستدعي الإحساس القمع وعدم الإشباع على المستوى الإجتماعي وهو واقع يمكن توظيفه لتفعيل الاعتراض العمومي على النّظام واستثماره من أجل الرّفع من نسق التّعبئة والمشاركة السّياسيّة من أجل تحقيق الأهداف المرسومة. وفي ظلّ غياب المؤسّسات السّياسيّة المؤهّلة والمتخصّصة يصبح من الصّعب، إن لم يكن مستحيلا، التّعبير عن هذه الأهداف بالطّرق المشروعة وتعديلها وتجميعها داخل النّسق السّياسي. هكذا فإنّ تكثيف المشاركة في الحياة السّياسيّة يؤدّي إلى عدم الاستقرار والعنف السّياسي ولكنّه في صيغة عنف مضاد للعنف الذي يمارسه النّسق في نطاق وظيفة الإقصاء التي تنبع من الكلّيانيّة السّياسيّة للأنظمة القائمة[22]. ولذلك تبرز تبريرات العنف السّياسي من صلب الهيمنة الكلّيانيّة التي يتّسم بها النّسق السّياسي ويؤدّي إلى ممارسة الإقصاء بشكل مسبق وهو ما يمكن أن نسمّيه بكلّيانيّة الإقصاء النّسقي المهيّأة لإعادة إنتاج القمع النّسقي على مستوى الكلّيّة السّياسيّة، وهذا ما سنحاول تنزيله لاحقا ضمن الأنساق السّياسيّة المنتجة للعنف.

ثانيا: التّفسير الإقتصادي للعنف

قد يتطوّر العنف ويأخذ أحيانا أشكالا غير منتظرة. إنّه يهمّ البلدان النّامية والبلدان المتطوّرة على حدّ سواء. في بعض البلدان يكون العنف فرديّا موجّها ضدّ مجموعات مستهدفة تسعى إلى تصعيد العنف ذاته وتضخّم الخطاب حوله ، وفي البعض الآخر ( أي البلدان التي تعنينا هنا وهي البلدان النّامية ) يضاف إلى هذا العنف الفردي المتزايد عنفا جماعيّا وعنف الدّولة والحروب الأهليّة والقتل الجماعي والرّعب.

متابعة لنوربرت إلياص[23] يمكن أن نفهم أنّه مع تصاعد الرّأسماليّة واحتكار الدّولة للعنف تصاعد الضّغط الذّاتي الجسدي للأفراد وانخفض العنف الجماعي. من هذا المنطلق يمكن أن نفهم أنّ الاقتصاديات نصف المصنّعة مثل البرازيل والمكسيك – بفعل مستوى تطوّرها ووجود دولة قويّة- ستعرف تراجعا في مستوى العنف ولكن العكس هو الموجود على المستوى الواقعي. فهنا حيث  أنّ الدّول الحديثة تعاني من صعوبات على مستوى شروط التّنمية، وحيث تسود شبه الدّولة بدل الدّولة فإنّ تحليل نوربرت إلياص يبدو مطابقا لهذا الواقع: العنف يتصاعد رغم أنّه من احتكار الدّولة والضّغوط الذّاتيّة تتضاعف.

هذا يشير إلى أنّ تحليل إلياص ليس صحيحا بالنّسبة إلى الاقتصاديات الأكثر تطوّرا وخاصّة الاقتصاديات نصف المصنّعة ولكنّ تحليله صحيحا بالنّسبة إلى الاقتصاديات الأقلّ تطوّرا أين تدور اليوم الحروب الأهليّة لأنّها نوع من العنف الجماعي الذي يتجاوز الضّغوط الفرديّة. و حتّى لا نكتفي بالتّوقّف عند بعض الخصوصيّات فإنّ الضّرورة تستدعي التطرّق إلى أهمّ العوامل المتدخّلة في تأجيج العنف وتصعيده[24]:

  • العوامل الثّقافيّة والحضاريّة تلعب دورا حاسما في تصاعد العنف، وهنا يتدخّل العامل الدّيني والعرقي، وفي نطاق ذلك فإنّ الأزمات تصبح عوامل تعزيز وتقوية لمقوّمات ومظاهر الهويّة الإثنيّة والدّينيّة.
  • العوامل السّياسيّة مهمّة سواء فيما تعلّق بإفلاس السّلطة الموجودة أو اضمحلال شرعيّتها أو تضاؤل الوفاق الإجتماعي.
  • تصاعد العامل العسكري من خلال مضاعفة الإمكانيّات العسكريّة.
  • تضاعف العوامل الجيوسياسيّة خاصّة منذ نهاية الحرب الباردة.
  • التّفكّك المؤسّساتي وإفلاس المنظّمات ذات الأدوار التّعديليّة وتراجع الفاعلين الجماعيّين وانحلال النّخب وتراجع الأدوار الإجتماعيّة والسّياسيّة أمام هيمنة الأداء الإقتصادي.
  • تضاعف التّمثّلات المسبّبة للضّغط نتيجة الأزمة الإقتصاديّة التي أتت على كلّ فعاليّات الحياة اليوميّة.

في قراءة تأليفيّة لمجمل هذه العوامل يمكن الإقرار بأنّ العنف يتصاعد عندما يكون ثمّة خلل في نسق القرار ممّا يحوّل نسق الفعل إلى مخاطرة في سياق غير ثابت وغير مضمون، على غرار بعض السّياسيّين الذين يعتبرون أنّ الحروب مكّنت من بناء الدّولة الوطنيّة على أساس أنّ الدّولة تصنع الحرب والحرب تصنع الدّولة، فالحرب تعيد صياغة الخريطة الجيوسياسيّة[25].

“بين 1970 و 2002 كانت إفريقيا مسرحا لخمسة وثلاثين حربا أغلبها نزاعات داخليّة، وخلال سنة 2003 كان 20 بالمائة من سكّان إفريقيا يعانون من الحرب داخل 15 دولة في القارّة. وقد تمّ تقدير عدد اللاّجئين بحوالي 8 ملايين وتمّ إحصاء 10 ملايين مرتحل داخل بلده دون استقرار من جرّاء الصّراعات”[26].

هناك سؤالان يثيران الاهتمام العلمي ويحفّزان على مزيد البحث في قضيّة العنف باعتبارها قضيّة متأصّلة في المجتمع ولكنّ خلفيّاتها أكثر من كونها اجتماعيّة فحسب:

  • السّؤال الأوّل يهمّ الأشكال الجديدة للعنف، فالنّزاعات الدّاخليّة تختلف عن نظيرتها الخارجيّة لأنّها قد تنتهي بلا نتيجة من حيث قد لا نجد منتصرا أو منهزما. كما أنّ هذا الشّكل من الحروب الدّاخليّة متمفصلة مع شبكات إقليميّة ودوليّة تمثّل جزءا من المنظومة الإقتصاديّة العالميّة وآليّات عولمتها، وهي مسألة تختلف عن النّزاعات التي كانت سائدة خلال فترة الحرب الباردة حين كانت هذه النّزاعات محكومة بخلفيّات إيديولوجيّة متعارضة.
  • السّؤال الثّاني يتعلّق بمبدأ التّعبئة المفاهيميّة المنحدرة من التّحليل الإقتصادي كمنطلق لفهم هذه النّزاعات الجديدة، فدراسة العنف الجماعي هو ميدان جديد بالنّسبة إلى حقل علمي اعتاد على التّعامل مع مجالات بحث أخرى ومن جنس مختلف مثل السّوق والإنتاج والتّوزيع والرّبح …لذلك فإنّ المقاربة الإقتصاديّة لا تملك الشّرعيّة الكافية والمسبقة لفهم ظاهرة العنف مقارنة مع اختصاصات أخرى مثل علم السّياسة والأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع. إلاّ أنّ التّفسير الاقتصادي يستمدّ تبريره من أنّ طبيعة النّزاعات الجديدة تندرج ضمن اقتصاد عالمي إجرامي يجعل من التّحليل المتمحور حول الدّولة أمرا منتهيا ويفرض التّعامل مع الموارد الإقتصاديّة لا فقط بوصفها موارد تمويل للنّزاعات المسلّحة ولكن أيضا باعتبارها عنصر من عناصر تحفيزها وتدعيمها[27].

إنّ النّقاش السّائد حول الأشكال الجديدة للعنف السّياسي أو الاجتماعي يتلخّص دوما في المواجهة بين الأطروحة المنتصرة لقراءة العنف كنمط من المراكمة الاقتصادية بالنّسبة إلى أطراف المعركة، والأطروحة التي تقرأ العنف في علاقة بما يدور حول رهانات السّلطة. إنّه المظهر السّياسي والاجتماعي الذي يحجب  المظهر الاقتصادي لأنشطة المشاركين في هذا النّوع من العنف بدءا بالأسباب حتّى النّتائج[28]. “فمن الممكن أن نميّز داخل كلّ مجتمع بين نوعين أساسيّين من العنف الجماعي: العنف الذي يتمظهر داخل الفضاء الثّقافي، والعنف الذي يأخذ شكل الصّراع من أجل السّلطة. وهما يولّدان  مواجهات علنيّة أو خفيّة بين الجماعات والبنيات وكذلك المؤسّسات. هذه المواجهات يمكن أن تعكس تغاير المصالح ولكنّها تخفي باستمرار قضيّة أساسيّة وهي قضيّة التّنافس بين الجماعات المتصارعة حول الهيمنة أو الإرادة التي تبديها جماعة ما لمقاومة ظاهرة الهيمنة والسّيطرة من أجل الحفاظ على استقلاليّتها وحرّيتها”[29]. ولكن لا يمكن القول بأنّ الهيمنة قد تكون مستديمة إذا لم تعتمد على أسس ماديّة، ونفس المبدأ ينطبق على الاستقلال أيضا فإنّه لا يستمرّ إذا لم يقم على أسس مادّيّة. ولذلك فعندما يتمّ تفكيك أنماط الإنتاج المحلّيّة التي تمثّل قاعدة وأساسا لكلّ ثقافة يؤدّي بالضّرورة إلى تغيّر السّلوك والعادات والأفكار، وعندما يفرض التّطوّر الإقتصادي على أنماط الإنتاج ذاتها تغيّرات مستمرّة مولّدة لتغاير المصالح والنّزاعات من أجلها مثلما هو الحال اليوم، فإنّه لا يمكن استثناء النّزاعات الثّقافيّة المولّدة للعنف الجماعي[30]. والصّراع من أجل السّلطة يدور أيضا داخل المجال الثّقافي والإيديولوجي، ولكن هذه المواجهة الثّقافيّة ليست سوى مظهرا من مظاهر نزاع أوسع تمثّل السّيطرة الإقتصاديّة والسّياسيّة رهانه الأكبر بقدر ما هو سيطرة على البشر والموارد. فالصّراع من أجل السّلطة يضع موضع الرّهان منظّمات ومؤسّسات سياسيّة متنافسة تتوزّع بين معسكر الحكومة ومعسكر المعارضة ، وقد تنشط هذه التّكوينات إيديولوجيّا بشكل يعبّر عن الصّراع الإيديولوجي ولكن الاختلافات الفكريّة ليست هي السّبب الأساسي في المواجهة بل إنّ المصالح الماديّة هي المتحكّم في هذه الرّهانات والاختلافات.

في علاقة بتطوّر أنماط الإنتاج وتغيّر البنيات الإقتصاديّة، هل يمكن للتّحديث الإقتصادي أن يتجاوز فعاليّاته المنتجة للعنف ويحوّلها إلى آليّات إجماع بدل نزاع ؟

يبدو أنّ تأثير الحداثة على العنف الجماعي يثير مسألة معقّدة. من ناحية نؤكّد دوما أنّ رقيّ ونموّ العقلانيّة الإقتصاديّة المرتبطة بالحداثة كان لها الدّور في تقليص العنف الإجتماعي والسّياسي باعتبار أنّ التّعبئة ستصبح مرتبطة بالنّمو الإقتصادي أكثر منها بالنّزاعات الإجتماعيّة. ولكن من ناحية أخرى فإنّ التّحديث أفرز العنف بطريقتين على الأقلّ[31]: أوّلا باعتبار أنّ التّحديث يعتمد كلّيّة على كونيّة التّقانة/ التّقنية الغربيّة فإنّه يدخل في نزاع مع أسس الثّقافة المحلّيّة، وثانيا باعتبار التّحديث عامل تفاوت وتمييز فهو يفرز بالضّرورة العنف عن طريق حالة اللاّتمفصل التي يخلقها بين التّطوّر الإقتصادي  والاجتماعي  وبين وضع المؤسّسات السّياسيّة. فعندما لا تكون الأخيرة مهيّأة للتّوافق مع علاقات السّلطة المنخرطة في الواقع الإجتماعي والاقتصادي الجديد، فإنّ العنف الجماعي يتدخّل لتغيير المؤسّسات بالقوّة وهذا ما يمكن أن نطلق عليه بالدّور التّعديلي للعنف.

يؤدّي النّموّ الإقتصادي السّريع واللاّمتكافي إلى تفكّك المجتمع بشكل يخضع السّلطة السّياسيّة إلى ضغط متصاعد ويجعل شرعيّتها محلّ شكّ. فالعديد من النّظريّات تتّجه إلى اعتبار أنّ الثّورات هي بشكل مباشر نتيجة التّفاوت الإقتصادي الذي يدفع الجماعات غير المحظوظة إلى الثّورة على النّظام القائم. إنّه من الممكن أن يكون الأمر أكثر دقّة إذا أقحمنا نمط التّأسيس السّياسي كعامل تفسير. فعندما تكون المؤسّسات السّياسيّة صلبة ومعدومة الصّلوحيّة فإنّ الضّغط السّياسي المدعوم بفعاليّات وآثار التّحديث يمكن أن يأخذ منحى العنف والعنف المضاد الجماعيّين.

“يبدو أنّ موجة العنف التي تعرفها الآن عدّة بلدان من العالم الثّالث تعود إمّا إلى الطّلاق بين التّصوّر السّوسيو-إقتصادي والسّلطة السّياسيّة وإمّا إلى تقسيم السّلطة”[32]  بشكل غير عادل وفق مقاربة كلّيانية تضمن الاحتكار المطلق للنّفوذ المالي والسّياسي من طرف فئة ضيّقة على حساب أغلب فئات المجتمع. وبهذا يمكن أن نفهم من التّقسيم معنى الجمع بين كلّ مقدّرات السّلطة بشكل  احتكاريّ وإقصائيّ. ففي حالة تونس مثلا فإنّ الإمكانيّة الأولى غير واردة باعتبار أنّ الطّبقة المتحكّمة في النّمو الإقتصادي والمحتكرة لثماره والمشرفة على تعميق الفوارق الطّبقيّة هي المتحكّمة في السّلطة وفق عقد تحالف يجمع بين آليّات امتلاك الثّروة على طريقة أدام سميث والتّحكّم في السّلطة السّياسيّة والتّفرّد بها على طريقة توماس هوبز. وبالتّالي فإنّ وضعيّة التّقسيم غير العادل للسّلطة هي السّائدة في الواقع دون أن تكون قادرة على توليد العنف لأنّ الطّبقة الحاكمة المالكة للسّلطة والثّروة والمحتكرة لهما تعالج المسألة بمبدأ العنف الوقائي الصّامت عن طريق قوانين نسمّيها قوانين الإجهاض المسلّطة على كلّ فعل جماعي فيتمّ إلغاؤه كلّيّا وهو في مرحلة التّكوّن الجنيني باسم السّلم الإجتماعيّة والسّياسة الوفاقيّة التي تؤمّن أطروحة السّلم الدّائم وفق الرّؤية الكانطيّة. ومن داخل آليّات إلغاء الفعل الجماعي يتمّ إجهاض العنف الجماعي أو قتله في المهد، فإذا ظهر فأنّه يظهر في شكل حالات معزولة تفتقر إلى العمق الجماهيري الفاعل على مستوى السّلطة أو الثّروة أو المؤسّسة. وتبعا للبنية القانونيّة المشار إليها والتي تمثّل مستندا تشريعيّا كافيا للتّعبير عن ظاهرة العنف الوقائي يتمّ التّعامل مع مظاهر العنف الجماعيّة المعزولة أو المجهضة تعاملا تجريميّا لممارسيه. وهذا يعني أنّ العنف السّائد في مثل هذه الأنظمة ليس العنف بل العنف المضاد أو العنف الإستباقي على خلفيّة ماكيافيليّة تجعل من السّياسة هي الفضاء المناسب لكي يمارس الأمير حيلته على الجميع.

حينئذ لا يكفي تفكيك السّلطة لتحقيق عمليّة استفاقة، كما قالت حنّا أرندت، فنحن نعرف العديد من الأنظمة العاجزة تماما ولكنّها متواجدة باستمرار لزمن طويل وذلك إمّا لأنّه لم يوجد شخص ليقيم الدّليل على عجزها، وإمّا لأنّها محظوظة في عدم تعرّضها للحرب والفشل[33].

إنّ حالات العنف الجماعي لها أسبابها. تتمثّل هذه الأسباب من ناحية أولى في الضّغط والتّناقضات الدّاخليّة، ومن ناحية أخرى في الضّغط الذي تمارسه القوى السّياسيّة والاقتصادية الخارجيّة. وقد أثبتت الأحداث ذلك بالنّسبة إلى كلّ ما يتعلّق بثورات الأزمنة الحديثة أو الوقائع السّياسيّة العنيفة. هذه المرجعيّة المضاعفة تظهر مثلا في حالة تعبئة الجماهير ضدّ السّياسة المتّبعة في أغلب بلدان العالم الثّالث التي تعاني من المديونيّة. حكومات هذه البلدان كانت ولا تزال دوما تحت ضغط المؤسّسات الماليّة والاقتصاديّة العالميّة من أجل تخفيض النّفقات العموميّة بشكل واضح والحدّ من الواردات وتجميد الأجور من أجل كسب ثقة الأوساط الماليّة العالميّة، الشّيء الذي حوّل هذه المعطيات إلى عوامل حشد قادرة على استفزاز الانتفاضات العفويّة لمواجهة سياسة التّجويع مثلما حدث سابقا ويحدث الآن في بلدان عربيّة مثل تونس ومصر والمغرب الأقصى. ويمكن لهذه المعطيات أن تدفع بعض جماعات الضّغط الإقتصادي إلى تبنّي المعارضة السّياسيّة والمرور من مرحلة الدّفاع عن المصالح الماديّة إلى المراهنة على السّلطة السّياسيّة.

كثيرا ما تردّدت الفكرة التي تعتبر أنّ الحركة والتّغيير والثّورة والعنف تمثّل جميعها عناصر تكوينيّة للسّياسة، أو بمعنى أوضح كثيرا ما اعتمدت هذه الفكرة لتفسير الحداثة التي تدرك بفعلها كلّ مؤسّسة جديدة أنّها نتاج ثورة وبالتّالي نتاج تاريخ متداول ولكن من أجل حسن الاستقرار في الفكرة التي تمثّل نهاية التّاريخ، لهذا أعلن مشال فوكو أنّه يجب إعادة إنتاج العنف دون انقطاع “لأنّه إذا كان صحيحا أنّه في صلب علاقات السّلطة هناك نوع من عدم الامتثال كشرط قار لوجودها فليس ثمّة علاقات سلطة خالية من المقاومة والهروب…كلّ علاقات سلطة تدرج بالضّرورة، على الأقلّ بشكل افتراضي، استراتيجيّة صراع. هذه الإستراتيجيّة حتّى وإن لم تتوصّل إلى فرضها فإنّها لا تفقد خصوصيّتها لأنّها تمثّل نوعا من الحدود القارّة”[34]. لأجل ذلك فإنّ العنف لا يمثّل حالة طّبيعيّة ولا حالة مرضيّة لأنّ الكائنات البشريّة ليست عنيفة في ذاتها ولكنّ الوضعيّات الإجتماعيّة والسّياسيّة هي التي تجعلها كذلك. وهذه الوضعيّات بقدر ما هي واقعيّة فإنّها تفرض إعادة قراءة الفضاء العمومي، “فهو مرآة للمصاعب السّياسيّة والإجتماعيّة لأنّه منمّط ومحيّن على العنف والمعاناة التي تثير وضعيّات ملحّة تعبّر عن الخلل وفقدان المعايير والانحلال التّدريجي للرّوابط الإجتماعيّة، حينها تتدخّل السّياسة. لأنّ السّياسة لا تبدأ إلاّ عندما تتوفّر شروط الالتقاء بالعنف وصناعته وعندما تتأكّد صعوبة تحمّل ما يحدث وعندما تكون حالة المطابقة تامّة بين ضرورة استعمال العنف وبين صناعته سياسيّا”[35].

يجوز أن نشير مبدئيّا إلى أنّ التّفاوت المتأصّل في التّحديث يمكن أن يولّد الإستلاب مثلما يولّد المقاومة والاحتجاج والتّظاهر والانتفاض والثّورة وفي هذا السّياق فإنّ ردود الفعل الثّقافيّة على الآثار السّلبيّة للتّحديث ليس لها نفس الأسباب التي تخصّ ردود الفعل السّياسيّة.”فالمقاومة الثّقافيّة هي نتيجة القطيعة التي تحصل بين النّظام السّوسيو- إقتصادي القديم ونظيره الجديد، في حين أنّ الاعتراض السّياسي يندرج ضمن مسار التّحديث في حدّ ذاته بل هو من العناصر التّكوينيّة للحداثة السّياسيّة. والأكيد أنّ هذا الاحتجاج السّياسي لا يكون ممكنا دون تعبئة اجتماعية محدّدة بالتّطوّر الإقتصادي وولادة قيم مرتبطة به”[36].

ثالثا: الأنساق السّياسيّة المنتجة للعنف

يمكن أن نتعامل مع الكلّيانيّة على خلفية أنّها أداء سياسي للهيمنة الإيديولوجية للدّولة وهي تتكامل مع أداء تكميلي أوّل هو التّحكّم والإدارة والتّسيير، وأداء تكميلي ثان هو العنف باستخدام أدوات القوّة والسّيطرة، لأنّ الكلّيانيّة بوجهيها المشار إليهما تعتبر آلية من آليات صناعة الشرعيّة في رؤية ماكيافيلية لعلاقة الدّولة بالمجتمع بقدر ما تمثّل أنجع آلية تستعمل لإلغاء الحرّيّة إلغاء تامّا[37]. غير أنّه من الضّروري أن نميّز بين نمطين من الكلّيانيّة:

الكلّيانيّة الصّلبة التي تعتبر العنف دفاعا عن الحياة إلى الحدّ الذي لا تعترف فيه بالقتل لأنّها لا تقتل بل تكتفي بالإخفاء أو الإلغاء الأبدي. ويمكن أن نلحق بهذا المستوى الأوّل من الفاشيّة مستوى ثان وهو المتمثّل في عمليّة إخفاء الإخفاء أي محو آثار الإلغاء الذي يحلّ في المعنى محلّ القتل.

أمّا الكلّيانيّة المرنة فهي التي تدير العنف بأسلوب مزدوج: فهي تحجب عنفها الخاص وتنأى عن العنف المارق أو على الأقلّ تحيّده أو تتفاداه[38]. ربّما يتماشى هذا أكثر مع “الدّولة الوطنيّة الصّناعيّة، التي أدّى تأسيسها إلى احتكار نسقي للعنف وإخراجه في صيغة قانونيّة”[39].

بعيدا عن التفكيك البنيوي الانتقائي تبقى كل تلك الوحدات قادرة على اختزال الخصائص الكليّة للمجتمع ويبقي المجتمع هو الموضوع المركزي للعنف السّياسي لأنّه من زاوية القراءة الوقائعيّة يعدّ العنف إحدى الآليات التي توظّفها المؤسّسة السّياسيّة للتّحكم في المجتمع[40]. لذلك فإنّ الفرضيّة الأساسية المطابقة لهذا المستوى من المساهمة هي أنّ العنف يجعل من الحقل النّقيض سببا وموضوعا له في الوقت ذاته، أي أنّه يشتغل داخل الحقل الذي يجمع الحرّية والسّلم والعدالة، ويستهدفه في ذاته ويجعل منه فريسته.

1- ما هي المعاني والدلالات الممكنة للعنف السّياسي ؟

2- أين يمكن أن يتأصّل العنف السّياسي نظريّا وإيديولوجيا، وما هي أسسه الفكرية وأصوله الفلسفية ؟

مهما كانت طبيعة السّؤال حول أصل العنف فإنّه سؤال يثير مشكلة الطّبيعة البشريّة (الحب والكراهيّة) مثلما يثير وضعيّة المؤسّسة الإجتماعيّة (الضّغط والإكراه). هذا ما يدعونا إلى التّمييز بين السّلطة باعتبارها استعمالا للقوّة بالاعتماد على القانون وبين العنف باعتباره تعسّفا في استعمال القوّة. وإذا لم يكن بالإمكان التّمييز بينهما فهذا يعني أنّ كلّ عنف يصبح شرعيّا وعندها يخرج من الحالة السّياسيّة، من ذلك أنّه إذا كانت ممارسة سلطة الدّولة تختزل في مجرّد مظهر من العنف اللاّشرعي وغير المبرّر مهما كان طابعه ونوعه، عندها يصبح كلّ عنف موجّه ضدّها شرعيّا. وفي المقابل فإنّه إذا تمّ استعمال العنف الفوضوي والعشوائي ضدّ الدّولة فإنّ استعمال كلّ وسائل الضّغط والإكراه التي تملكها لقمعه يكون أمرا مبرّرا[41].

 -1 كلّيانيّة العنف السّياسي : دلالاتها وأبعادها

إنّنا نضع أيدينا على مظهر من العنف نسمّيه العنف السّياسي. الذي لا يمكن أن يخرج عن علاقة التّرابط البديهيّة التي تجمع بين السّياسة والسّلطة والعنف. هذا ما أكّده رايت ميلز عندما صرّح بأنّ “كلّ سياسة هي صراع من أجل السّلطة، والشّكل الأقصى للسّلطة هو العنف”[42]، وهذا ما تعنيه مأثورة ماوتسي تونغ كثيرة التّردّد والتي تقول بأنّ “السّلطة السّياسيّة تخرج من فوهة المسدّس”. ولعلّ هذا القول هو ترجمة أخرى لما يراه كارل ماركس من أنّ الدّولة هي أداة قمع بأيدي الطّبقة الحاكمة، وهو رأي يدعّمه ماكس فيبر الذي يرى بأنّ العنف هو أداة خاصّة بالدّولة التي تملك حقّ احتكاره واستعماله بشكل حصري لأنّه مفهوم أساسي في صلب النّظريّة السّياسيّة كما أنّه لا يمكن الحفاظ على السّلطة السّياسيّة إلاّ باستعمال العنف المادّي[43]. هذا التّعريف يفيد أنّ الحياة في الدّولة تفترض ممارسة الهيمنة اللاّزمة لتنظيم الحياة الجماعيّة، ولكن لا يجب على تلك الهيمنة أن تتحوّل إلى خطر على تلك الحياة، لأنّ غايتها وسبب وجودها أصلا هو الحفاظ عليها. هكذا فإنّ “ماكس فيبر يعطي هذه المسألة طابعا سوسيولوجيّا من حيث أنّه يجمع بين المعاني التي يوحي بها الإكراه والعنف المادّي والمعاني التي يوحي بها مفهوم الشّرعيّة: إنّ خاصّية ممارسة الهيمنة من طرف الدّولة تتحدّد بالحكم الذي يطلقه أولئك الذين تطبّق لأجلهم وليس بما تعكسه طبيعة الهيمنة أو جوهرها”[44]. مع كلّ هذه المبرّرات فإنّه من الضّروري التّمييز بين العنف كما تستخدمه الدّولة أو كما يستخدمه أعوانها (الشّرطة، الجيش، الإدارة، البيروقراطيّة) والذي يمكن أن نسمّيه في  كلّ الحالات عنفا مؤسّساتيا وبين العنف الجماهيري والطّبقي فإنّه من الممكن أن نقترح شكلا تصنيفيّا يفرز ثلاثة أنواع من العنف[45]:

  1. الفوضى التي يجسّدها العنف غير المنظّم والمنتسب إلى العفويّة الجماهيريّة في ردود الفعل والمشاركة غير المؤطّرة، و تتمظهر خلال الإضرابات السّياسيّة العنيفة والمظاهرات والنّزاعات السّياسيّة الحادّة والاحتجاجات الجماعيّة.
  2. المؤامرة والتّواطؤ المجسّد في العنف السّياسي محكم التّنظيم ويتميّز بمحدوديّة المشاركة باعتبار دقّة العمليّة وفئويّتها لأنّها عادة ما تعبّر عنها عمليّات مثل القتل والاغتيال وقلب النّظام. يمكن أن نجد أهم نماذجها في عمليّات الإطاحة بقيادة سياسيّة دون إلحاق الضّرر بالدّولة ومؤسّساتها.
  3. الحرب الدّاخليّة المجسّدة أيضا في شكل آخر من العنف السّياسي محكم التّنظيم مع ضمان المشاركة على أوسع نطاق وتهدف إلى قلب النّظام أو تفكيك الدّولة وهو ما يستدعي عنفا معمّما على أوسع نطاق ويمكن أن يشتمل بشكل متزامن على الإرهاب وحرب العصابات والمقاومة والثّورة وغيرها من أنواع العنف الجماعي. حالة العراق منذ دخول الاحتلال الأمريكي تعبّر أبلغ تعبير عن ذلك.

أمّا إذا أردنا أن نتفحّص المقاربات الإجرائيّة والتّنفيذيّة والميدانيّة المتداولة والأكثر تكرارا للعنف، أي مختلف ميادين وأوجه العنف بشكل عام، سواء كان عنفا مؤسّساتيّا أو دونه، فيمكن أن نقترح المجالات التّالية[46]:

  • العنف الكلاسيكي أو المباشر، الذي يستهدف حياة المعنيّين بالتّعنيف.
  • التّفقير الفيزيولوجي والبيئي والاجتماعي الذي يتسبّب في عدم القدرة على تلبية الحاجيات المادّيّة الأساسيّة.
  • القمع على مستوى الحرّيات والحق في المشارك السّياسيّة والعدالة والشّغل، وهذا المجال من العنف يمسّ مباشرة بالمبادئ العامّة لحقوق الإنسان.
  • الإستلاب على مستوى العلاقة التي تجمع الفرد بالمجتمع وبنفسه وبالطّبيعة وهذا ما يؤدّي إلى العجز عن تحقيق أيّ نوع من الحاجيّات الأرقى أو حتّى التّطلّع إليها.

إنّ أهمّيّة التّعامل مع هذا التّصنيف تتمثّل في كونها لا تهدف إلى تحديد المظاهر المباشرة والقانونيّة للعنف ولكن لأنّها تركّز على دراسة الأسباب الأساسيّة والمستديمة والضّمنيّة المستبطنة للعنف وغير قابلة للتّحكّم فيها. فعلى مجمل الأربعة أنماط المشار إليها يمكن اعتبار ثلاثة منها فقط مطابقة لخاصّيات العنف البنيوي لأنّها مشروطة بالبنيات المكوّنة للنّسق والمتحكّمة فيه (وهي التّفقير والقمع والاستلاب). أمّا العنف الكلاسيكي المباشر فهو انعكاس للعنف البنيوي. هذا الانعكاس الذي يتجسّد على أرض الواقع في ثلاثة أصناف من العنف المباشر[47]:

  • العنف العمودي المباشر الموجّه إلى القمّة مثل العنف الثّوري والكفاح من أجل التّحرّر، وبعبارة أخرى هو العنف المضاد المباشر.
  • العنف العمودي المباشر الموجّه إلى القاعدة وهو العنف المضاد للثّورة والموجّه للقمع وإخماد عمليّات المقاومة التّحرّريّة. إنّه بشكل مضاعف عنف مضاد معاكس ومباشر.
  • العنف الأفقي الذي لا ينتج داخل بنية عموديّة بل ينتج عن الفعاليّات التي تحكم العلاقات الإجتماعيّة بين الأفراد المنتسبين إلى نفس البيئة أو الشّرائح المنتسبة إلى نفس الطّبقات أو العناصر المكوّنة لنفس البنية الإجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة.

انطلاقا من هذا التّصنيف فإنّ العنف يفيد في بعض معانيه مصادرة الحرّية والسّيطرة على المعلومة ومراقبة الممارسة وتطويق الحراك الاجتماعي. و هو ما يعني أنّه يمارس لأجل جهاز الدولة، ومن أغراضه ضمان التّحكم في المجتمع. فهو يتجاوز مفهوم غرا مشي للهيمنة الإيديولوجية ويتّجه نحو الانتساب إلي مقومات السيطرة، “فقد علّمنا انطونيو غرا مشي أنّ الدولة كي تعيد إنتاج وجودها وتضمن استمرارها وتجدد طرق سيطرتها على الجماهير تلجأ إلي وسيلتين :القمع والإقناع”[48] ، وهما من الأسس الضرورية لاكتمال مظاهر التّحكّم بالمعنى الذي يحيلنا على استخدام القوّة من أجل تأمين السّيادة والقيادة. لأنّ الرؤية الثاقبة لصانعي أدوات وأساليب العنف توجّههم إلى تحقيق شكل من أشكال التوغّل في المجتمع ومراقبته من الدّاخل والتّحكم فيه بالاستناد إلي بنية تشريعية وقانونييه غالبا ما تكون ترجمة للتّصوّرات الإيديولوجية للسّلطة. ويمكن تأكيد ذلك من خلال قراءة موجزة للبنية التّشريعيّة في تونس حيث يتضح أن السّيطرة تتأسّس قانونيا بناء على الأحكام التشريعية الضامنة للحرّية. لأنّ الأحكام القانونية كثيرا ما تكون مشبعة بالاستثناءات أو الشروط، وعلى أساس هذه الاستثناءات يتحول الأساس القانوني إلي مسألة ثانويّة ويصبح الاستثناء مسألة جوهريّة، ولعلّ ما يؤكّد ذلك أنّ الأحكام الدستوريّة الضّامنة للحريّات العامّة والفرديّة والسّياسيّة هي المؤمّنة لمبادئ القمع لأنّها جميعها مشروطة بقيود إجرائية وتنظيميّه من شأنها أن تضمن للسّلطة السّياسيّة المحتكرة التدخل في أي نشاط فكري أو تنظيمي أو إبداعي أو إلغاؤه أو حصره[49].

خلاصة الفكرة أنّ ما نسمّيه اليوم عنفا قد تعمّق تحت ثلاثة ملامح أو مظاهر أساسيّة:

– الجانب السّيكولوجي الذي يعني أنّه انفجار القوّة الكامنة في الإنسان بشكل غير معهود لتأخذ بعدا لا معقولا ومؤثّرا في من يتقبّله إلى حدّ الأذيّة أو القتل.

– الجانب الذّهني الذي يترجم العنف بصفته حالة من التّمثّل والاستبطان المطلق للرّغبة في الانتقام من حاجيّات أو حرّيات الآخرين.

– الجانب السّياسي الذي يعني استعمال القوّة من أجل الحصول على السّلطة أو الحفاظ عليها أو تحويلها إلى هدف محظور على الآخرين.

إنّ المعنى الثّالث هو الذي سيطر على القرن العشرين ويسيطر على واقع الحال وهو يتحكّم في مستقبل الإنسانيّة برمّته على اعتبار ما يبيّنه تعريف العنف من خلال معجم الفلسفة لـ” لالاند”، حيث يرى أنّ “العنف هو استعمال غير شرعي أو على الأقلّ غير مشروع للقوّة “. إلاّ أنّ هذا قد يضعنا أمام مأزق يثيره مفهوم الشّرعيّة إذا ما انتقل من حظيرة المجتمع إلى حظيرة الدّولة، إذ لو سلّمنا أنّ هذه الأخيرة هي الجهاز الذي يملك شرعيّة احتكار واستعمال القوّة فإنّ ذلك كفيل بتبرئة ساحتها وإخراجها من دائرة الاتّهام باستعمال العنف في حالة ممارسة القمع ضدّ المجتمع من طرف السّلطات المسيّرة لأجهزة ومؤسّسات الدّولة. لذلك فإنّ “السّلطة تستوجب الطّاعة دوما وكثيرا ما نعتبرها شكلا من أشكال القوّة أو العنف، رغم أنّ السّلطة تقصي استعمال الوسائل الخارجيّة للسّيطرة، فمتى تمّ استعمال القوّة فإنّ السّلطة المحض تكون قد فشلت”[50].

لا شكّ وأنّ تطوّر الفكر الدّيمقراطي هو الذي ساهم في توليد مفهوم العنف بمعناه السّياسي الحديث وأعطاه معنى سيّئا وسلبيّا. “فمنذ اللّحظة التي أصبح فيها الفرد يتمتّع بصفة ومكانة المواطن ومنذ الاعتراف له بحقوقه السياسيّة والعامّة والفرديّة، فإنّ العنف لم يعد متداخلا مع القوّة لأنّه لم يعد يعني الضّرورة الماديّة أو السّياسيّة الملزمة للدّولة والمجتمع بل أصبح ظاهرة لها علاقة بإلغاء مبدأ الحرّيّة وبالتّالي من الواجب مقاومتها. لأنّ الوعي بالعنف قد يجعلنا ندرك أنّ أهداف السّياسة أحيانا قد تتجاوز ضرورات النّظام الاجتماعي واستحقاقات إدارة الدّولة. فكما يقول ديدرو: ليس العيب في وجود عبيد ولكن ما لا يجب التّساهل معه هو وجود عبيد نسمّيهم مواطنين”[51]. فوجود العبيد ارتبط بالنّظام الطّبيعي للقوّة في عالم كانت فيه الحرّيّة عبارة عن امتياز أرستقراطي، ولكن منذ أن أصبحت الحرّيّة بمثابة القيمة الأساسيّة في السّياسة فإنّ الطّلاق حصل مع الواقع القديم وتمّ فهمه كعنف لا تساهل فيه، فعلاقة الإنسان بالعنف جليّة ومساهمته  في ولادته واضحة : العنف تاريخيّا هو ظاهرة بشريّة ولا يمكن أن نتحدّث عن عنف الطّبيعة إلاّ بالمعنى المجازي لأنّ البراكين والزّلازل والطّوفان ليست عنيفة بل هي وقائع طبيعيّة تشتغل في نطاق التّوازن الخاضع للقانون النّوعي الذي يحكم الطّبيعة. لذلك يمكن أن نسمّي عنفا كلّ استعمال للقوّة، بشكل ظاهر أو خفيّ، لغايات انتزاع ما لا يرغب الأفراد أو المجتمع في تقديمه طواعيّة أو قصد الحصول منهم على ما لا يرغبون في إبدائه طواعيّة. يمكن أن نستدلّ في ذلك بالسّرقة و الاغتصاب لإثبات علاقة العنف بمبدأ الانتزاع، “فالسّرقة ليست دوما عنيفة وإن كانت تنتهي بانتزاع أو اختلاس ما يملكه الغير على غير وجه حقّ أمّا الاغتصاب فهو دوما عنيف لأنّه ينتهي إلى الانتزاع بعنف وبقوّة ودون رضا ما يمكن الحصول عليه بمجرّد إبداء الحبّ والرّغبة”[52].

بهذا المعنى يمكن اعتبار أنّ القتل ليس أقوى درجات العنف ومستوياته بل إنّ التّعذيب هو أقواها لأنّه يجمع بين الضّحيّة وجلاّدها في علاقة متواصلة. ومن الجائز أن نؤكّد على ذلك ما دامت الغاية الأبديّة التي يسعى إليها الإنسان من منطلق مدنيّته هي الحرّيّة، والفريسة التي يستهدفها العنف هي إلغاء تلك الحرّيّة ذاتها وانتزاعها منه.

هناك دوما اتّجاهان متنافسان، الواحد وديع والآخر عنيف، ورغم تناقضهما فهما متطابقان في أهدافهما: إنّهما يستهدفان معا وفي نفس الوقت، ومن منطلقات مختلفة، نفس الغرض ألا وهو كيان الآخر ولكن الاتّجاه الأوّل يجعل من الآخر هدفا للتّواصل معه في سياق من الحرّيّة والاتّجاه الثّاني يستهدفه ليسلبه حرّيته ويسيطر عليه ويتحكّم فيه.

يبدو أنّه من الصّعب أن نحسم المسألة نهائيّا لأنّ العنف موضوع جدليّ في حدّ ذاته فما يمكن أن يعتبره أحد عنفا يمكن أن يراه غيره خلافا لذلك. يمكن أن نستدلّ بالخلاف الفكري الذي كان سائدا بين سارتر وريمون آرون حول المسألة الجزائريّة. فبالرّغم من أنّهما كانا متّفقين حول استقلال الجزائر فإنّهما لم يتمكّنا من التّفاهم، لأنّ “جدليّة العنف والوداعة مرجعيّة ساخرة بالنّسبة إلى اللّيبراليّين (التّحرّريّين) فهما عبارتان تسجّلان تباعدا سياسيّا وتعارضا فلسفيّا”[53] ، لذلك لم يكن آرون يعتقد أنّ استقلال الجزائر يمكن أن يتحقّق عن طريق وسيلة أخرى غير العنف، وهذه نقطة الخلاف الأساسيّة بينه وبين سارتر. لأنّ ريمون آرون الذي رفض أن يكون مثل سارتر معارضا للعنف ومقاوما له بشكل لا مشروط يرى أنّ الذي يدين العنف لا يستطيع أن يبدي تضامنه مع المقاومين الجزائريّين، كما يرى أنّ “التّاريخ الإنساني يتقدّم مقنّعا على أنقاض الحضارات وعلى جثث الأبرياء. الدّول تبنى بالعنف وتحافظ على استمرارها بالقوّة التي أصبحت مؤسّسة تحذق إدارة العنف إلى درجة لا يدركه حتّى أولئك الذين يتعرّضون له…إنّ ما أكرهه ليس هذا الخيار المفروض في ظروف معيّنة لصالح العنف وضدّ المصالحة ولكن فلسفة العنف في حدّ ذاتها، أي ليس العنف كوسيلة ضروريّة للسّياسة العقلانيّة…هذا العنف يمكن أن يضمّد كلّ الجروح التي أحدثها”[54]. غير أنّ ريمون آرون ينبّه في موقع آخر إلى أنّ هذه الوسيلة (العنف) يمكن أن تكون مشفّرة وتستعمل حسب التّأويلات غير العقلانيّة ولذلك تتجاوز حدود الوسيلة المستعملة عند الضّرورة لتتحوّل إلى آليّة قمع واستبداد، حيث أشار في هذا الصّدد إلى أنّ النّظام السّوفييتي كان “مهتمّا أكثر بالتّحسّب من عدم معاقبة مذنب أكثر من تجريم بريء. هكذا يتّجه إلى اعتبار الإعداد لفعل إجرامي بمثابة جريمة حتّى وإن لم يكن ثمّة بداية للتّنفيذ. إنّ قاعدة النّشاط المناهض للثّورة شاسعة جدّا من أجل استحضار كلّ أشكال التّأويل”[55].

 2- الرّقابة : عنف سياسي استباقي / وقائي :

استنادا إلى منطق المقارنة يبدو أن البلدان التي تحتكم إلى قوانين واضحة للرّقابة هي الأكثر احتراما للحرية من البلدان التي لا تخصص قانونا رقابيا. ففي فرنسا ارتبطت قوانين الرقابة بالتوترات الاجتماعية والسياسية، فقد ظهر أول قانون للرّقابة في  08 أوت 1849 وتم تحيينه في أكتوبر 1913 وهو أمر فرضته مقدمات الحرب العالمية الأولى. وكانت السلطات العسكرية قد تحصلت على حق منع النشر والاجتماعات التي يمكن أن تؤجّج الفوضى وتخلّ بالنظام، وهذه الإجراءات قد تدعّمت بقانون 4 أوت 1914 وأعطت للسّلطات العمومية صلاحية حظر كل معلومة أو مقال يهم العمليات العسكرية والسياسية ويمكن إن تمارس تأثيرا عكسيا على معنويات الجيش والشعب[56]. وعلى هذه الخلفية تم بعث مكتب إعلام يتولى مراقبة كل المقالات والمنشورات .  ومن هنا أيضا ظهرت الرقابة من أجل مواجهة الحرب ،ولكنها لم تتوقف مع انتهاء الأزمات بل أصبحت ملازمة للمستقبل السياسي برمته في كل بلدان العالم، لأنّ يد الرقابة وزعت ضرباتها الموجعة بشكل كلّي على شتّى مجالات الإعلام وفضاءات المجتمع ولكن بدرجات متفاوتة . فالمسألة لم تتوقف في حدود الرقابة الظرفية التي أوعزت بها ظروف الحرب، وهو أمر يكاد يكون مباحا في حدود ما تسمح به المصلحة الوطنية ،لأن الرقابة تواصلت زمن السلم بمثل ما كانت عليه زمن الحرب، لذلك فقد تحولت إلي أداة طيعة من اجل السيطرة علي الرأي العام والتحكم في بنيته التكوينية وتحجيمه[57]. بعيدا عن الأزمات التي طالما مثلت تبريرا مهما لممارسة الرّقابة فانّه في حالات السلم الاجتماعية تبرز ثلاثة اعتبارات يتبناها المدافعون عن الرقابة، وهذه الاعتبارات هي[58]:

1- حماية الفرد من تأثير وسائل الاتصال لأنّه ضعيف ومعزول ومنفرد أمامها ،وهذا ما يجعل حمايته من أهم الأولويات.

2- الدفاع عن المجتمع وتماسكه ضد العنف الرمزي الذي تؤججه وسائل الاتصال والإعلام. وإضافة إلى العنف هناك الكراهية العنصرية بالأساس خاصة في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.

3- التحكم في مقدرات السّلم الاجتماعيّة في جانبها السياسي من أجل ضمان الإجماع الوطني وسيادة النظام.

إذا ما تدعّم هذا المسار الرقابي بآلية تفعيل مثل العنف المادي (شرعيّا كان أو غير شرعي) أو احتكار مبدأ استخدام القوة يصبحان معا (الرقابة والقوة ) أداة سيطرة، وهي من العناصر التكوينية لإيدولوجيا الدولة الماكيافيلية. كما أن التضليل بهذا المعنى يؤدي إلى خلق عصاب قهري جماعي يتحد على أساس إضفاء العصمة والألوهية على الزعيم .لأن التضليل والخشية حتى غير المبررين ينتهيان إلي خلق حالة من الوعي الجديد المرتبط بواقع سياسي منشود دون أن يكون موجودا، ولكن القيادة والزعامة السياسيتين ترسمان ملامحه كيفما ترى وتريد. وهنا يمكن أن نؤكد على أهمية الشراكة بين التضليل والخشية كحالة واقعية وحالة شعورية لأنهما يتكاملان مع الرقابة والعنف لأنهما أيضا حالة واقعية والأخرى شعورية وتظلان متمفصلتين لأجل التوصل إلى ولادة حالة ذهنية تميز جمهور المحكومين ولكن يحدد ملامحها الحاكم.

“إن التضليل السياسي يلخص عمليّة المرور من مرحلة الديماغوجيا أو تعديل الرأي العام إلى مرحلة الرقابة، لأنّه (التّضليل السياسي) في بعض معانيه يعتبر أداة قمع يحول دون ظهور الوقائع وبروزها والتفاعل معها وتداولها، وبالتالي يطغى التضليل على الحقيقة فيكون عملية رقابية بامتياز”[59]، لذلك فإنّ ظاهرة الرّقابة تعني وجود جهاز رقابي وموضوعا للرقابة يجتمعان في إطار علاقة النفي والإثبات خاصة وأنّ موضوع الرقابة  بفعل استمرار ودوام الظاهرة يبدأ في التكلس والتجمد، ويتّجه شيئا فشيئا إلى ضبط وتحديد نشاطه في حركات ثابتة دون مخاطرة. فهو محاصر ومطوق ومهيمن عليه من طرف قوة عادة ما تكون ردود أفعالها غير مدروسة وغير متوقعة لأنها لا تنبع من منطق فكري أو أطروحة واضحة. ولكن فقط وفق انفعالها بالأحداث العارضة وفي اغلب الحالات وفق تفاعلها مع ما يتناقض والنظام[60]. وبفعل الاستهلاك المفرط والمتكرر لهذه الظاهرة من طرف المجتمع بحيث تتحول إلى علامة تميز علاقته بالسلطة، فان جهاز الرقابة يدخل تدريجيا ضمن تفاصيل الوجود الطبيعي للمجتمع مما يجعل الرقابة تتحول من حالة واقعية يفرضها جهاز السلطة السياسية إلي حالة شعورية أساسها الخشية والخوف والارتياب والتوجس حتى من اقرب المعايير والمعاني إلى ذواتنا وهذا ما يفرز في حالة مجتمعاتنا ظاهرة الرقابة الذاتية كحالة اشتقاق لما يسمّيه نوربارت إلياص بالضّغط الذاتي الذي يمكن أن يصل في أبعد مستوياته إلى تعنيف الذّات[61].

ألا يمكن أن يكون هذا التصور مبالغا فيه إذا ما اعتبرنا الثورة الإعلامية الهائلة التي ضربت خيامها في أرجاء المعمورة منذ عقود وتسلحت بكل المكاسب التقنية التي حققها البشر واستثمرت كل أدوات الاتصال الرقمية ؟ ألا يحق لنا أن نعتبر المشهد الإعلامي المتحرر من قيود الحكومات والمندمج في سياق المنافسة الحرة هو كسر لطوق الرقابة؟

لقد بدأت منذ سبعينات القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية عمليات التنسيق حول التمفصل بين التكنولوجيات الإعلامية الجديدة والسّياسات الحكومية وذلك لغاية تحقيق هدف مضاعف :تقليص صلاحيات ونفوذ الدولة وتركيز منوال إعلامي ليبرالي تنافسي[62]. فهل من الممكن أن يكون هذا المجال التنافسي سبيلا لفتح إمكانيات التحرر الإعلامي والانفلات من الرقابة؟

تبدأ الرقابة الإعلامية من حيث تتحقق وتكتمل عملية السّيطرة على وسائل الإعلام واستخدامها من أجل احتكار المعلومة والخبر والصّورة وتوظيفها أحيانا في التّضليل، لأن الاحتكار والتضليل هما الأساس الذي تقوم عليه عمليّة الرّقابة الإعلامية كاستجابة لمصالح المحتكرين. والمعلوم أن آلة الإعلام تشتغل أكثر أثناء الأحداث الساخنة والتوترات في أبعادها المختلفة سواء أثناء الحرب بالمعنى التقليدي للمفهوم الذي يفترض وجود جبهات عسكرية قتاليّة أو أثناء الحرب السّياسية القائمة على الانتخابات أو الحرب الاقتصادية التي تؤجّجها المنافسة، وكل أشكال الحرب التي تكون المعطيات الذهنية والأخلاقية والإعلامية بالنسبة إليها وقود للمعركة، وهي في بعض الأحيان اشد خطرا من الأسلحة الفعلية. ولنا أن نعود في هذا الصّدد إلى الدّرس الذي أعطاه جوزيف غوبلز (وزير الدعاية في ألمانيا النازية ) في مجال الدعاية والتسويق الإعلامي المستبد فهو أبلغ مثال على ترجمة هذا الشّكل من العنف الاستباقي[63].  كلّ ذلك من أجل إلغاء أدنى إمكانية تفرد واستقلال فكري قد يتميز به فرد أو جماعة أو تنظيم اجتماعي. و كأنّ ما يوفّره الإعلام يلغي ملكة الذكاء و التفكير لدى البشر، إذ يوفّر عليهم كل عناء في الفهم والتفكير والتحليل و الاستنتاج و النقد وإبداء الرّأي… ويضع بين أيديهم وأمام أعينيهم وعلى مسامعهم كلّ ما ينتظرونه من صورة وفكرة ومعلومة وخبر، ولكن على قياس ما ينسجم مع مصالح المتحكّمين في الآلة الإعلاميّة وعلى أساس ما يرونه و ليس على قياس ما يهتدي إليه الفكر المتحرر. وكأنّنا من خلال هذا الدّرس نجد الرقابة تتجذّر في العنف الإعلامي الذي يجد في حريّة الجماهير هدفه وفي اغتصاب العقول مادّته الأوّليّة.

 رابعا: حول البنيات الفكريّة والأنساق الفلسفية المؤسّسة للعنف السّياسي

إن التطرق إلى الأسس الفلسفيّة والإيديولوجية للعنف يدعونا إلى البحث في ثنايا الفكر السّياسي وبالتحديد في مناحيه التي تتأصل فيها أطروحة القهر والاستبداد. و في هذا السياق لم تخل أمّة من مناقب الفكر والعبقرية التي تؤبد الطاعة و تعلي من شأن الزّعامة السّياسية إلى الحد الذي أفرز في السياقات العربية الإسلامية أئمة وعاظا للسّلاطين و مؤسّسين للاستبداد الشرعي رغم تعرّضهم هم أنفسهم إلى بطش الحكام. هذا المتن الديني والفكري والسّياسي الذي أوجد مقولة الحكم بهدي من العناية الإلهية، هو ذاته الذي أسّس ظاهرة تاريخيّة مثالا في الاستبداد المتخلف وهي محاكم التفتيش في أوروبا الوسيطة وهي محاكم رمزية  مهمتها متابعة الإنتاجيات الفكرية للمجتمع واغتصاب عقوله، وغالبا ما يطغى أداؤها على المجتمع فتختزله و تلغيه مثلما ألغاه لويس الرابع عشر بقوله: “الدولة هي أنا”. و كذلك اختزله لويس الخامس عشر عندما ذهب إلى أن ” كل حقوق و مصالح الأمة التي يحاولون جعلها شيئا منفصلا عن الملك هي ضرورة متحدة مع حقوقي و مصالحي و ليس لها مكان إلا بين يدي”.

لقد كان  العنف السّياسي  الذي يلغي وحدة المجتمع أو يلغي تعدد الأفراد فيه قائما منذ بداية البشرية، ومن بين المنتفعين منه جمهرة كثيفة العدد من كهنة و فلاسفة و مفكري الاستبداد و مثقفي السلطة، و هم يبيعون عقولهم لمن تغريه أفكارهم وأحيانا يبيعون عصارة عبقريتهم  طلبا للخبز مثلما فعل  نيكولا ماكيافيلي الذي كتب “الأمير” تقرّبا للأمير لورنزو دي مديتشي، وقد قال ماكيافيلي في ذلك :” فلما أردت أن أتزلف إلى الأمير رأيت أن أقدم له هدية تليق بقدره، وتكون دليلا على إخلاصي لعرشه فلم أجد بين ما أملك  شيئا أعزّ على نفسي و أعظم قدرا في عيني من أخبار كبار  الرجال و أعمالـهم، و ما اكتسبته بطول الخبرة و استيعاب حوادث التاريخ الماضي و إمعان النظر في شؤون الزمن الحاضر فدوّنت كل ما علمت مما ذكرت في هذا الكتيب الذي أقدمه لسموّكم [64]. و في الحقيقة لقد أحاطت بزمن صاحب “الأمير” هذا الظاهرة قبلا و بعدا. فلم يكن توما الأكويني يساند البابوية بأفكار اهتدى إليها بعيدا عن الكنيسة بل لأنه كان المستشار الفكري للبابا. و لم يكن بودان يؤلف دفاعا عن الاستبداد الملكي لوجه الحق وحده بل كان وهو يؤلف، يشغل منصب المحامي الخاص للملك. وكان توماس هوبز يدافع عن الملكيّة حين كان موظفا مدرّسا خاصا لأمير ويلز الذي أصبح الملك شارل الثاني في إنجلترا.

يعود الفضل إلى ماكيافيلّي في تأسيس السياسة وإقامتها كعلم ونزع الحجب عن أسرار صناعتها في أعمق أقداسها و عصبها الحساس أي صناعة الحكم. ولكن ذلك لم يكن حائلا دون أن يكون هو ذاته وعبقريته موضوعا للعنف أكثر من غيره. فقد “اجتمع عليه اللاعنون ملوكا و أمراء و ساسة و أساقفة وخطباء و أدباء من كافة الملل والنّحل “[65].  ورغم أن ماكيافيلي كان موضوعا للعنف فمن البيّن أنه من أهم من أسّس له و وضع أسـراره وهيّأ له أصوله السياسيّة  وأحكامه النظريّة. فقد رأى أن “القسوة الحكيمة هي التي يستعملها الرجل ليحصل على مركز وطيد”[66].

لقد فتح ماكيافيلي الأمير والسياسة على المعرفة العقلية لأنه كان مغضوبا عليه من قبل الأمير والسياسة[67].  لذلك فقد رأى أنه من الواجب على الأمير العاقل أن يبحث على الدوام على الوسائل التي تجعل رعاياه في حاجة إلى حكمه[68]. “و ينبغي للأمير أن يكون حذرا في التصديق و الفعل. فلا يفقد الحذر بشدة ثقته في الغير… و من هنا ينشأ  سؤال  مهم وهو: أيّهما أنفع للأمير أن يحب أكثر مما يخشى أو يهاب أكثر مما يحب ؟ فالجواب أنه ينبغي له أن يكون محبوبا مهابا. و حيث يصعب الجمع بين الحالتين فإذا احتاج الأمير لإحداهما فالأفضل أن يُُهاب لأن الناس تحب و تبغض بإرادتهم و لكنهم يهابون الأمير بإرادته. و الأمير الحازم ينبغي أن يقول على ما في قدرته لا على ما في قدرة الغير و كل ما يجب عليه أن يتقي بغض الناس له”[69].

يمكن أن ندرس أمير ماكيافيلّي على أنه تسجيل تاريخي للإيديولوجيات السياسية التي لا تقدم باعتبارها مثلا جامدة أو دعائم نظرية مجردة  و لكن باعتبارها إبداع لتخيّلية واقعية. أما الخاصية المثالية للأمير فتكمن في كونه “لا يوجد فعلا كحقيقة تاريخية و لم يكن الخاصية المثالية للأمير فتكمن في كونه لا يوجد فعلا كحقيقة تاريخية و لم يكن خاصية المجتمع الإيطالي بسماته الحينيّة الموضوعية ولكنه كان تجريدا نظريا صرفا “[70]. إنه بحركة درامية كان النتيجة الكبرى لعبقريّة ماكيافيلي السياسية المؤسســة للقـوة والهيمنة و الاستبداد و كل الركائز الإجرائية للرقابة .

من أهمّ الأطروحات التي تمثّل بامتياز مادّة فكريّة أوّليّة ومدوّنة مرجعيّة لتوليد العنف السّياسي هي الأطروحة الكانطيّة التي تؤسّس مبادئ الطّاعة والولاء التي ينبغي على المجتمع بكلّ تكويناته أن يضمنها للسّلطة السّياسيّة، وهي من خلال ذلك تختزل دور المجتمع في تدعيم استبداد السّلطة وعنفها إلى درجة تحويله إلى آليّة للحفاظ على شرعيّة واستمرار النّظام السّياسي السّائد. وربّما يكون الجمع بين الفلسفة الهيغليّة والكانطيّة في هذا السّياق تأكيد لمقولة أنّ كلّ فلسفة تعبّر بالضّرورة عن زمانها[71]  كما نزعم أنّه مع الفكر الكانطي الهيغلي بلغت الفلسفة السّياسيّة القدرة على تصوّر متطلّبات عصرها ومتطلّبات المستقبل برمّته ، ويكفي أن نستدلّ في ذلك بمشروع كانط حول  السّلم الدائمة كفكرة داعمة لقراءته للتّاريخ من وجهة نظر كوسموبوليتيّة (كونيّة ) فكانط لا يميز بين الدولة و المجتمع المدني، فتكوّن هذا الأخير يظهر من خلال تكوّن الدولة بما هي هيئة سياسية وظيفتها الحفاظ على الحياة و خيرات الأفراد والجسم الاجتماعي ككل. و لم يفت كانط أن يبيّن أنّ الزّعيم أو الرّئيس يمكن أن يخرج عن مقتضيات الأخلاق فيتحول إلى مستبد.

إن تفكير كانط في الدّولة كموضوع جوهري في الفلسفة السياسية يحكمه هاجس أساسي وهو كيفية تجنّب الفوضى وكل أشكال الخروج على النظام ،لأن الفوضى و اللاّنظام و التناحر من سمات الحالة الطبيعية المضادة لمقتضيات العقل العلمي. و لهذه الاعتبارات رفض كانط حق المقاومة أو الثورة الذي يمكن المطالبة  على أساسه بتغيير الدولة أو نظام الحكم، واعتبر أن السلطة في ا لدولة لزعيمها مطلقة.

إن نظرية كانط في العقد الاجتماعي فصلت بين الحاكم والشعب وهي أيضا لا تخلو من احتفاء بالسّلطة المطلقة للحاكم إذا ما أخذنا في الاعتبار عدم التزام صاحب السيادة بأيّ قانون باستثناء القانون الأخلاقي. فهناك أمر مؤكّد لدى كانط و هو ضرورة الحدّ من الحرية لأن العقل في اعتقاده عاجز عن إدراك معنى الحرية التي تتجاوز عالم الظواهر. فكما يقول  Alexis philonenko(أحد أهم قرّاء و دارسي كانط):

” حقيقة الحرية عند كانط لم تكفّ عن أن تكون حريّة من أجل الشّر”[72].

هكذا تجد الدولة تبريرا انتروبولوجيّا للحدّ من الحرية التي تنزع نحو الشرّ، ” فكل حق يتمثل ببساطة في الحد من حرية الآخر و الحق العام هو ببساطة حالة تشريع واقعي مطابق لهذا المبدأ و مدعوم بالقوة الضرورية “[73]. و لهذا فإن كانط أعطى للدولة سلطات لا محدودة من أجل ضبط مدى الحرية ومضى في نفس السّياق إلى أنّ الحرّية هي الحرّية في المساواة  وهي لا تخصّ إلاّ الشّعب، أما السّلطان فلا يقال عنه أنه حر لأنه فوق القانون.

إنّنا لا نجد في الكانطية تأصيلا نظريّا و إيديولوجيا للهيمنة و التّسلّط فقط و لكن نجد فيها أساسا فلسفيّا للاستبداد و الطاعة المطلقة. فقد رفض الفيلسوف الثورة على حاكم جائر مستبد من أجل السّلم الدائم وهـو يرى كذلك أنّ “كلّ انتفاضة تتحول إلى ثورة هي الجريمة الكبرى التي يمكن ارتكابها في حق الجسم الاجتماعي وهي بمثابة قتل للوطن ولا يجب أن يلقى مرتكبها أقلّ من عقوبة الموت ” [74]. فليس ثمّة سبب يمكن أن يبرّر التمرّد حتّى لو كانت السّلطة استبدادية و قوانينها جائرة وصاحب السلطة طاغية و “حتى لو أدّى الأمر بهذه السلطة أو بصاحب السلطة إلى انتهاك العقد الاجتماعي الأصلي “[75]

رغم أن كانط يرفض حق المقاومة و الثورة إلا أنّه يقـرّ للمواطنين بحقّ الاستعمال العمومي للعقل بما يعنيه من تفكير و تعبير و نقد في كافة المجالات، لأنّ الفاعلية النّقدية هي ميزة المواطنة الحقيقية عند كانط. لكن إذا كانت المواطنة بالمعنى الكانطي تتوقف على توظيف العقل  فإنّها بهذا المعنى (المواطنة) لا تزال رهينة الاستبداد المسلّط على العقل، وهي بذلك لم تصل إلى مرحلة الارتباط بالعقل إلا بالأسباب المكبّلة للعقل في حد ذاته و منها ما يراه من أن العقل عاجز عن إدراك مقتضيات الحرّية. وأيّ شكل من أشكال المواطنة تستند على فاعلية العقل في استعماله العمومي إذا كانت مسلوبة من الحرية.

يتّجه كانط في هذا المستوى ليلتقي مع Pufendorf على نفس الأرضيّة التي يعلن منها عدم شرعيّة كلّ لجوء إلى ما يعتبر حقّ المعارضة وهو طرح يفضي إلى استعمال العنف الإستباقي أو الوقائي في صيغته المؤسّساتيّة والأخلاقيّة من أجل إلغاء إمكانيّات العنف المحتمل، وهذا الموقف عند كانط يرتكز على تبريرين :

  • إنّ معنى الحق في الثّورة متناقض في حدّ ذاته لأنّه لا وجود لحقّ سوى الذي يحصل عليه الشّعب وفق إرادة السّيّد المشرّع في الدّولة.
  • إنّ الحقّ لا يوجد خارج نطاق الاعتراض العمومي الذي يبدأ منذ الانخراط في التّشريع، مثلما لا يجوز التّشريع للفوضى داخل المؤسّسة، لذلك فإنّ ما يعتبر حقّا في المعارضة يظلّ دائما مستثنى من عموميّة الحقّ وبهذا المعنى ليس حقّا [76].

يمكن أن نذكّر بالخلاصة التي وصل إليها كانط في قراءته للمسألة، فهو يعتبر أنّ “كلّ معارضة للقوّة التّشريعيّة العليا… وكلّ احتجاج يسعى إلى تفعيل الغضب في صفوف النّاس وكلّ رفض يتسرّب إلى المحتجّين هو بمثابة الجرم الأكبر في حقّ الجسم الاجتماعي ويجب أن يعاقب بشدّة لأنّه يسعى إلى تقويض أسس الجماعة “[77]. والنّتيجة بالنّسبة إلى كـــانط أنّ كلّ تغيير للدّولة عن طريق الثّورة أمر غير عادل لأنّ الأساس الذي تتطوّر بمقتضاه الدّولة يوجد في النّظام السّائد وبالتّالي سيحلّ بينه وبين النّظام الجديد، خلال لحظة التّغيير، حالة الطّبيعة التي ينعدم فيها القانون[78]. هذه الإدانة لحقّ المواطنين في التّغيير لا تخلو من تصوّر إصلاحي مواز يرى من خلاله كـــانط أنّه إذا كان من الضّروري تغيير المؤسّسة السّياسيّة فلا يمكن أن ينجز إلاّ عن طريق الحاكم نفسه من خلال عمليّة إصلاحيّة ولكن ليس أبدا من طرف الشّعب. أما كانط فإنه لا يميز بين الدولة و المجتمع المدني، فتكون هذا الأخير يظهر من خلال تكون الدولة بما هي هيئة سياسية وظيفتها الحفاظ على الحياة و خيرات الأفراد و الجسم الاجتماعي ككل. و لم يفت كانط أن يبين أن الزعيم أو الرئيس يمكن أن يخرج عن مقتضيات الأخلاق فيتحول إلى مستبد.

إنّ تفكير كانط في الدولة كموضوع جوهري في الفلسفة السياسية كان يحكمه هاجس أساسي وهو كيفية تجنب الفوضى وكل أشكال الخروج على النظام ،لأن الفوضى و اللاّنظام و التناحر من سمات الحالة الطبيعية المضادة لمقتضيات العقل العلمي . و لهذه الاعتبارات رفض كانط حق المقاومة أو الثورة الذي يمكن المطالبة  على أساسه بتغيير الدولة أو نظام الحكم، واعتبر أن السلطة في ا لدولة لزعيمها مطلقة.

لم يكن هيغل من خلال “العقل في التّاريخ”[79] وكذلك من خلال “مبادئ في فلسفة القانون”[80] أقلّ اقتناعا من كانط بأهميّة العنف بالنّسبة إلى الدّولة والمجتمع وكذلك التّاريخ. فهيغل هو أوّل فيلسوف أدمج العنف لا  في مفهوم العقلانيّة فقط ولكن أيضا في نشوء العقل في حدّ ذاته عندما ذهب إلى “…إنّه فقط بفعل المخاطرة بالحياة يمكن أن نحافظ على الحرّيّة…” وهذه المخاطرة تفترض عنفا يواجه ويمارس[81]. إنّ هيغل لا يسقط العنف عبر جدليّة السّيد والعبد ولكنّه يدمجه في تطوّر الإنسان كما أنّ الحرب تبدو له كشكل عادي من العلاقات بين الدّول رغم أنّه يرى أنّ العمل والثّقافة يعبّران عن العلاقات الأكثر إقناعا، ولكن العنف عنده مبرّر بفعل أنّه – بشكل مفارق – يبدو بمثابة الإعداد الضّروري لأنسنة العلاقات بين الأشخاص وبين الأمم[82].

إنّ التّحليل الهيغلي يواصل سيطرته على جزء مهمّ من التّصوّرات / المفاهيم المعاصرة للعنف ورغم ما قدّمه ماركس وإنجلز من تأكيد على أنّ الصّراع الطّبقي هو المحرّك الفعلي للتّاريخ إلاّ أنّنا لم نفلت أيضا من العنف حتّى لا نوغل في الوثوقيّة والدّوغمائيّة  والتّديّن. ولكن يجب أن نميّز بين عنف الطّبقة المسيطرة التي تعارض تطوّر القوى التّاريخيّة وعنف الطّبقة المضطهدة التي تستعمل العنف في نطاق السّعي إلى التّحرّر العام . “لقد أعاد جورج سوريل إنتاج هذه الفكرة المبنيّة على التّناقض ليعتبر أنّ القوّة بورجوازيّة والعنف بروليتاري”[83]. هذه الجدليّة إذن هي التي برّرت حقّ الإعتراض والإضراب العام بالنّسبة إلى الطّبقة العاملة وبرّرت اقمع والسّيطرة والتّكّم بالنّسبة إلى الطّبقة المالكة للثّروة والسّلطة.      

أمام هذا الامتداد الذي سجّله الفكر الهيغلي فإنّ الأبولوجيا Apologie التي أسّسها كانط للدفاع عن هيمنة الحاكم و تبرير سلطته و نفوذه تجد لها امتدادا في سوسيولوجيا ماكس فيبر، و لكن من وجهة نظر مغايرة لأنه لم ينتصب مبررا و لا مدافعا بل مفككا و محللا لخصائص القيادة في أبعادها القانونية والتقليدية والكاريزميّة[84]. و بشكل انتقائي فإن الرقابة و مرادفاتها الإجرائية أو ركائزها مثل القهر والتسلط والاستبداد تجد تأصيلا لها في الهيمنة التقليدية و الهيمنة الكاريزمية:

  • في حالة الهيمنة التقليدية لا تكون السلطة من حق رئيس منتخب و لكن من حق قائد مدعوم بفعل الأعراف و التقاليد السائدة وهو يحكم بصفة شخصية بحيث تتوجه الطاعة إلى شخصه نفسه وتصبح الطاعة عملا ورعا، و ضمن هذا النظام يخضع الناس إلى أوامر الحاكم دون وجود قواعد قانونية. و في ظل غياب البنية القانونية التي تنظم العلاقة بين الحاكم و المحكوم تشتغل الأخلاق التي تؤبد الطاعة بكل فاعلية و تنزع صفة المواطنة عن المحكومين لتحولهم إلى أتباع.
  • تشكل الهيمنة الكاريزمية النموذج الاستثنائي للنفوذ السياسي لأن الكاريزما هي الصفة التي تميز شخصا له قدرات أقوى من الطبيعة و أقوى من البشر العاديين.إ نّ أساس الهيمنة الكاريزمية عاطفي لا عقلاني. لأن قوة مثل هذا النشاط تتوقف بكاملها على الثقة العمياء و المتعصبة في أكثر الأحيان و على الإيمان في غياب كل مراقبة و كل نقد في أغلب الأحيان.  فيما يخص هذه الهيمنة يصعب التكلم عن القانون، بما أنها لا تعترف لا بالمؤسسات و لا بالأنظمة و لا بالأعراف. فطابعها الاستثنائي يمنعها من ذلك. إنها بذاتها ضابط نفسها، و كلمة القائد تقوم مقام الفرض والواجب الذي ينبغي تأديته و كذلك مقام الدافع إلى الطاعة[85].

يجوز أن نكتفي بمنطق الاستنتاج العام واستخلاص ما يمكن أن يضع موضع الاختبار المعاني والدّلالات السّياسيّة للعنف ومن وراء ذلك أهدافه ومراميه الاجتماعيّة  لنبيّن من خلال هذا الطّرح أيّ موقع يمكن أن يحتلّه العنف الوقائي أو الإستباقي في فكر كــــانط وأيّ مدى يمكن أن يمثّل هذا الفكر مدوّنة تأسيسيّة  بالنّسبة إلى العنف السّياسي. وفهم المعادلة ليس أمرا مستعصيا فالإجابة على  الجزء الأوّل منها تنتصر إلى الإقرار بأنّ الفلسفة القانونيّة والسّياسيّة لكانط تنسف كلّ ما يمكن أن يمثّل مرجعا تشريعيّا وأساسا اجتماعيّا وسببا سياسيّا للحرّيّة خارج مقتضيات هيمنة القائد وسيطرته سيطرة مطلقة لا تقبل المقاومة. فهذه المدوّنة تلغي أدنى إمكانيّات التنظّم خارج نطاق ما تسمح به السّلطة المطلقة للقائد وهي لاتسمح بغير الولاء والطّاعة من الحفاظ على السّلم الدّائم ووحدة الجسم الإجتماعي، وبالتّالي فإنّ الحرّيّة لا مكان لها في فكر الفيلسوف الألماني. أمّا الجزء الثّاني من هذه المعادلة فحلّها مرتبط  بمدى فهم العمق السّياسي لفلسفة كـــانط ، خاصّة فيما يتعلّق بتحديده لسقف حقوق المواطن في كلّ الأطر الاجتماعيّة إذ لا يجب أن تتعدّى الإعمال العمومي للعقل الذي لا يسمح في المستوى السّياسي بغير الحقّ في النّقاش دون الحق في المعارضة، إضافة إلى إدراجه لمبدأ الاعتراض العمومي تحت فعاليّات القانون الموجود أصلا لتدعيم سيادة وسلطة الحاكم وضمان استمرارها، يضاف إلى ذلك أنّه ألغى معنى الحق المستمد من الإرادة العامّة وسيادة الشّعب ووضعه ضمن اختصاصات الحاكم  ومن ثمّة ألغى مبدأ الحرّيّة من منطلق أنّ العقل عاجز عن إدراك معناها ولأنّها في اعتقاده تنزع نحو الشّر. والنّتيجة من هذه الإحالات هي أنّ الفلسفة السّياسيّة والقانونيّة لكــانط تمثّل إحدى أهمّ البنيات الفكريّة والأنساق الفلسفيّة المرجعيّة المبرّرة للفاعليّة السّياسيّة والوجود الوظيفي للعنف.

لقد تجاوزت الفيلسوفة الألمانيّة حنّا آرندت كلاّ من مونتسكيو وكانط وتوكفيل وذهبت إلى التّأكيد على معنى التّأسيس وبهذا تقترب من ماكيافيل في اعتبار العنف آليّة تأسيسيّة رغم أنّه لا يتطرّق إلى التّأسيس إلاّ من خلال حديثه عن التّغيير وليس عن الثّورة[86]. إنّها تجعل من العنف فعلا تأسيسيّا في عالم السّياسة دون المضيّ في التّساؤل عن المقاييس والحدود التي لا يمكن أن يكون فيها أيّ فعل هو عنف، في حين أنّها اعتبرت التّأسيس مصدر للمعنى الذي يستمدّ منه الفضاء السّياسي خصوصيّته وينقّب فيه عن أسباب وجوده أصلا. فهذا التّأسيس يمنح الجماعة مقاييس ثابتة لإثبات وجودها. ومن هذا المنطلق فإنّها لا تجد أيّ توافق بين السّلطة وأدوات الإقناع التي تعتمد على الحجج لأنّه كلّما كان الإعتماد على قوّة الحجّة بدل القوّة المادّيّة إلاّ وتمّ تجاوز السّلطة وفقدان فاعليّتها[87]، ففي مقابل النّظام المساواتي للإقناع ثمّة نظام سلطوي تراتبي دوما. “وإذا كان من الضّروري حقيقة تعريف السّلطة فإنّها في تعارض تامّ   -في الآن ذاته – مع الإكراه بالقوّة والإقناع بالحجّة. إنّ العلاقة السّلطويّة بين ذاك الذي يقود وذلك الذي يمتثل لا تقوم على مبدأ مشترك ولا على سلطة القائد، إنّ الذي يشتركان فيه هو التّراتب في حدّ ذاته الذي يعترف كلّ منهما بصحّته وشرعيّته وحيث لكلّ منهما مكانه الثّابت ضمنه”[88]. بقي أن نتساءل عمّا إذا كانت هذه الفلسفة التي تراوح بين الخيار النّسقي للعنف والثّورة تستحقّ أن نعتبرها بمثابة الأفق الإنساني للفضاء السّياسي الذي تتبلور فيه كلّ تجلّيات الحرّية والعقل.

       

 

 خــــاتــــمة

 

إذا كانت بعض حالات العنف يمكن أن تبدو شرعيّة فذلك لأنّها تضمن بعض الخصوصيّات الاستثنائيّة ولأنّها تهدف إلى نفي عنف آخر من أجل إرساء نظام سياسيّ. لهذا السّبب فإنّ ظهور العنف في الحقل الإجتماعي والسّياسي هو نتيجة التّعسّف في استعمال السّلطة بقدر ما هو نتيجة إفلاسها. فالعنف ليس الشّكل الأقصى لممارسة السّلطة ولكنّه الدّليل على وهنها وتلاشيها. وهو يترجم عموما رفضها أكثر من السّعي إلى تأسيسها بشكل شرعيّ. وفي المقابل فإنّ اعتبار النّظام السّياسي في نطاق الدّولة ليس سوى نمطا من أنماط تنظيم العنف الشّرعي استنادا إلى الفهم الفيبري المعروف. فهذا يعني في النّهاية رفض كلّ تفكير في النّظام السّياسي واختزال العامل الإجتماعي في مجرّد برمجيّات سلوكيّة ترفض كلّ إمكانيّات التّفاعل.

إنّ كثافة العنف في التّاريخ يجب أن تكون منطلقا للتّأمّل العميق في المعنى الأصلي للسّياسة وفي معنى الرّغبة في الحياة الجماعيّة (هذه الرّغبة الصّعبة ولكنّها الأكثر تجسيدا على مستوى الواقع) باعتبارها تمثّل أكثر الخصائص الإنسانيّة تعبيرا عن التّاريخ الإنساني. تأمّل يدعونا إلى التّمييز النّقدي بين معاني العنف والسّلطة والقوّة والسّياسة والدّولة وكذلك القانون من أجل إيجاد دلالات واضحة ومميّزة بقدر المستطاع. وتأمّل يمكّننا من التّمييز بين النّسق المفتوح الذي يضمن استقلال عناصره التّكوينيّة عن العناصر المكوّنة للأنساق الأخرى بقدر ما يفرض تبعيّتها المتبادلة وترابطها الوظيفي وبين النّسق المغلق الذي يعزل عناصره عن المحيط الخارجي وعن التّأثيرات الإيجابيّة التي تساهم في تشكيل مظاهر التّغيير ويختزلها في رهانات تخصّ مكوّناته الدّاخليّة، ومن خلال ذلك يدرجها في مسار من فقدان المعايير والتّوازنات فيصبح هذا النّسق المغلق هو الإطار الموضوعي لإنتاج العنف وإعادة إنتاجه. علينا أن نتذكّر أنّ المجتمع هو نسق من الوظافة المادّية بكلّ أبعادها والرّمزيّة بكلّ مضامينها، فإذا تعطّلت هذه الوظافة فإنّ المجتمع يلتجئ إلى إفراز آليّات اشتغال موازية أو بديلة، المهمّ أنّها في كلتا الحالتين تتميّز بكونها لا معياريّة يمكن أن يمثّل العنف محصّلتها الأكثر تجسيدا في الواقع.

 


بـــيبليــــوغـــــرافيـــا

أمينة رشيد، ” غرامشي من الهيمنة إلى الهيمنة الأخرى” ، في غرامشي وقضايا المجتمع المدني ، ندوة القاهرة 1990 ، مؤسّسة عيبال للدّراسات والنّشر 1991.

جوليان فروند : سوسيولوجيا ماكس فيبر (معرب) مركز الإنماء القومي .بيروت .

نيكولا ماكيافيللي : الأمير . تعريب محمد لطفي جمعة . دار قرطبة للنشر للتوثيق و الأبحاث – ليسا بول  1998 .

ريجيس دوبريه : محاضرات في علم الاعلام العام (معرب ) دار الطليعة، بيروت   1996.

Addi, Lahouari ; « Violence symbolique et statut du politique dans l’œuvre de Pierre Bourdieu », in Revue française de science politique, vol 51, n°6, décembre 2001.

Arendt , Hannah ; Du mensonge à la violence , Presses Pocket , Paris 1989.

Arendt, Hannah ; La nature du totalitarisme, Payot, Paris 1990.

Arendt, Hannah ; La crise de la culture, Gallimard, Paris, 1972. 

Aron, Raymond ; Histoire et dialectique de la violence, Gallimard, Paris, 1973.

Aron, Raymond ; Démocratie et totalitarisme, Gallimard, Paris 1965.

Balandier, Georges ; « La violence et la guerre : une anthropologie » , in Revue internationale des sciences sociales , 1986, N° 110.

Baudry, Patrick ; «  Approche sociologique de la violence » , in Cahiers internationaux de sociologie, Vol LXXXIV, 1988 .

Becker, Jean Jacques : «  la censure ça sert à gagner la guerre », in l’histoire N°143 Avril 1991.

Bourdieu , Pierre ; Le sens pratique , Minuit , Paris 1980.

Bourgeois , Bernard ; La pensée politique de Hegel , Cérès  Editions , Tunis  1994.

Cartier-Bresson , J. « Comprendre et limiter les violences : une représentation », in revue Tiers-Monde, N°174, avril-juin , 2003.

Cochart, Dominique et Haroche, Claude ; « Impassibilité, isolément et indifférence dans les sociétés totalitaires », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXXXIV, 1988.

Coenen-Huther , Jacques ; «  Formes de sociabilité et cadre sociétal : Réflexions sur le totalitarisme » , in Cahiers internationaux de sociologie , vol LXXXIV, 1988.

Delalande, Jean Pierre ; «  Violence , société et humanisme » ,in Revue des sciences morales et politiques, N°3 ,,juillet – septembre 2001.

Delgado , M. R. José ; «  Le fondement neurologique de la violence » , in Revue internationale des sciences sociales , Vol XXIII, 1971, N°1.

Domenach, Jean-Marie ; « L’ubiquité de la violence », in Revue internationale des sciences sociales, Vol XXX, 1978, N°4.

Elias, Norbert ; La dynamique de l’occident , CALMANN-LEVY, 1975.

Enegrén, André ; « Révolution et fondation », in Esprit n° 6, juin 1980 (N°  spécial, Hannah Arendt).

Errera, Roger : « les infortunes de la censure » in Etudes .Mai 1978.

Fanon, Frantz ; Les Damnés de la terre, Maspéro, Paris 1961.

Foucault, Michel ; « Pourquoi étudier le pouvoir : la question du sujet », in Hubert Dreyfus et Paul Rabinow ; Michel Foucault, un parcours philosophique. Falio, Essais, Gallimard, Paris 1984.

Gramsci , Antonio : Gramsci dans le texte . recueil  réalisé par François ricci . Editions Sociale Paris 1987.

Habermas, Jurgen ; Le discours philosophique de la modernité, traduit par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, Gallimard, Paris 1985.

Hegel, G. W. F. La raison dans l’histoire, introduction à la philosophie de l’histoire, Librairie Plon, Paris 1965. 

Hegel , G.W.F. Principes de la philosophie du droit, Texte présenté, traduit et annoté par Robert Derathé, librairie J. Vrin , Paris 1993.  

Hugon , Philippe : « Les conflits armés en Afrique : apports , mythes et limites de l’analyse économique » , in Revue Tiers – Monde , N° 176 , octobre – décembre 2003.

Humphreys, Macartan ; « Aspects économiques des guerres civiles » , in Revue Tiers-Monde N°174, avril – juin 2003 .

Kant , Emmanuel ; Théorie et pratique , Trad. Jean – Michel Muglioni , Hatier , Paris 1990.

Kant , Emmanuel ; Projet de paix perpétuelle , Trad. J. Darbellay , PUF , Paris 1958.

Khan, Rasheeduddin; «  La violence et le développement socio-économique » , in Revue internationale des sciences sociales , vol XXX, 1978,N°4 .

Kovalsky , N. A. « Aspects sociaux de l’agression internationale », in Revue internationale des sciences sociales, Vol XXIII, 1971.

Laé , Jean-François et Murard , Numa ; «  Protection et violence » , in Cahiers internationaux de sociologie , Vol LXXXIV, 1988.

Lefebvre, Jean-Pierre et Macherey, Pierre ; Hegel et la société, PUF, Paris 1984.

Linhardt, Dominique et Moreau De Bellaing Cédric ; « Légitime violence ?enquête sur la réalité de l’Etat démocratique », in Revue française de science politique, vol55, n°2, avril 2005.  

Mattelart, Armand : « l’information contre l’Etat » in le monde diplomatique N° 564, Mars 2001.

Mills, C. Wright; The power elite , New York , Oxford University Press , 1956.

Philonenko, Alexis ; Théorie et praxis dans la pensée morale et politique de Kant et de Fichte en 1793 . Librairie philosophique J. Vrin 1968.

Pires, José Cardoso : « le régime de la censure » in Esprit N°9 septembre 1972.

Poizat, Jean-Claude ; « La violence ou la déréliction du pouvoir », in Le Philosophoire, n° 30, 2008.

Ruby, Christian ; « Le public ou la violence politique absentée », in Le Philosophoire, n° 30, 2008. 

Renaut , Alain ; Kant aujourd’hui , Aubier , Paris 1997.

Touraine, Alain , « Le retour de l’acteur », in cahier internationaux de sociologie, vol LXXI-1981.

Vayrynen , Raimo ; «  La violence collective dans un monde discontinu : réalités régionales et illusions mondiales » , in Revue internationale des sciences sociales , 1986, N°110.

Wallerstein, Emmanuel ,  « Faut-il dépenser les sciences sociales du XIXème siècle ? » ,in Revue internationale des sciences sociales , N°118, novembre 1988.

Weber , Max ; Economie et société, Trad. Julien Freund , Librairie Plon , Paris, 1971.

Weil, Eric ; Hegel et l’Etat : cinq conférences, Librairie philosophique, J. Vrin , Paris 1966.

 

 

 

 

[1] – مقال منشور في المقدّمة، مجلّة الجمعيّة التّونسيّة لعلم الاجتماع، العدد 3، تونس، جوان 2010، ص.ص. 47- 68.

[2] Touraine, Alain , « Le retour de l’acteur », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXXI-1981, p.242.

[3] Wallerstein, Emmanuel,  « Faut-il dépenser les sciences sociales du XIXème siècle ? » ,in Revue internationale des sciences sociales , N°118, novembre 1988, p.580.

[4] Touraine, Alain, « Le retour de l’acteur », p.248.

[5] – Habermas, Jurgen ; Le discours philosophique de la modernité, traduit par Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz, Gallimard, Paris 1985.

[6] – Toffler, Alvin ; Les nouveaux pouvoirs : savoir, richesse et violence à la veille du XXIème siècle, Artheme  Fayard, Paris 1991, p. 35.

[7] – Laé , Jean-François et Murard , Numa ; «  Protection et violence » , in Cahiers internationaux de sociologie, Vol LXXXIV, 1988p. 19.

[8] – Baudry, Patrick ; « Approche sociologique de la violence », in Cahiers internationaux de sociologie, Vol LXXXIV, 1988, p. 05.

[9] – Kovalsky , N. A. « Aspects sociaux de l’agression internationale », in Revue internationale des sciences sociales , Vol XXIII, 1971, N°1, p. 85

[10] – Delalande, Jean Pierre ; « Violence, société et humanisme », in Revue des sciences morales et politiques, N°3, juillet – septembre 2001, p.88.

[11] – Delgado , M. R. José ; « Le fondement neurologique de la violence », in Revue internationale des sciences sociales, Vol XXIII, 1971, N°1, p.31.

[12] – Delgado, M. R. José ; Ibid , p. 34.

[13] – Laé , Jean – François et Murard , Numa ; Op. cit. p. 20.

[14] – Bourdieu , Pierre ; Le sens pratique , Minuit , Paris 1980, p. 219.

[15] – Fanon, Frantz ; Les Damnés de la terre, Maspero, Paris 1961, p.21.

[16] – Addi, Lahouari ; « Violence symbolique et statut du politique dans l’œuvre de Pierre Bourdieu », in Revue française de science politique, vol 51, n°6, décembre 2001, p. 958.

[17] – Addi, Lahouari ; Ibid, p. 958.

[18] – Balandier, Georges ; « La violence et la guerre : une anthropologie », in Revue internationale des sciences sociales, 1986, N° 110. p. 533.

[19] – Balandier, Georges ; Ibid, p. 536.

[20]– Khan, Rasheeduddin; «  La violence et le développement socio-économique », in Revue internationale des sciences sociales, vol XXX, 1978, N°4, p.884-890.

[21] – Khan, Rasheeduddin ; Ibid, p.884 – 890.

[22] – Coenen-Huther, Jacques ; «  Formes de sociabilité et cadre sociétal : Réflexions sur le totalitarisme », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXXXIV, 1988, p.85.

[23] – Elias, Norbert ; La dynamique de l’occident, CALMANN- LEVY, 1975, p. 181- 254.

[24] – Hugon, Philippe : « Les conflits armés en Afrique : apports, mythes et limites de l’analyse économique », in Revue Tiers – Monde, N° 176, octobre – décembre 2003, p.843.

[25] –  Hugon , Philippe ; Ibid, p.847.

[26] – Ibid ; p. 829.

[27] -Hugon , Philippe : « Les conflits armés en Afrique : apports , mythes et limites de l’analyse économique »,  Op. Cit.   2003, p.830.

[28]  -Cartier-Bresson , J. « Comprendre et limiter les violences : une représentation », in revue Tiers-Monde, N°174, avril-juin, 2003, p. 254.

[29] – Vayrynen , Raimo ; «  La violence collective dans un monde discontinu : réalités régionales et illusions mondiales » , in Revue internationale des sciences sociales , 1986, N°110, p.550.

[30] – Vayrynen , Raimo ; Ibid, p.551.

[31] – Humphreys, Macartan ; « Aspects économiques des guerres civiles », in Revue Tiers-Monde N°174, avril – juin 2003, p.273.

[32] – Ibid ; p.551.

[33] – Arendt, Hannah ; Du mensonge à la violence, Presses Pocket, Paris 1989, p.82.

[34] – Foucault, Michel ; « Pourquoi étudier le pouvoir : la question du sujet », in Hubert Dreyfus et Paul Rabinow ; Michel Foucault, un parcours philosophique. Falio, Essais, Gallimard, Paris 1984.

[35]– Ruby, Christian ; « Le public ou la violence politique absentée », in Le Philosopfoire, n° 30, 2008, p. 78.

[36] – Vayrynen , Raimo ; Op. Cit. p. 554.

[37] – Arendt, Hannah ; La nature du totalitarisme, Payot, Paris 1990, p. 67.

[38] – Baudry, Patrick; op. cit. p.08.

[39] – Toffler, Alvin ; Les nouveaux pouvoirs. Op. Cit. p. 65.

[40] – Cochart, Dominique et Haroche, Claude ; « Impassibilité, isolémentet indifférence dans les sociétés totalitaires », in Cahiers internationaux de sociologie, vol LXXXIV, 1988, p.101.

[41] – Poizat, Jean-Claude ; « La violence ou la déréliction du pouvoir », in Le Philosophoire, n° 30, 2008, p. 48.

[42] – Mills, C. Wright; The power elite, New York, Oxford University Press, 1956, p. 171.

[43] – Weber, Max ; Economie et société, Trad. Julien Freund, Librairie Plon, Paris, 1971, p. 407.

[44] – Linhardt, Dominique et Moreau de Bellaing, Cédric ; « Légitime violence ? Enquête sur la réalité de l’Etat démocratique », in Revue française de science politique, vol 55, n°2, avril 2005, p. 280.

[45] – Khan, Rasheeduddin; «  La violence et le développement socio-économique » , in Revue internationale des sciences sociales , vol XXX, 1978,N°4, p.884.

[46] – Khan, Rasheeduddin ; Ibid, p.886.

[47] – Ibid ; p. 886.

[48] – أمينة رشيد، ” غرامشي من الهيمنة إلى الهيمنة الأخرى” ، في غرامشي وقضايا المجتمع المدني ، ندوة القاهرة 1990 ، مؤسّسة عيبال للدّراسات والنّشر 1991 ، ص.196.

[49] – لتأكيد ذلك يمكن أن ننطلق القوانين الضّامنة للحرّيات السّياسيّة والعامّة بدءا بالقوانين الأساسيّة وصولا إلى الأحكام الدّستوريّة، ونعالج نتائج تطبيقها في أرض الواقع. مثال: قانون الجمعيّات في تونس وآثاره على المنظومة الجمعيّاتيّة سواء منها ما يسمّى بالجمعيّات القانونيّة والجمعيّات المحظورة. فتطبيق هذا القانون يخضع إلى معايير تحدّدها السّلطة السّياسيّة و تقدير ما إذا كانت الجمعيّات تستجيب لرهانات السّلطة، وما إذا كانت متجانسة مع رهاناتها…وما لم تضمن الجمعيّات هذا الاستعداد والقابليّة فإنّها تعتبر محظورة أو غير قانونيّة على قاعدة الاستثناء الذي يتضمّنه القانون أو الشّرط الذي يصبح هو القاعدة على مستوى التّطبيق.

[50] – Arendt, Hannah ; La crise de la culture, Gallimard, Paris, 1972, p. 123.

[51] -Domenach, Jean-Marie « L’ubiquité de la violence », in Revue internationale des sciences sociales, Vol XXX, 1978, N°4, p.760.

[52] – Domenach, Jean-Marie ; Ibid. p. 762.

[53] – Aron, Raymond ; Histoire et dialectique de la violence, Gallimard, Paris, 1973, p. 217.

[54] – Aron, Raymond ; Ibid. p. 218.

[55] – Aron, Raymond ; Démocratie et totalitarisme, Gallimard, Paris 1965, p. 275.

[56] – Becker, Jean Jacques : «  la censure ça sert à gagner la guerre »  in l’histoire N°143 Avril 1991, P 93.

[57]– Becker, Jean Jacques ; Ibid, p. 95.

[58] – ERRERA, Roger : « les infortunes de la censure » in études .Mai 1978.p.57

[59] – Pires, José Cardoso : « le régime de la censure » in Esprit N°9 septembre 1972.p.240

[60] – Pires, José Cardoso : ibid. P.240.

[61] – Elias, Norbert ; La dynamique de l’occident , CALMANN-LEVY, 1975, p.181.

[62]– Mattelart, Armand : « l’information contre l’Etat », in le Monde diplomatique N° 564, Mars 2001.p.28.

[63] – لقد كان غوبلز يصوغ مبادئ وأفكار وقيم أمة كاملة لتماثل مبادئه وأفكاره وقيمه  و مع ذلك نجح في إقناع الألمان بأن ألمانيا فوق الجميع، و بأن الجنس الآري أرقى أجناس الأرض و بأن أوروبا الشرقية هي المجال الحيوي لدولة الرايخ الثالث.

[64] – نيكولا ماكيافيللي : الأمير . تعريب محمد لطفي جمعة . دار قرطبة للنشر للتوثيق و الأبحاث – ليسا بول  1998  ص 47.

[65] – محمد لطفي جمعة في تقديمه للمرجع السابق.

[66] – نيكولاي ماكيافيللي  : الامير صفحة 97.

[67] – ريجيس دوبريه : محاضرات في علم الاعلام العام (معرب ) دار الطليعة، بيروت   1996 ص 24.

[68] – ماكيافيللي مرجع سابق ص 103.

[69] – نفس المرجع  ص 136.

[70] – Gramsci , Antonio : Gramsci dans le texte . recueil  réalisé par François ricci . Editions Sociale Paris 1987 P.417.

[71] – Bourgeois , Bernard ; La pensée politique de Hegel , Cérès  Editions , Tunis  1994, p. 112 .

 

[72] – Philonenko , Alexis ;Théorie et praxis dans la pensée morale et politique de Kant et de Fichte en 1793 . Librairie philosophique J. Vrin 1968, p. 71 .

 

[73] – Kant, Emmanuel ; Théorie et pratique, Trad. Jean – Michel Muglioni, Hatier, Paris 1990, p. 51.

 

[74] – Kant, E. Ibid ; p. 59 .

 

[75] – Renaut, Alain ; Kant aujourd’hui, Aubier, Paris 1997, p. 439.

 

[76] – Kant, Emmanuel ; Projet de paix perpétuelle , Trad. J. Darbellay , PUF , Paris 1958, p. 159 .

 

[77] – Ibid ; p. 164 .

 

[78] – Kant, Emmanuel ; Projet de paix perpétuelle , p. 61.

 

[79] – Hegel, G. W. F. La raison dans l’histoire, introduction à la philosophie de l’histoire, Librairie Plon, Paris 1965.

[80] –  Hegel, G.W.F. Principes de la philosophie du droit, Texte présenté, traduit et annoté par Robert Derathé, librairie J. Vrin , Paris 1993.

[81] – Lefebvre, Jean-Pierre et Macherey, Pierre ; Hegel et la société, PUF, Paris 1984, p.164.

[82] – Weil, Eric ; Hegel et l’Etat : cinq conférences, Librairie philosophiques, J. Vrin , Paris 1966, p.59.

[83] – Domenach , Jean-Marie ; Op. Cit. p. 763.

[84] – Weber, Max : Economie et société . trad. Julien Freund . Librairie .Plon .Paris .1971 chapitre III, p. 219-307

[85] – جوليان فروند : سوسيولوجيا ماكس فيبر (معرب) مركز الإنماء القومي، بيروت (بلا تاريخ) .ص 113.

[86] -Enegrén, André ; « Révolution et fondation », in Esprit n° 6, juin 1980 ( spécial, Hannah Arendt), p.63.

[87] – Arendt, Hannah ; La crise de la culture, op. cit. p. 122.

[88] – Arendt, Hannah ; La crise de la culture, p. 123.

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: