تركتها للصدفة -إكرام العرفاوي

img
تركتها للصدفة -إكرام العرفاوي
حجزت لنا موعدا على الورق و اتجهت لله بالدعاء كي تقرأني و أنا أحدثك بالكتابة..
أنا إمرأة من حبر، من ورق … تركيبة فريدة من الكسرةِ و السُّكون في حاجة للضّمة في حالات الشّدة لتضميد فَتحة الجروح… بعد الوجع الذي أذاقني إياه اللجوء  إلى البشر و ما علق بجسمي من أشواك إستعصى عليا نزعها من بعد إحتضانهم…
    صار لجوئي لحضن القلم  أأمن… أفرح و أحزن أبكى و أضحك..أعشق و أكره ..أنسى و أرسخ كل شيء بالكتابة ، جرّة القلم تعني لي الكثير، ربّما لأني وجدت في الورق الهدوء و الراحة  اللذان  لم أجدهما في البشر، أُذُن دائمةُ الإصغاءْ و لسان كاتم للأسرار لا يبوح… مهما خَطَطْت فوقهُ يحتوي كتاباتي برحابةٍ و في صمتْ …
     أحيانًا أحسُّ أنه يطالعني بنظراتٍ تريدُ أن تقول “أكتبِي، هاتي ما عندكِ، فضفضِي… بي طاقة لاستيعاب المزيد، صُبِّي غضبَ قلبكِ ووجعهُ… أخبريني عن حزنك و فرحك.. ضعي بصمتك الفريدة التي لا يدركها العالمون، شاركيني فرحتك و أتركي حزنك هنا و أمضي إن كان هذا يريحكِ.. تَخلّي عنه في أول لقاءٍ بيننا إن أردتي .. كَوْنِي ورقا لا يعني أني لم ألحظ الكمَّ الهائلَ من الحزنِ الدفينِ في عينيكِ .. ذالك الذي تحاولين إخفاءه بإبتسامة… رعشةُ القلم و الدمع المتساقطُ فوقي ..خطُّكِ المتغيّرُ.. توقفك عن الكتابة للحظات قد تطول.. كتاب مفتوح لباطنك “
أردت لكلماتي هذه أن تصِلكَ ولو على محضِ الصّدفة.. و إن لم تَفْعلْ و تَجِدْ طريقها إليك.. فها أنا قد فضفضت للورق و هو دائمًا خيرُ سميع… مخطئ أنت لو تظن أني أشحت حبّك أو أتوسله … أنا فقط فتاة ذات قلبٍ مثقلٍ بكتلِ حِبْرٍ سوداء… لم أجد طريقة لأخاطبك بها…
أردت أن أكتب و أقول… أنك حين تغيرت.. لم أعد أعرفك.. بحثتُ في عينيك عن سرِّ هزيمتي الأولى أمامهما في لحظة اللقاء … بحثت و بحثت و لم أجد سوى البرود.. الكثير منه…
لا طالما كانت عيناكَ مرآة قلبكَ.. لمعة الحب تشع منهما لتفضحنا.. اليوم أمعن النظر فيهما أبحث عنك.. عنا.. عن شيء كان يجمعنا وجدت نفسي أزورُ صحراءً قاحلةً لا حاجة لي بالتوغّلِ فيها لأني سأتوه و أنا أبحث عن نفسي… سأتوه و أنا أحاولة إيجاد  بقايا أو بصمة لي داخلك… يكفيني النظر في تضاريس وجهك دون تمعن لأعلم و أوقن أني لم أعد من الجبال الراسية في قلبك و لا حتى من الصخور العالقة بها ..لم أعد من الأشخاص ذوي الأهمية في حياتك… أظن أني كنت نسمة هادئة أو أشعة شمس .. موجة صيف أو عبير وردة في ربيع منسي… شيء عابر في حياتك… فصل ككل الفصول …فهمت كل هذا و أيقنته من قسوة النظرة و برود اللقاء…
الحب يصنع الأمل لا يخلق الغباء… لا أعرف كيف حدث و حلمت معك بالخلود في الحب و بالأبدية مثل روايات الحب الأسطورية.. نسيت أن الأساطير أغلبها خيالية..
   تغير باطنك و أثّر على ظاهركَ لدرجة أن  ملامحك لم تعد كما عهدتها،  إبتسامتك الصفراء المستفزة التي تصطنعها ، نظرة إستغبائك و أنت تلمحني بطرف عينك.. أنا التي كنت أرى إنعكاس صورتي في عينيك من كثرة تأملك لي.. أراك اليوم  قد تغيرت و غيرت طرقك و توجهاتك.. لا أعرف إن كنت لبست القناع أم نزعته!!  أن تكون قد تغيرت ألطف على قلبي و أشد حدّة من أن تكون قد ألفّت كل تلك التفاصيل و كذبت في كل الأقاويل… من السهل عليا القول إن الإنسان ينضج و يتغير و أحمل ذكرى جميلة في قلبي على أن أتقبل فكرة أنِي قد خدعت و كنت طفلة ساذجة و مغفلة -و هي صفات لم تكن بي يوما- و أحمل كرها لكفي قلبي إلى أبد الآبدين..
    من المؤسف و المؤلم جدا… أن أكتشف و أنا أبحث عن تفسير لتعابير وجهك الذي لم أعد أعهده و الذي لا يشبه الوجه الذي تفحصته أول لقاء… أن أجد أنك  كنت شخصا متقنا للتصنع حقيقته بشعة و باطنه أبشع.. شخص لا يستهلك الأكسجين مثلنا لكي يعيش.. إنما يتنفس كذبا… محافظتك على الوجه الملائكي أمام الجميع لم يحل أمام إكتشافي لباطنك… وحدي عرفت صُلبك و إكتشفت سوادا هائلا كنت تخفيه بالفضائل المزيفة التي تختبئ خلفها.
     الكم الهائل من الهالات السوداء التي أحاطت بك و الظلام  الكائن فيك و المنبثق منك جعل منك حجر متفحما في فوهة بركان غاضب لا مجال لإنتشالك من عتمتك إلا بتضحيتي بنفسي و هو شيء لم تستحقه… إستحال عليا إحيائك داخلي و إن أنرتك بروحي الطاهرة… وجدت أنه من المقرف حملي لجثتك حتى على للذكرى… أقول “جثة” لأنك لا تستطيع أن تكون ذكرى أحييها..  أنت شيء مظلم و كريه، شيء يثقل الكاهل و يُعيِيه … لا مكان لك في حياتي حتى بالأحلام…
 و لأفرغ منك نهائيا و أطردك من داخلي و أتجاوزك ككابوس… إخترت أكثر طريقة تروّح عني ، قررت أن أكتبك و أتركك مجرد حبر أسود على الورق… كُنتَ صوتا مكتوما في حنجرتي شيء يستغيث في داخلي،  صوت لم يقدر على التجسّدِ في شيء مسموع ،تجسّدَ في نظرةٍ مكسورةٍ .. نظرةِ حزن… صوت يريد أن يسمع و كلمات تودّ أن تُقال، تأمل بالترسخ و الخلود كلحظة قوة و شموخ ، تريد أن تضرب بقوة.. لا تريد أن تكون جملا عابرة أو أقوالا مهمشة و مهملة…
   أضعتك هنا على هذه الصفحات.. كتبتك و محوتك من فكري و تفكيري… و عُدْتُ بجرحٍ ترك حيّزا للنور ليجتاح عتمتي و يضيء دربي الخالي منك… تركتك خلفي و تركت جرحي للوقت سيلتأم بمرور الأيام …
#بقلمي
إكرام العرفاوي.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: