ترامب في ورطة أمام الشعب الأمريكي

img
محمود النجار
.
سبق وقلت بأن وباء كورونا سيطيح بترامب، واليوم بت أكثر قناعة بما قلت؛ وذلك بسبب عديد الأخطاء التي ارتكبها في مواجهة هذه الجائحة التي تفشت في الولايات المتحدة كالنار في الهشيم، وخصوصا ولاية نيويورك التي تأكلها كورونا بشراهة الحيتان الزرقاء..
وبعيدا عن الأرقام؛ فإن نيويورك تسبح اليوم في محيط لجي من كورونا، والحكومة الفيدرالية لا تلبي حاجتها من الأدوية والمستلزمات الطبية على الرغم من مناشدات حاكمها الذي صرح غاضبا بأن الحكومة الفيدرالية مقصرة وعاجزة عن فعل أي شيء للولاية التي تضم أكبر تجمع سكاني بين الولايات الخمسين الأخرى، وهي أكبر المدن في الولايات المتحدة، والعاصمة الاقتصادية لها؛ ففيها أكبر عدد من البنوك والبورصات والشركات والمصانع، وهي كذلك تضم مقر هيئة الأمم المتحدة، وما يحدث في نيويورك أكبر من كارثة وأبعد من مصيبة، فقد باتت نيويورك على شفا مقبرة جماعية!
لقد تركت إدارة ترامب نيويورك وحيدة تواجه الموت، ناهيك عن بقية الولايات، وهو ما أجج صدور الأمريكيين الغارقين في الويلات على ترامب وإدارته، لكنهم يؤجلون المحاسبة، فالجائحة لا تترك مجالا لغير الصراخ والشكوى..وليست بقية الولايات خالية من العويل والصراخ؛ فبقية الولايات تشهد كوارث تتفاوت بين ولاية وأخرى، لكن الخطر يستفحل في كل الولايات..
لقد استهان ترامب بالوباء، وصرح عدة تصريحات لا يصح بحال من الأحوال أن تصدر عن رئيس أكبر دولة في العالم وأقواها، ولا يصح أن يتصرف رئيس دولة بناء على فهمه الخاص، وهو غير متخصص لا في علم الأوبئة ولا الطب، ويبدو أنه لم يكن لديه معرفة بالأوبئة التي اجتاحت العالم عبر التاريخ وكان آخرها عام 1918 والذي مثل جائحة الإنفلونزا الأسبانية التي اختلف العالم وقتها في عدد الوفيات التي نتجت عنها، فقدرت بعدة أرقام تراوحت بين 20 إلى 100 مليون نسمة.
وكان من أبرز تصريحاته بأن هذا الوباء لا يزيد عن كونه إنفلونزا عادية ستمر بدون خسائر كبيرة؛ مما جعل الناس يستهينون بالوباء إلى أن غرقوا فيه حتى رقابهم، ثم إصراره على أن الوباء سينتهي في منتصف إبريل، أي بعد نحو 12 يوما من الآن، ثم أمام ضغط بعض مستشاريه المختصين، أرجأ تاريخ الانتهاء من الوباء إلى نهاية إبريل.. وكأن الأمر بيده، وكأنه يمتلك القدرة على إيقافه، كذلك تصريحاته حول العلاج المناسب، حيث من المفترض أن يعلن ذلك وزير الصحة أو جهة أخرى ذات صلة، فلم يحدث من قبل أن أعلن رئيس دولة اسم دواء معين لمعالجة الناس، فقد أعلن في المرة الأولى عن دواءين لمعالجة الوباء، هما الكلوروكين والأزيثروميسين، ثم أمام معارضة بعض المختصين في العقارات تراجع وصمت، ثم عاد وأعلن ثانية بعد أن تم اعتماده رسميا، وهو في هذا يشبه بعض الحكام العرب الدكتاتوريين الذين يتدخلون في كل شأن ويحلون كل مشكلة؛ ليوهموا الناس بأنهم مصدر الثقة والأمان..!!
وكان ترامب أعلن عن احتمال وضع نيويورك قيد الحجر الصحي، لكنه أشار إلى عدم معرفته بكيفية تطبيق ذلك من وجهة نظر قانونية..!!
أضف إلى كل ذلك أن إدارته كانت قد ألغت وحدة إدارة مجلس الأمن القومي للصحة والأمن العالمي والبيولوجي عام 2018، وسرحت موظفيها، مما خلق فراغا في مواجهة الأزمة الحالية، وهو ما يحسب عليه وعلى إدارته، وما يمكن استثماره من قبل خصومه السياسيين.
إن كل ما خطط له ترامب للبقاء في الحكم فترة ثانية ذهب أدراج الرياح؛ فقد راهن على الاقتصاد، وابتز العالم من أقصاه إلى أقصاه ليضع الاقتصاد الأمريكي في أفضل أحواله، وقد نجح إلى حد كبير في ذلك، لكنه اليوم خسر كل شيء ووافق الكونغرس على طلبه بتخصيص 2.3 ترليون دولار لدعم قطاع المصارف والبورصات والمشاريع الصغيرة؛ مما جعل موقفه ضعيفا أمام المستحقات الكبرى لهذه الجائحة التي دمرت الاقتصاد، وإذا استمرت فسوف تحتاج أمريكا لسنوات طويلة قبل أن تتعافى اقتصاديا حسب خبراء.
لم يستقص هذا المقال كل ما قام به ترامب في مواجهة جائحة كورونا، لكنه يضع إشارات مهمة لفهم الوضع العام في الولايات المتحدة في هذه الظروف العصيبة.. والأيام حبلى بالنتائج والتوقعات، وبعد الانتهاء من هذه الجائحة الكارثية، سيكون حساب ترامب ثقيلا، وسيتمكن خصومه مدعومين بملايين المتضررين من الشعب الأمريكي والمعززين بالإعلام المحايد والإعلام المضاد بتدمير صورة ترامب ولفظه خارج تاريخ الولايات المتحدة..
فلننتظر القادم..
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: