تخيل ! 24 ساعة مع جلادك

img

بقلم : خديجة سويسي

من داخل هذه الغرفة الصغيرة البائسة هنا حيث يوجد الكثير من الأشياء لكن تفتقد الروح هنا حيث كل شيء بارد وجاف هنا حيث غادرنا الأمل أكتب هذا النص من يدري إن كان في الحياة بقية ولكن وان بقيت فلن تكون كسابق عهدها هنا حيث أجلس بمفردي محاطة بالموسيقى الصاخبة التي أحاول من خلالها إخماد الأصوات التي في رأسي تحاول تذكيري بمعاناة الإنسانية لكنها لا تخمد.

أصوات تذكرني بعدد النساء اللاتي تتعرضن للعنف يوميا وبالقهر المضاعف الذي يمكن أن يولده وجودهن في فضاءات مغلقة إجبارية مع معنفيهم تذكرني بهذه الفرصة الذهبية لأرباب الفكر الذكوري لاعادة ضبط النساء من أجل أن يلعبن الأدوار الكلاسيكية المناطة بعهدتهن داخل المنزل.

هناك خلف تلك الجدران التي فرضها الوباء علينا مئات بل ألاف من النساء يعانين الضغط والعنف بجميع أشكاله حتى أنني كلي ثقة أنهن يفضلن فايروس الكورونا على ما يعشنه في المنزل.

لماذا أفكر بهذا ؟ ولماذا في هذه الفئة بالذات رغم تعدد الفئات المضطهدة ؟

لأن حياتي موصومة بتجربة لم أستطع تجاوزها فمنذ أن عملت كمرافقة اجتماعية للنساء ضحايا العنف مدة سنتين لم يمض يوم ولم أفكر فيهن في عذاباتهن في فضاءات العنف وأشكاله وفي الفرص التي تغذي هذا العنف.

ولعل ما نعيشه اليوم يعد فرصة ذهبية للمعنفين لارتكاب جرائمهم دون حسيب أو رقيب نظريا نقول هناك قانون يحمي النساء ضحايا العنف حتى في هذا الظرف لكن فعليا كلنا مدركات ومدركون لصعوبة تطبيق القوانين في مثل هذه الظرفية فحتى هن يخشين التواصل مع الأمن بمنطق أن الجميع متجند لمجابهة الأزمة وليس للذود عن ضحايا العنف.

دعونا من هذا ولنفكر معا قليلا في العنف الرمزي وميكانيزمات الهيمنة التي ممكن أن تجد البيئة المنعشة لها في هذا الظرف القاسي  فمجرد تصور عائلة تقليدية مجتمعة في منزل مغلق لفترة من الزمن مسألة أعدها مرعبة، استجابة لقواعد النمط المجتمعي هي مطالبة بالسهر على راحة الجميع والاستجابة لجميع متطلباتهم من نظافة وملبس ومأكل دون التذمر أو حتى التعب ولكن من يسهر على راحتها هي ؟

طبعا بعد هذه الأشغال اليومية الشاقة هي مطالبة بالقيام ب”واجباتها الزوجية” ف سي السيد ومثل ما يقوم بوظيفة استهلاك المخزون الغذائي فإنه أيضا يطالب بحقه في استهلاك جسد هذه المرأة بداية لتفريغ طاقاته المكنونة ثم لاختبار فحولته خوفا من أن يضربها الصدأ نتيجة جلوسه المتواصل في المنزل.

طبعا هذه الأفكار والصور التي تمر في ذهني والتي قد يعتبرها البعض خزعبلات أو هسترات نسوية ليست إلا تصورا ناعما للحقيقة المرة فمجرد تذكر قصة السيدة “س” التي كانت تقيم في فضاء الإيواء أثناء عملي هناك يجعلني ألعن سذاجتي أمام ما تتعرض له النساء فتفكيري ليس إلا تفكير فتاة تعد مثقفة نسبيا وتتحدث عن المسألة من برجها العاجي لكن هي لم تكن كذلك هي عاشت العنف والاغتصاب الزوجي وحتى أن زوجها حين يسأم من جسدها لا يتوانى في اغتصاب جسد ذلك الطفل النحيل الذي سجل في دفاتر الحالة المدنية على أنه ابنه فاعتبر هذا التسجيل صك ملكية بموجبه يستطيع استهلاكه هو الأخر كما يفعل مع أمه.

ثم تقطع هذه الذكرى مشهد راقص يعد من أقوى لحظات التراجيديا التي عشتها في ذاك الفضاء امرأة غاية في الجمالة والرشاقة ترقص مدة ساعتين دون توقف على أغان شعبية من التراث التونسي ترقص وتضحك ضحكة تحمل من الألم بقدر ما تحمله من إحساس بالتحرر من القيود في ذلك الفضاء كان مشهد غريبا بداية لمعرفتي بمدى الخجل والانطواء الذين عاينتهم في هذه السيدة ثم لما تتطلبه ساعتان من الرقص من طاقة جبارة ثم تقطع هذه الذكرى تلك الجمل الأخيرة التي سردتها على مسامعي “مادام أنا غدوة مروحة لدار بابا كيما طلب أما ماعادش بش يخليني نرجع بش يهزني ليه مرة أخرى وبش يطلب منو السماح خاطرني خرجت من دار ولد عمي وبش نرجع نعيش معاه هو وصاحبتو وبش يرجع يعذب فيا أما ميسالش مادام بابا راضي نعرفك بش تقلي ماتمشيش اما ما انجمش نغضب بابا وما انجمش نشكي بمولى بيتي الشطحة هاذي خرجت فيها ضرب واهانات سنين وتو لازم نرجع اما راني اول مرة نحس بالفرحة هاذي ونشطح من غير ما يوقفني حد وراني ماعادش بش نشوفك في حياتي مرة اخرى اما نحبك برشا” ترى ماذا حل أوقد يحل بهذه المرأة خلال الحجر الصحي العام وجلادها يلازم المنزل؟

والقصص عديدة ومختلفة والنساء والأطفال ضحايا العنف كثيرات وكثر فقط فكرن وفكروا معي ماذا يمكن أن يعشن ويعيشوا في فضاءات مغلقة مع جلاديهم عن نفسي أحاول كبح عقلي عن التخيل أو التفكير قدر المستطاع لأنني واثقة أن مجرد التعمق في تصور المسألة قادر على خلق عاصفة في نفسي العليلة نتيجة ما سمعت من قصص عنف في حياتي.

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: