تحرّر من الجوع أم عبوديّة لغريزة البقاء

img

فاطمة بنمفتاح

ناشطة حقوقية نسويّة

تحرّر من الجوع أم عبوديّة لغريزة البقاء

من افراط الأقليّة في الاستهلاك الغذائي إلى تعرّض دستة سكّان العالم إلى أمراض سوء التغذية ونقص النمو.
تناقض أساسي ورئيسي يحدّ من بلوغ وحدة بشريّة في مواجهة الأزمات الانسانيّة.
فلئن وضع فيروس كورونا الانسان في مواجهة مباشرة لألم معنوي واهتياج عاطفي حاول التعبير عنه باحتياجاته الفيسيولوجية، ولئن اختزلت هذه الحاجيات الفيسيولوجيّة أساسا في الحاجة للغذاء فإنّ بلوغ هذا الحقّ الأساسي ليس ملك للجميع.
جعلنا هذا الوباء الصادم للعقل وللعقلانية والمحرّك للمثيرات الحسيّة والانفعاليّة في مواجهة مباشرة وعمليّة للاّعدالة واللاّمساواة التي تطبع النظام القائم.
فمن بديهيات وشروط إتاحة الغذاء للجميع أن يكون سعره بالمستوى الذي لا يهدد تلبية بقيّة الاحتياجات الأساسية الأخرى.
سنطرح سؤال ساذج بديهي غايته تفكيك المفكّك: هل تستطيع جميع الطبقات بلوغ حقّها في الغذاء من خلال فعل الشخص نفسه؟ ودون تدخّل لطرف ما لتوفير هذه الحاجة؟ وهل يبلغ الجميع مستوى معيشي يمكّنهم من تحقيق جميع الاجتياحات الحياتيّة والانسانيّة؟

فالكفاية والاتاحة من أوّل شروط توفّر الحقّ في الغذاء للجميع.
ولا يمكن لعنصر التوافر أنّ يتمّ دون امتلاك الانسان ووصوله للموارد الملموسة والضامنة لتمتّعه بشروط العيش اللائق ومن بينها الحقّ في الغذاء.
فالحقّ في الغذاء الذي قد يتوفّر نسبيّا بقدرات الفرد الذاتيّة أو بتدخّل أطراف أخرى لعجز الشخص عن بلوغه هو بالأساس لم يتجاوز أن يكون سعي للتحرّر من تهديد الموت جوعا.

صناعة الجوع

لم يعد للنظام الرأسمالي العالمي ما يقدّمه من تنازلات لصالح الطبقات الأكثر فقرا حتّى احتدّ التصنيف الطبقي وبلغ أوجه باعتماد سياسة صناعة الجوع والتفقير، فقد احتدّ صراع الأضداد داخل علاقات الإنتاج وبلغ التناحر الطبقي أقصاه.
لنجدنا أمام الحاجة للتحرّر من الجوع لضمان عدم الموت والاستمرار على قيد الحياة لا الحقّ في الغذاء للجميع.
ومايقتضيه هذا الفعل الأوّل “التحرّر من الجوع ” من تسويق للنجاة الفرديّة، غايته القضاء على بوادر الوعي الجماعي الطامح للوصول لامتلاك الموارد الملموسة للضامنة للتحرّر الإنساني.

فالاستمرار وعدم الموت جوعا هو قارب النجاة، الذي يقتضي موت البعض لسلامة البعض الآخر.
نعم هذا ما يسوقه رأس المال بدعوى الحفاظ على طاقات البنية الايكولوجيّة لضمان استمرار الانسان مستقبلا على حساب الاغلبيّة الساحقة التي قد تدمّر بنموّها السكّاني المتزايد بنية الأرض الايكولوجيّة.
نوع من الشعوذة والخرافة التي تدعم الأساس المادي للنظام الرأسمالي”الربح قبل الانسان”
رأسمال الذي يبني ويروّج لأخلاق حديثة قائمة على العقل المتجرّد في مواجهة لأخلاق الميتافيزيقيا.
أخلاق العقل المتجرّد من المشاعر القلقة تجاه حقوق جميع البشر في المساواة.

صناعة الوعي بالجوع

تتحوّل الرغبة في البقاء إلى أساس الابتزاز والاستغلال وتصنع الحاجات الانسانيّة حسب مايقتضيه قانون البقاء في ظل نظام طبقي يعيش في ظلّه أغلبية سكّان العالم تحت سيطرة شبح الفقر والخوف من الموت جوعا.
فصناعة الجوع تقترن جدليّا بصناعة الوعي بالجوع.. هذا الأخير الذي يرتبط بدوره بصناعة الجهل والخوف والتبعيّة.
فالجوع بماهو حالة تحفيزيّة يبقي الانسان في تبعيّة لنظام التجويع، من أجل بيع قوّة العمل وتجديد بيعها.
إنّها الحاجة للاستمرار والتحرّر من الجوع تقود الانسان إلى عبوديّة الغذاء لا الحقّ في الغذاء.
هذا الحق في التحرّر من العبوديّة إلى العبوديّة يصنعه النظام القائم بما يمتلكه من أدوات وعي.
أزمة الاستمرار هي أساس التطاحن الطبقي تنسحب على النظام أيضا.
فاستمرار النظام رهين قدرته على تشكيل الوعي وصناعة القيم القائمة على الأنانيّة والتنافسيّة ومزيد من سحق المفقرين لبعضهم البعض من أجل رغيف.

إنّه التناقض الرئيسي، التناقض الطبقي الذي نلمسه بكلّ وحشيّة في عدم بلوغ أغلب سكّان العالم لإخماد جوعهم
هذا التناقض الرئيسي الذي قد يكون مصحوب بالوعي الطبقي أو ببوادر الوعي الغريزي.
هذا الوعي بالجوع الذي قد يتحوّل إلى دافع ومحرّك للوعي الطبقي.
فوعي الأغلبية بالحقّ في العدالة والمساواة لبلوغ الموارد رهين الوعي باستلاب رأس المال للماهية الإنسانية والدفع بالإنسان للخضوع لقانون الاضطرار والاغتراب.
رهين الوعي بالحق في المساواة في بلوغ الرفاهية أوّلا…

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب سميرة ربعاوي

سميرة ربعاوي

طالبة دكتوراه قانون خاصّ ، اختصاص قانون الشغل (الحماية القانونية للمرأة في قانون الشغل ). ناشطة حقوقية نسوية

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: