“تجليات على حافّة التجريد ” لبسمة المرواني والبحث عن موقع المريد

img
Share Button

  “تجليات على حافّة التجريد ” لبسمة المرواني والبحث عن موقع المريد

بقلم : عمر سعيدي 

تعتبر قصيدة ”  إيقاعات على وشائج السكون ”  لبسمة المرواني في مجموعتها الشعريّة ”  تجليات على حافة التجريد ” قصيدة  مؤسسة لتجربتها الروحية بل إنها لتكاد  تعينك على فهم جل ما جاء من فكر وأحاسيس ورؤى وذوق وحب وجمال في التصوّف . فمن خلالها يمكن أن نتعرف على تجربة التصوف التي   تعايشها الشاعرة اطلاعا ودراسة وتعرفا وكتابة ومنها  ندرك أن بسمة المرواني شاعرة تحاول أن تكون  متمثلة لروح التصوف في الشعر. تحيل بتجربتها هذه  على الشيوخ  الكبار كابن عربي والحلاج والسهروردي . فهم مرجعيتها . من كتبهم نهلت وتعلّمت .، محاولة أن تتذوق تجربتهم وتستوعبها ،لتستدعي بعد ذلك  رؤاهم الفلسفية وتستخدم  معجمهم  اللغوي ومرجعيتهم العرفانيّة ،  لأن المدخل إلى عالم المتصوفة  كتبهم . وتعرف تجاربهم صعب فلا بدّ من الاستعداد لذلك  استعدادا  كاملا . وإن اكتفت  بسمة المرواني برموز المتصوّفة دون الإشارة إلى  كلّ مريديهم  فإنها لا شكّ قد اطلعت على تجارب المحدثين والمعاصرين  منهم . وهي لا  بالشيخ و لا  بالمريد ولكنها  تحاول أن تجد لها موقعا  ومكانة في سلم معارفهم. وهو موقع القارئ الباحث المتذوق الراغب في عيش  تجربة التصوف والنهل من كتبه والساعي إلى أن يكوّن له  مسلكا خاصا غير مسلك القدامى   ولا المحدثين .

إن الكتابة في مجال الشعر  الصوفي  عند بسمة المرواني هو نوع    من عناء واحتراق  .و هو محاولة  لعيش التجربة وتمثلها . ولعل نشوء تجربتهم الروحية  ناتج   عن ردة فعل  تجاه المؤسسة الفقهية  التي تؤمن بالمثال الذي نشأ عبر التاريخ   وتقدس حتى صار لا يمكن التصرف فيه .وهي نظرة تحترم ظاهر العالم في ظاهر النص ولا تسعى  لتأويله خارج ما تقول اللغة في معناها الأول . ومنشأ  أخذها أي بسمة المرواني بروح التصوف في الشعر  ناتج  عن رفضها  للواقع المتشيء الذي  . وهي تسعى إلى التطهر من دنس العالم  على مستوى المشاعر والرؤى . وتتجنب التجزئة هروبا  من ضيق الروح  بالجسد حتى تنفتح على مجال أرحب للتعبير . لأن في الالتزام بظاهر الأشياء والرؤى  موت الشعر. وفي التوق إلى الأسمى تحرر  وسعادة ونماء وخلود . وتعبر هذه القصيدة  عن رؤية الكاتبة وفلسفة وجودها .ويبدو لي أن قصائدها   تبحث في هذا الصراع  . وهي تواّقة نحو المطلق الخالد ،الجميل ،الحر ،السعيد . ديدنها  المعرفة والاطلاع  ثم الهضم  بعد ذلك  لهذه التجربة الروحية. والسعي  بها  نحو خلق رؤية شعرية  تؤسس إلى فهم جديد للعالم والإنسان . وهو صراع نفسي ومعرفي وحياتي وذوقي  بين ما قرأت ففهمت وما فلسفت . وما  انفعلت به لتكون  كيف تريد .,

ويمكن أن نلخص تجربتها الصوفية  في هذه القصيدة  في هذه الكلمات .

 تحمل الشاعرة  معولها وتسير.  و المعول أداة هدم وبناء وحرث وزرع . تهدم كينونة قديمة وُلدت بها لتصوغ كينونة جديدة  قوامها عبير الله وفضاؤها حدائق الناسكين .ومن هذه الخلطة العجيبة  ،نفس الله أي تقديس جوهر الإنسان وفهم المتصوفة  لروح الله لتصوغ   كيانها  الجديد الذي  يتعالى عن جوهر الطين المحكوم   بحتمية الموت والبلى . وهي  الصفة البشرية المحكومة  بخبث بشريتها كما تقول ، وما تعنيه  من سجن الروح  داخل الجسد وداخل الوجود  المحكوم بالفناء . وللتخلص من كينونتها هذه  عليها أن  تميت الأنا  الفردية وتسعى إلى المطلق  متصلة بروح الله  ونفسه. آخذة بالحلم واللحن  المنبعث  من عود المتصوّفة   حتّى تذوب  في محبة الله  والوجود الكلي. وعلاقة   الشعر الصوفي بالغناء والموسيقى   معروفة إذا تخلص هذه الأجواء  الإنسان من سجن المادة.  و تطير به نحو الأعالي   فيحلّق في المطلق ويفنى فيه . ولن تحصل هذه التجربة للراغب فيها إلا إذا اهتدى  ببوصلة  شيوخ التصوف   وأخذ  من أنوارهم واستلهم  رؤيتهم   وعاش تجربتهم  حتى  يقترب من منزلتهم  . وإذا ما نجحت  التجربة  في  فهم  إيقاع القدسي و تشرّب  أنواره و ترانيمه والتطلع إلى مرايا السماء بحثا عن نور الذات الساجدة إلى الله المطلة على الماوراء  ، يصمت اللسان ويخشع  القلب و تنعدم اللغة  الرمز .  وتنشأ إشراقات الروح .هنالك في تلك اللحظة  يصبح الجزء كلا ويفنى الحادث في الجوهر الخالد..

تقول بسمة المرواني :

 لأكتب سفر الصالحين

كانت آيات من هبوب الخصوبة  تتلى  هناك

حيث عشب  الضوء  يسترق طعم الظلام الكريه

الله أنت الرقيب

مولاي أنت الجميل

وعند عتبات السمو

…………………………….

أمسكي بقدم الروح والعقيها على مهل

متوسلة أشرعة السكون في بحار الطيبين

…………………………………….

وتظل بسمة المرواني في كل قصائدها  تستنطق  متون المتصوفة  لتفهم  وتستوعب وتتمثل  وتنسج منوالها   الخاص.

Facebook Comments
Share Button

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً