تأمّلية استبطانية من سيكولوجيا الوباء 

img

هل ظلّ من باقي الأمل الكثير؟

 تأمّلية استبطانية من سيكولوجيا الوباء 

منير بلقاسم

 هل تظلّ هكذا قابعا تتابع حمّى الوباء ، أخباره ومآسيه ، مضيفا إلى وحدتك همّا وغمّا وهواجس لا تحصى ولا تنتهي !

ما نفع أن تصبّ وقتك في دوّامة من أراجيف الخوف وأهوال الوهم حتى كأنه أسقط في يدك ، وأنّك

هالك لامناص…كأنّه كتب عليك أن يكون موتك وشيكا بالغياب فتحسّ أنك مُتَّ بعد :

ـ مُتَّ وأنت تتابع قاعدة بيانات الفتك لهذا الشبح القادم دون هوادة / ـ مُتَّ وأنت تطوي سباقات التقصّي خلف كل لقاح ودواء / … وأنت تتشرّب لاهثا دعوات الحكماء والمختصين لتتّبع حِمْيَة ناجعة تقوّي جهازك المناعي / ثم وأنت تحصي مؤونتك من الغذاء بعد كل تصريح مخيف وكل تلويح بتفاقم الحالة وخروج الوضع عن السيطرة هنا وهناك.

هكذا إذن : لقد سُوِّقَ إليك موتك وأنت في بيتك / قتلوك وعينك تنظر ، أذنك تصغي ، وقلبك مهموم

في صمته واجل يرتجف !

فهل أنت بعد أكثر من حزمة أعراض بلا جوهر: لا ماهية ، لا أبعاد / كائن من اللّامعنى في فضاء من العجز والتردّد والخوف / هندسة دون إحداثيات وفراغ من العتمة والرعب !

فماذا بقي لك من شرعية الوجود وقصديّة المعنى :

هل إلّا وجه شاحب ينتظر يائسا عودة الروح إلى النضارة والآنتعاش ؟

تقرأ عبر وحدتك صحائف ذاتك وتنظر في عمقك البعيد إلى شحوب لوحك المحفوظ / تستبطن خيرات جمّة ، لكنّ أدناها إلى قلبك كان الريبة والخوف من قادم لامعلوم !  وإذا بك فجأة تتدبّر أمر اللغة في تراثها البلاغي فإذا حزمة من إنشاء الكلام تطفو من غياهب ذاكرتك المنسية كهودج بائس : تستعيد أذنك تعبيرات القذاعة : ” ويحك ، ثكلتك أمّك ، الويل الويل يا يُمّا ”  هكذا تبدو لك الكلمات مفعمة ببأسها ، طافحة بكفن التهويل ، ومثخنة بعويل الكدمات. لكنّ روحك المُغالِبة تعاسَةَ الحاضر لا تنظر إلّا إلى فردوس الممكن المتبجّح بذاكرة حواسّه وخبراته الماضية : المستقبل توقّع مزهر والماضي أبّهة حسّ وبهرج أثيل ، أمّا هذا الحاضر الكوفيدي فهل هو إلّا وهم ولا ديمومة ، وهل يذخر في غموضه المترف إلّا وَهَنَهُ وأسباب فنائه ؟

تحمل كتاب حياتك بيمينك وتنهض نهوض بروميثوس كاشطا شظايا النار مولولا في عزّة وفخر :

ـ ” ملء عيني أعراس موج وهفهفة من ريح الصّبا / قبالتي بساتين وريّ : ريم على المدى صبوح ، حفلة من دوال وعزّة من أعناق النخيل !

تهتاجك الأماني وتّأْسَرُكَ آفاق هل من مثيل ! تحلّق بازٍ وأيّ عنفوان / تميل فإذا قلبك دليلك وترفع يديك فيرفدك الرب : إلهي قد جعلوا لهذا الوباء مدّا وعدّوا من شأنه عدّا فكأنّهم غفلوا ما للجبال من شأن أن تميد الأرض بهم ولا تستقيم ! إلهي ، ووعدك منصف ، أن تجري الرعد فيهم بأسا وشدّا ، وأن تسدّ بقصفه آذانهم سدّا ، وأن تعقر أنوفهم الجامحة وقلوبهم الغافلة عن سطوة ملكك وبأس حكمك ، علّهم عن غيّهم يرجعون وعن زيف بطلانهم يتوبون ! ”

 

 

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: