تأملات في الصورة الفوتوغرافية المعاصرة ” عثرات” لعبد الرحيم حمّام أنموذجا

img

تأملات في الصورة الفوتوغرافية المعاصرة

” عثرات” لعبد الرحيم حمّام أنموذجا

بقلم :هيبة مسعودي 

                         

   

 

                            

إنّ الفوتوغرافيا تحمل دائما مرجعها معها، كلاهما مدغومان بنفس الجمود العاشق أو الجنائزي، في قلب عالم دائم الحركة: هما ملتصقان الواحد بالآخر، عضو بعضو.” ( بارط، الغرفة المضيئة، ص11) هكذا دوّن رولان بارط حول الفوتوغرافيا المعاصر وما يمكن أنْ تهب من دلالة. كلام على أهميته علينا اختباره وتجريب المسالك الدلالية للصورة الفوتوغرافية المعاصرة في دروب المعنى منتقين صورة “عثرات” للفنان الجزائري عبد الرحيم حمّام كحقل تجريب حمأ يمكننا من التوغّل في ما يُعرف بتأويلية الأثّر الفنّي. فما الذي تحمله عثرات في جعبتها الدلاليّة؟ وأيّ عوالم يمكن أنّ يجرّنا إليها حمّام من خلال هذا الأثّر الفنّي؟ وهل ثّمة قول فلسفي يمكن أن تبوح به الصورة الفوتوغرافية المعاصرة؟

” عثرات” صورة تجاهر ببساطة المكونات البصريّة: زوج أحذية لولد اكتشفنا جنسه من اللون الأزرق السموي، لم يتجاوز سنته السادسة حسب حجم الحذاء. غيرأنّ البساطة تحمل عمقا ما في طيّات التفاصيل وتأويلها. فتلعب مع المتلقي أحجية كشف الهويّة، وكأنّما هي تغرر به قائلة” لما لا تتجرأ على التفكير وتكشف من أكون، في جعبتي الكثير من الحكايات الشيّقة… تعلّم الغوص في أعماق الفكرة لتكتشف الدُرّر

إنّ وضعية زوج الأحذية المائل تحدث بينه وبين وضعيّة أحذية فان غوغ الفرق، فلا شيء قوي صلب يمكن للفنان الفوتوغرافي المعاصر أن يجعله قوة ارتكاز، حتى الأرض ما عادت تسمح بذلك، خاصة في أوطان غدا الميلان وعدم الاستواء عناوينها. هذا الحذاء الصبياني لا يكتفي بالميلان وإنّما يتخذ لنفسه وضعية فارقية تتأرجح بين الأعلى والأسفل، بين الاكتمال والعطب، جدلية أحالتنا عليها الخيوط البيضاء التي تخبرنا شبه استقامتها وكأنّما يدٌ متخفية تشدّه إلى الأعالي، غير أنّه ثّمة جاذبية من جهة الأسفل تجعل الحذاء يتوسّط الصورة بين المنزلتين. لمن هذا الحذاء المعطوب رغم جدّته؟ أليس من الأجدر أنّ نتساءل عن ملكية الأحذية؟ أهو ملك لنفسه، أم ملك للفنان؟ أم هو حذاء يعشق الحقيقة الأنطولوجية ليبقى على ملكيته صاحبه كدال فوتوغرافي؟

ثّمة في صورة الحذاء لهذا الطفل شيء من البونكتوم أي ذلك الوخز الذي يزّج  إلى النبش في ملكيّة مسكوت عنها، ومنها في هويّة طفل تاركا حذائه بين الاكتمال والنقصان، مرفوع إلى الأعلى كأنّه في حالة انتشال ولعلّ هذا ما يخلق لدينا بونكتوما قويّا وفق ما يعرّفه بارط” توجد الكلمة في اللاتينية لكي تشير إلى هذا الجرح، هذه الوخزة، هذه العلامة التي أحدثتها آلة مدببة…( بارط، ص29) هي صورة ليست ككُلّ الصور، فيها وخز ما، لا يجعل الناظر يمرّ دون أن تشدّه فكريّا، لأنّها قابلة للانفجار الدلالي، فهي لا تنتمي إلى الآثار الفنيّة المانحة “للمتعة الجمالية الحقيرة” على حدّ عبارة أدرنو ، متعة الجميل المسلي، بل تحدث زلزالا داخليّا متعلق بذاك الحذاء الذي أُبتُلي بالانشطار.

يرحل بنا الخيال إلى أبعد من سطح الصورة الأسود، تزرعنا المخيلة في باحة أرشيف صور العالم المعاصر، لعلّ في تقصي الذكريات المصوّرة نعثر على ما يحيلنا على صاحب الحذاء. كتب فيلسوف الفوتوغرافيا بارط ما يلي”هذا الارتباك هو في عمقه اختلال الملكيّة، قالها القانون بطريقته: من يمتلك الصورة؟ هل الموضوع( المصوّر)؟ هل هو المصوّر؟ (بارط، ص 17) ” إرباك يجعلنا نؤمن أنّ الأشياء لها علم فراسة خاص بها، وإلاّ كيف لنا أن نعثر في مراجعنا الثقافية والاجتماعية على صاحب هذا الحذاء اللغز، ثّم هل ثّمة علاقة بين الحذاء وملتقطه، لماذا آثر عبد الرحيم حمّام أن يخلق من هذا الحذاء دون غيره أثرا فنيّا؟

يحدث أن تحظى الأحذية بمرتبة أنطولوجية  متميّزة تجعلها غير قابلة للانتعال، وإنّما للتأويل الفنّي، كما حدث أن تحولت علب بريو لآندري راهول إلى عمل فني مدرار في الفنّ المعاصرة. فثّمة في الفنّ المفهومي خاصة، شيء من “إعادة التشكيل” Transfiguration كما ينوّه إلى ذلك آرتور دانتو. وحذاء “عثرات” لم يعد معد للمشي ولا للعرض في واجهات المغازات،  لقد اقتحم عالما استطيقي الدلالة  لأنّنا اكتشفنا مع نيلسون غودمان العوالم المتوازية في صيغة الكثرة.

في مقال تحت عنوان” دريدا: تفكيك اللوحة أو هل ثّمة أشباح في أحذية فان غوغ” تكتب أمّ الزين بنشيخة المسكيني ” يحدث للأحذية أن تؤجج الفلسفة وأن تكون موضع خصومة شديدة اللهجة بين أقطاب الفكر الانساني.[i] ” دريدا مفكك أحذية فان غوغ في كتابه الحقيقة في الرسم ورولان بارط في كتابه الغرفة المضئية آرتور دانتو من خلال إعادة تشكيل المبتذل وغيرهم كُثّر، يلتقون في باحة الوغى الدلالي لتبديد سيميائية هذه الصورة الفوتوغرافية، فتتكثّف الأسئلة الإشكالية أيكون الحذاء معروض للبيع؟ فراضية جدّ هزيلة لأنّه ممزّق وإنّه من الغباء شراء حذاء ممزق. أيكون هذا الحذاء للأحد المخيمين في مخيامات اللاجئين؟ فراضية تجهض نفسها بنفسها، لوكان كذلك لكان الحذاء مهترئ إهتراء هذه العوالم التي أراد لها الإنسان أن تبقى على هامش الإنسانية، ونحن نعلم حال الأحذية الطفولية في هذه الأمكنة. أيكون حذاء أيلان الكردي الذي حدّثنا عنه فتحي المسكيني في الهجرة إلى الإنسانية قائلا ” ثلاث سنوات كانت تكفي كي يتحوّل إلى “مهاجر” نحو أوروبا. هل يجوز حقا أن نتحدّث عن طفل مهاجر؟ لكن جثمان أيلان الكردي، وهو ملقى على وجهه في رمل الشاطيء التركي الذي تركه وراؤه. “( فتحي المسكيني، الهجرة إلى الإنسانية، ص200)  هاهنا يتضاعف البونكتوم كما يعرّفه بارط “وخز، ثقب صغير، بقعة صغيرة ، قطع صغير- وأيضا رمية نرد” حيال هذه الصورة الفوتوغرافية.

ثّمة وجع يسكن تفاصيل الصورة، نقترب من تفكيك أركانه لأنّ حذاء “عثرات” يحملنا إلى  سردية متعثرة أراد لها الفنّان أن نستدل بها على واقع مأزوم تحكمه التناقضات الصارخة ليكون هذا الزوج من الأحذية أمارة وجودية على وجع ما يسكن المبصر الذي لا يقف على حدود البصر وإنّما يجعله ديباجة لرحلة تبصّر تجمع بين الفنّ، الفلسفة، و السياسة فكما يقول فتحي المسكيني “إن ما طواه أيلان و هو ملقى على وجهه في الرمل هو صفحة الانتماء. لم يعج ثّمة ما ينتمي إليه الأطفال في المستقبل. إنّ حاضرنا قاعة انتظار رهيبة لما لا يحدث أبدا: المستقبل. ” (المسكيني، ص202) حذاء نظيف قد أتقنت مياه البحر العناية به وزاد ملحه في بريقه، لكنّ ظل ذلك الانشطار دلالة على حادثة ما تفيد تعطّل الحياة هناك في بحار الضباب الإنساني. أمّا وضعية حمله فهي وضعية عمليات الانتشال. حذاء يهرب من عالمه الخاص، يهرع إلى عوالم الفوتوغرافيا المفهومية ليكوّن مساحة تأويلية  ويبقى الحذاء أمارة وجود قد وئد في غفلة منا.

هاهنا حريّ بنا القول أن الفوتوغرافيا المفهومية لم تعد صالحة للمشاهدة، بل لتعدد التأويلات وثراء المقاربات لأنّ الفنّ المعاصر برمّته معدّ للفضح والمقاومة فلولا البونكتوم “تلك المصادفة التي توخزني( ولكنها تؤلمني، تطعنني).”( بارط، ص29) في هذه الصورة الفوتوغرافية المعاصرة، لما صُوّبت الفكرة قبلة وجع الطفولة التي وئدت في بعض الأوطان التي لم تعد قابلة للسكن، بل غدت ثقوبا سوداء تمتص الحياة فيكون الحذاء قارب هجرة لاستقبال الحياة أين تشرق من جديد في ما وراء البحار. فكانت الفوتوغرافيا فرصة لتأريخ هذه الفظاعات وإنتشال الوجود من النسيان والاندثار.

 

 


الصورة المرفقة : عثرات ، 2016

[i] بنشيخه، أمّ الزين، ” دريدا: تفكيك اللوحة أو هل ثّمة أشباح في أحذية فان غوغ؟، في الكتاب الجماعي مؤانسات في الجماليات، منشورات ضفاف، دار الأمان، كلمة، منشورات الإختلاف، تونس، الرباط، الجزائر، بيروت، ص2000.

 

السيرة الذاتية

الإسم: هيبة

اللقب: مسعودي

تاريخ الولادة: 22 ماي 1988

الجنسية: تونسية

الصفة : طالبة باحثة في مرحلة الدكتوراه

البريد الالكتروني: messaoudi_hiba@hotmail.fr

الهاتف:25795702

 

المسيرة العلمية:

2006/2007: باكالوريا آداب بملاحظة قريب من الحسن

2007/2009: مرحلة تحضيرية في المعهد التحضيري بتونس

2009/2011: الأستاذية في الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والإجتماعية بتونس بملاحظة حسن

مشروع التخرج : الموسيقى بين فاغنر ونيتشه

2012/2014: ماجستير بحث فلسفة معاصرة بملاحظة حسن جدا

المشروع باللغة الفرنسية

Savoir , pouvoir et liberté d’après La vie de Galiléé

2014/2019 : دكتوراه في انتظار المناقشة

عنوان الاطروحة: مقاربة جمالية لأزمة الفنّ المعاصر

 

 

الكتب والمقالات:

الكتب:

 

الدراسات والمقالات بالعربية:

 

_ أزمة الفنّ المعاصروالصناعة الثقافية، مركز نهوض للدراسات والنشر.

_أزمة الفنّ المعاصر بين جدلية الديمقراطية الثقافية و الديكتاتورية الذوقية، أنتلجنسيا للثقافةوالفكر.

قراءة في كتاب الفنّ والمقدّس، مؤسسة مؤمنون بلا حدود 

_التّعلم البيولوجي أو في ترحيل التربية من المدرسة إلى البيت، أنتلجنسيا للثقافة والفكر.

_ الشذرة الأولى في الموت الوبائي، موقع تفكرّ الجزائري.

 

 

 

 

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: