بَلطة التّونسيّة، أيقونة الثّقافة والتّاريخ

img

بقلم : جابر السّلامي

مُستندة إلى جبل بُوقطران بالشّمال الغربي التّونسي أين تُطلّ على سهول بوسالم ووادي مجردة بكامل رونقها الضّارب في التّاريخ، كانت قرية بلطة ولا تزال منبرا ثقافيّا وحضاريّا تتّجه إليه الأنظار والعقول الظّامئة للإبداع من كلّ الجهات.والبصمة الثّقافيّة البلطيّة موسومة بالتّراكمات الحضاريّة للشّعوب التي استقرّت بها منذ آلاف السّنين ودليل ذلك آثار الدّلمن أو ما يعرف بالغريفات والباب الغربي والصّهاريج الرّومانية وبقايا الجابية الكبيرة وقد تمّ تصنيفهم كمعالم أثريّة بتاريخ 1 مارس 1905. وآثار السّور البيزنطي ما تزال قائمة تشهد على أهميّة موقع بلطة الإستراتيجي، ناهيك أنّ هيكلة الآثار الرّومانيّة وترابطها وتقنيات توزيع المياه والعيون والآبار دليل على ارتقاء بلطة لمرتبة البلديّة في العهد الرّوماني وتطوّر الصّناعة والأنشطة الحضريّة بها.

كما استقرّ الأمازيغ ببلطة وهم بُطونٌ من بربر وزداجة لهم نزعة تحرُّرِيّة ثوريّة، فقد ذكر المؤرّخ الرّحالة أحمد بن أبي يعقوب في كتابه البلدان:”وَيَلي مدينة باجة قوم من البربر يُقال لهموزداجة ممتنعين لا يؤدون إلى ابن الأغلب طاعة “. وكان ذلك أثناء حكم إبراهيم ابن الأغلب في القرن التّاسع.

وبلطة أرض تكثر فيها الخيرات الزّراعيّةوالأشجار المثمرة، ففي القرن الحادي عشر كان الولّاة من بني علي بن عبد الحميد الوزير يتسابقون ويتنافسون للفوز بولايتها لما تتميّز به من جودة فاكهة وثِمار خاصة عنبها وقد ذكر ذلك البكري في كتابه المُغرب في ذكر بلاد إفريقيّة والمغرب. كما تتميّز بلطة بجودة مياهها وكثرة عيونها الدّفّاقة التي شكّلت موضوع دراسات وبحوث قامت به لجنة دراسات فرنسيّة سنة 1902 خلصت إلى الإقرار بنقاء مياهها التي صنّفت ضمن الأكثر جودة في كامل التّراب التّونسي.

مثّلت بلطة قِبلة للحركات الصّوفيّة بتونس منذ أوائل القرن الحادي عشر، واستقرّ بها الشّيخ المبارك أبو عفيف صالح البلطي (توفي سنة 1271) لنشر تعاليم الإسلام والحركة الدّعويّة وكان من أصحاب أبي سعيد الباجي أحد علماء الدّين المتصوّفين. فكان أن وجد في مرتفعات بلطة مكانا ليتعبّد ويختلي وينشر قيم وتعاليم الإسلام بين النّاس وضريحه موجود ببلطة حيث يقام مهرجان ثقافيّ سنويّ يحمل اسمه. وبصمة الحركة الصّوفيّة في بلطة واضحة المعالم منحوتة الأثر، ما جعل المستشرق الهولندي “شيلدر كيس” يقيم بها من أجل كتابة أطروحته (صدرت سنة 1990) التيتطرّق فيها إلى الأنثروبولوجيا الدّينيّة والثّقافيّة في المناطق المحلّية واختار الثّقافة الإسلاميّة في بلطة موضوع بحثه. ولأهالي بلطة نزعة إبداع في شتّى المجالات، خاصّة الإبداع الكتابي حيث تمتاز بشُعرائها ورِوائِيِّيها على غرار الأساتذة: الهاشمي البلطي وسيف الدّين العلوي ومعز العكايشي ومحمد الهادي البلطيوعبد اللطيف العلوي وفؤاد الحمدي، كما تشهد حَراكا أدبيّا شبابيّا ومثال ذلك الشّاعر والقاصّ الشّاب نذير القادري.

لا يزال تاريخ بلطة يبوح بأسراره، منارة مشعّة يهتدي بها الباحثون عن المعرفة، لكن هذا لا يحجب ما يحتاج إليه حاضرها حيث يطالب أهاليها بحقوقهم كتشغيل الشّباب وإرساء منظومة صحيّة متكاملة ومعهد ثانويّ حتى لا يتكبّد أبناؤهم عَناء التّنقل إلى المُدن المجاورة للدّراسة إضافة إلى المطالبة بعَصرَنة البُنية التّحتيّة وفكّ العزلة عن المناطق الرّيفيّة، فهل يَشفع تاريخ بلطة لِحاضِرها؟

 

 

 

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: