بيپولار لأمين الحسيني ، ثنائية الصراع و التميز – أمل الأصقع

img

في الوقت الَّذِي يسعى النّاس لتثبيت أقنعتهم، إشتغلت سارة على تجريد ذاتها و تعريتها…
سارة بطلة رواية “بيپولار”، كاتبة مسرح، شابة متمرّدة، لها مشكل نفسي، حسب ما يراه المجتمع من حولها، غريبة الأطوار، مزاجيّتها المفرطة صنعت منها طباع استثنائي يجعلها ترى في نفسها اختلافًا عن باقي من حولها، اختلافًا يميّزها كليًّا عن مجتمع اختارت هي أن تدوسه و تمضي قدمًا دون أن تعير للناس اهتماماً و لا لانتقاداتهم التافهة البالية. لكن مشكلة سارة الحقيقية تكمن داخلها، في صراعها مع ذاتها الممزقة، يجرفها ماضيها اللعين الى دوامة الحنين الى الحبيب و بين تعاسة طفولتها التّائهة في أزقّة الحسرة و الإنتقام… حيث انتهى بها الأمر في عيادة طبيب نفساني.
“الفن هو السِّلاح الوحيد الَّذِي نواجه به مجتمع البؤس و أنّه فقط على الإنسان أن يكتشف موطن موهبته ثمّ ينفجر”. تحاور سارة الدكتور محاولة إقناعه أنّ الإنسان هو خيال و كينونة فنيّة و قد يسمو بخياله سلّم الحريّة ليبلغ طريق الفنّ و ذلك من خلال اللّامبالاة و تجاهل نظرة المجتمع “الأبله” و تفسّر أنّ الإهتمام بآراء الآخرين هو بداية موت الذّات ثمّ الإنتقال لموت الآخرين من خلال ممارسة ما مُورس عليه و إِلَّا مات غرقًا في مستنقع الرّداءة و صار نسخة جديدة مشوّهة تُضاف إلى باقي النّسخ الأخرى. ترفض البطلة أن تكون شبيهة ل”العلب” البشريّة و تسعى أن تبيّن أَنَّهُ يجب على الإنسان منذ البدء أن يختار درب الإنفراد واصفة أنّ المجتمع مثل العجلة، تدوس على كلّ جميل و تحوّل دواخلنا الخضراء إلى مناطق يابسة خربة قريبة للموت لا للحياة…
أراد الكاتب من خلال هذه الشّخصيّة المضطربة التّائهة أن ينحاز عن المألوف و عن المعتاد و يصنع شخصيّة جديدة رغم غرابتها و استثناءها إلّا أنَّهَا بدهائها و قوّة شخصيّها قادرة أن تعيش داخل مجتمع متشابه.
إختارت سارة العزلة سلاحًا تواجه به هذه النّسخ ذلك و أنّ “العزلة حقيقة، و لشدّة الغباء الإنساني لا يُدركها الواحد منّا سوى في رحم أمّه أو في اللّحد” (ص30) و الحقيقة حقيقة لا تموت و إن أقبِرت، نعيشها و إن غابت تظلّ إيقاعا كصوت المطر… صوت الحقيقة..
استطاع الكاتب أن يبيّن بجدارة أنّ الذات البشرية هي بنية ثنائية متضادة حيث استطاعت شخصية سارة من خلالها إثبات وجودها الذاتي من خلال لاوجودها الاجتماعي، حياتها من خلال موتها الروحي، سعادتها في حزنها، و أنسها في وحدتها، قبولها للحياة في رفضها، واقعها في خيالها….
الكاتب رسم مفاهيم جديدة غايته الخروج عن الروتين و المعتاد و وضع قوانين لامنطقية علّها تفهمنا المنطق اللّامفهوم، إذ يعتبر أنّ الحياة عبثيّة زائلة و الموت وحده سيظلّ الحقيقة الأزلية للطبيعة… كذلك و أنّ “الإنسان لا يكون في حاجة إلى الحياة دائمًا، أحيانًا يصير الموت رغبة ملحّة” (ص 46)… ناقدًا الحقيقة و الواقع الوضيع الَّذِي قيّد الإنسان حتّى غدا عبدًا لأفكار وضعيّة سائدة تغتال الفكر و تحارب حريّة التّفكير و الإختلاف…. على سبيل المثال، يقول “الحلم و الوهم وجهان لذات العملة، كلاهما مورفين يهمس في أذن الإنسان كالشيطان “غدًا يوم أفضل” (ص 47)”، إذا تبينّا في هذا القول، نفهم جيّدًا و أنّه يريد أن يوصل و يقنع القارئ أَنَّ الحلم وهم، صحيح! هو فعلًا وهم إذا ما ظلّ الإنسان مكبّلا و يرى في الحلم طريق الخلاص و الأمثال كثيرة في هذا السياق، كما يقول في الصفحة 48: “صراع الحقيقة يُعَشِّش دائمًا في الأماكن المظلمة، انظر إلى الموت و الولادة كلاهما حقيقة، الأولى في قبر و الثّانية في رحم، و كلاهما ينبثق من الظّلمة”، هنا يبدع الكاتب في تفسير صراع الحقيقة حيث استطاع بطريقة ذكيّة أن يقنع و يمتّع القارئ بأسلوبه الجميل الكامن في بساطته…
ما تبنّاه الكاتب في هذه الرواية، مسؤولية منح شخصية مضطربة حريّة ليبعث من خلالها رسالة جدًّا مهمّة تنبض داخل مجتمعات ترفض رفضًا باتّا منح حريّة الإختلاف لمن رسم في الإختلاف طريقه، لينتهي بِه الأمر معلّقًا في مشنقة الظّلم و القهر و الموت كما هو حال سارّة بطلة الرّواية و حال ملايين أبطال الأراضي العربية الطيّبة في مجتمعات الخبث و التخلّف.
“بيپولار”، رواية تجمع بين كلّ مواضيع الحياة و الموت و الواقع التّي نراها في روايات كثيرة مختلفة، إلا أنّ هذه الرّواية تتميّز بفكرة جديدة، بأسلوب مميّز، بخطّ مفاهيم و تفسيرات في شتّى المواضيع إجابة عن تساؤلات كثيرة، من طفولة معتمة إلى حبّ ضائع إلى مجتمع قاهر إلى ذات متمرّدة إلى موت محتّم وصولا إلّا مخيّمات اليرموك الفلسطيني في سوريا ليشير الرّاوي إلى واقع الاحتلال و ما تعانيه الأراضي و الأوطان العربية …
ليس من محضِ الصّدفة أو من الخيال أن يختار الرّاوي بطلته كاتبة ينتهي بها المطاف إلى الموت، بل تعمّد أن يضع إصبعه على هذا الجرح و يشير على أنّ أكثر النّاس غرابة في أوطانهم و أولّهم تمرّدًا على واقعهم و أشدّهم إحتراقًا و اشتعالًا هم الكتّاب و الشّعراء و كلّ من يحمل في قلبه مثقال ذَرَّة من أدب أو فنّ، و الكلمة مثلما قادرة أن تهدم حضارة برمّتها، قادرة هي نفسها على بناء حضارات و أمم….
“بيپولار”، ضمّ إليه فكرة تطفو على سحر البلاغة، نصيحة مكتوبة بأنامل ذهبيّة، ألا و هي “الجنون هو المحرّك الأساسي للحياة، نخوض دربنا، نتصفح الأجساد كما نقلِّب صفحات رواية، للفن نعيش و به وحده نحدّد نظرتنا الخالصة لكلّ ما يُحيط بِنَا، لا نتوقّف على شيء مهما حاول رشاش خذلان الوطن أن يصيبنا في المقتل، نحارب بشراسة من أجل غد يسكنه الجنون… هكذا فقط نكون قد فلسفنا حياتنا و منحناها بعدًا إستثنائيّاً”.
هنيئًا للشاب المبدع أمين الحسيني على هذه النبضة الدّافقة… إن شاء الله مزيداً من التحليق في سماء الكتابة و التميّز… مزيدا من الجنون و التمرّد…

أمل الأصقع

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً