بين الحضور والغياب… لماذا نتصارع مع الوجود

img

الكل يذهب، وحده الموت يأتي.

قرأت هذه العبارة ضمن أحد الأدبيات الواقعية السودوية التي يحتفي بها الأدب العربي، كلمات باردة، ضمن ورقات باردة تختفي في طيات كتب باردة، وتجعلنا نقرأها ببرود أكثر.

لمذا..؟

لم نستطع بعد، وأتحدث هنا بصيغة الجمع، نحن، أصدقاء/ صديقات، رفاق/ رفيقات، لينا بن مهني، ان ندرك معنى وفاتها، حين بلغني نبأ وفاة لينا اليوم صباحًا، ضحكت، قلت هي مزحة سوداء أخرى تنشرها منصات بائسة لزيادة عدد المشاهدات، لم أصدق الخبر حتى حين رأيت صفحة الصادق بن مهني تنفجر حزنًا وأسى، كذبت كل ذلك، وكتبت لها بطفولية؛ صباح الخير لينا، كنت قد تواصلت معك منذ أسبوع تقريبًا لنلتقي وأتحدّث معك حول دراسة سأنشرها مع المنتدى التونسي للدراسات الاجتماعية والاقتصادية، تتمحور بالأساس حول سوسيولوجيا الاحتجاج، وأريد ان أتناول تجربتك ضمن هذا المؤلف. في انتظار ردّك صديقتي.

********

دقائق قليلة حتى أدركت ان ردّها لن يأتي، لينا بالفعل ماتت، ماتت قبل الفرح، قبل بروز الأمل من فجاج الصحراء والألم، ماتت وأنا أعدها دوما بتعريب فصل من كتابها، قبل اصدار لائحة شهداء وجرحى الثورة، قبل تحقيق أهداف الثورة، ببساطة، ماتت لينا بن مهني وأولاد القحبة مازالوا في الحكم يترنحون مثل السكارى..

********

رسالة أخرى أرسلها للينا، صباح الخير لينا مرة أخرى، أعتذر عن الازعاج المتكرر، قبلت برحابة صدر اعتذارك عن حضور حفل زواج أختي، ولن أقبل اي اعتذار للقاءك هذه المرة، متى يمكننا الالتقاء صديقتي، مقهى المسرح بشارع الحبيب بورقيبة مثل السابق، مكان ممتاز، أليس كذلك؟ في هذه المساءات يكون الطقس مناسبًا، ما رأيك..؟

********

الموت مؤلم، ينطلق كالسهم وهو يشرخ الزمن، يصبح التقويم البيلوجي منفلت من عقال الزمن، ويصبح الزمن الحاضر ماضيًا، والمستقبل زوال، يزول الأمل والفرحة والابتسامة، ولا يبقى سوى ذكريات نسترقها من الزمن، في كل هذه الذكريات نحاول استحضار ذكرى طيبة، ذكرى جيدة، ومن شاشة الذاكرة تلوح صورة فتاة جميلة، تتحدث وتصيح، وتساند.

*******

كنت دائمًا أرى أن مية الجريبي ولينا بن مهني عصيّتان على الموت، يستحيل أن يكون هنالك اله طيب، مهما بلغت درجة سطوته وسلطته البيطرياركية أن يسمح بموتهم، سبب أخر يضاف الى تاريخ المواجع والبكاء والنواح. لمذا يموت من يستحق الحياة، ويحيا من يستحق الموت، بؤس أخر يضاف الى التهميش الالاهي.

*******

الأن، منتصف النهار، أصل الى الزهراء، أشق الطريق نحو منزل، كل خطوة أخطوها أدرك بلوغ معقل الألم، الوجوه هناك حزينة للغاية، توفيق كركر، سندس زروقي، عز الدين الحزقي، بعض قدماء برسبكتيف، وبعض الوجوه المألوفة في كل ذكرى ثورية. صمتت برهة من الزمن، من تلقاء نفسها قالت لي سندس؛ الصادق منهار للغاية، هو في المستشفى الأن. تألمت لألمه، الصادق بن مهني صديق ورفيق ومعلم، وكان خير سند لي في مدينة الزجاج والبغاء السري المسماة بتونس العاصمة.

********

منذ 28 يوم تقريبًا، اتصل بي الصادق بن مهني، قال لي؛ أنت مستدعى الى منزلي، مرحبا بك انت وصديقتك، لتناول العشاء عندنا، لينا بخير الأن وهي تتعافى، في انتظارك. رحبت بدعوته بكثير من الفرح، وأكدت له أنني سألبي دعوته بكل سرور.. حين وصلت لتونس، غرقت في الالتزمات، نصوص يجب ترجمتها، امتحانات يجب اجراءاتها، وليل أقضيه في تصفية حسابي مع الأيام. ولم ألبي دعوة الصادق، لكنني أتيت له بكثير من الحزن الأن، أحاول صياغة اعتذار مقنع لعدمي تلبية دعوته… تخونني الكلمات.

*******

الساعة الحادية عشر بتوقيت الألم:

اتصل بي جمال قصودة، رجاءا أكتب تعزية وتأبين للفقيدة، انا الان في جربة، سأستقل أول سيارة واكون في تونس ليلًا..

أحاول كتابة نص، لا أعلم طبيعته أو ماهيته، ربمّا هو بيان في الأحزان، ترتعش يدي الأن، في هذا الصمت الرهيب الذي لا يشقه سوى نواح امرأة تبكي بحرقة ولوعة عليها، لا أعرف مذا أكتب ولمذا أكتب.. أعلم أنني حزين الأن، حزين للغاية، ومتؤلم للغاية.

********

أعيد كتابة رسالة أخرى للفقيدة:

يبدوا أن غيابك سيطول، لا أعلم مذا سأقول أو سأكتب لك، غيابك مؤلم يا شقيقة الورد، مؤلم كصمت الحاضرين هنا، كحزنهم العميق..

مؤلم غيابك يا لينا.

أحاول نشر النص الأن، رفعت صورة للفقيدة (أكذب، لن تكون فقيدة، هي حاضرة دوما) أحاول تصنيف النصّ، لا يوجد تصنيف يستوعب كم الألم الكامن في قلوبنا، الى اللقاء أيتها النقية.. إلى اللقاء

Facebook Comments

الكاتب Slim oussama

Slim oussama

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: