بيت الدُمية

img

بيت الدُمية

 

بقلم : حسام جاد

 

يقول المفكر سلامة موسى أحد مُصلحي طلائع النهضة المصرية الذي عاش ما بين عامين “1887 – 1958” : “كنا نقعد إلى المرأة فنجد الجهل مع السذاجة، جهل وسذاجة، يبعثان الاشمئزاز الذهني في الرجل الناضج” . 

 

ولا تزال هذه الحالة باقية في معظم أوساطنا إلى الآن، ودائما ما ينظر العقل الشرقي للمرأة باعتبارها تابعة للرجل، خلقت للبيت فقط، وكذلك كان الوضع نفسه في أوروبا خلال العصور الوسطى، ولو كان مظهر الحرية الأوروبية خلابًا؛ فلأن أوروبا لم تعرف الحجب بين الجنسين مثلما حال الشرق بينهما لقرون طويلة، إلا أننا نجد أن كثير من الأمم الأوروبية كانت قد حرمت المرأة من الميراث، كما كانت تحرمها أيضًا التعلم في الجامعات.

ولم يكن هناك مفر من أن يسأل مفكر بقدر سلامة موسى، الذي التقى وهو ابن التاسعة عشرة بالغرب الأوروبي مع بدايات القرن العشرين، التقى أوروبا التي كانت تسترشد في ذلك التوقيت بفولتير وروسو ورينان، بل كان لزامًا عليه أن يسأل عن شخصية المرأة في عصره، وهل الحضارة كانت تهيئ لها أن تكون إنسانًا راقيًا مُجدًا، لها أهداف حقيقية تعيش من أجلها، وتؤدي رسالتها في الحياة، وهل كان لها أسلوبًا فلسفيًا تتخذه فى عيشها أم لا ؟.

 

ذلك أن الوجدان العقلي الأوروبي ومع بداية القرن التاسع عشر بدأ يعتدل إلى اتجاه استقلال العقل البشري وطرح التقاليد بفصل الدين مِن الدولة، بعد أن خلقت الحركة الصناعية مناخًا لحرية التساؤل والشك، ووُجدت التربة الخصبة داخل المصانع لنماء الأفكار التحريرية، خاصة وقد جذبت تلك المصانع عددًا كبيرًا من النساء الأوروبيات، فانطلقت ألسنة البلاغة والأدب والفكر تعبر عن تلك الأفكار التحريرية الجديدة .

 

وجاء “هنريك إبسن” الذي عاش فيما بين “1828 – 1909” مبلورًا لهذه الافكار الجديدة بدرامة مُوجعة اهتزت منها المجتمعات الأوروبية، وأصبحت بطلة درامته “بيت الدُمية” أو “لعُبة البيت” قدوة المرأة الأوروبية الناهضة، ويرمي إبسن من هذه التسمية إلى أن المرأة الأوروبية في عصره هي لعبة الرجل، يُقومها بقدر ما تتسم به من سذاجة. فبعد أن تنشأ محدودة الفهم، قليلة المعارف، قد سُدت فى وجهها أبواب العمل الذي يكسب منه الرجال أموالهم ويكونون به شخصياتهم؛ فتُعامل منهم كما لو كانت لعبة .

وقد تشمل لعبة البيت بمفهومها الواسع الرجال أيضًا إلا القليل من الناضجين، ذلك أن الرجل العادي في كثير من تصرفاته يعيش بلا استقلال يخضع للتقاليد وينساق في تيار العرف؛ إن لم تربيه الدنيا وتُخصب شخصيته بالاختبارات والاصطدامات حتى يقف على كثير من الأكاذيب الاجتماعية التي تُفتح ذهنه وتُنير رؤياه، وكل هذا تُحرم منه المرأة لأنها محبوسة بسياج وحجاب من التقاليد، وهذه هي المشكلة التي عالجها إبسن في درامته .

 

ونحن الرجال لا نتعلم ونرتفع إلى المقام الاجتماعي، ولا نصل إلى المكانة الذهنية والفهم المحيط، كما لا تتكون لنا شخصية إلا لأننا نختلط بالمجتمع ونعالج الخطأ ونواجه الخطر، وليس هناك رجل يفخر بأنه ساذج أو طاهر أو برئ، على نحو ما نحب أن تكون المرأة عليه، لأن كل هذه الصفات تعني في النهاية أننا نحب جهل المرأة وابقاءها طفلة أولعبة، كما يقول إبسن . 

 

وقد تخرج المرأة إلى العمل وتحتك بالمجتمع لكنها تظل رغم كل شئ تخضع لمفهوم لعبة البيت، وعلى ذلك فإن عمل المرأة وتعليمها لم يعد بالأمر الكافي في عصرنا هذا؛ لأن ذلك عوضًا عن أن يمحي السخافة والسذاجة التي تتحلى بها، قد يزيدها غرورًا، بل أصبح فرضًا على المرأة أن تُثقل ذاتها بالثقافة إلى جانب العمل والتعلم، وفي ذلك يؤكد “هنريك إبسن” أن المرأة لن تكون إنسانًا إلا عندما تأخذ نفسها مأخذ الجد وتستقل بشخصيتها وتختبر ذاتها وتعول عليها. 

 

والمرأة كما قال طه حُسين : “لا تُقهر إلا إذا أرادت، ولا تذعن إلا إذا رغبت في الاذعان”، غير أن المرأة التي نشأت على الحَجب لا تحس هوانه، كما لا تعرف جهلها، وهي لا تقاوم ولا تكافح، وتعيش في أسر التقاليد وكأنها من طبيعة الأشياء التي لا تتغير، بل لا تحتاج إلى تغير.     

 

وعلى المرأة فى عصرنا أن تسأل نفسها فى كل يوم هل لها أهداف حقيقية تعيش من أجلها، وهل لها أسلوبًا فلسفيًا تتخذه فى عيشها أم لا ؟، وعلى الرجل الناضج فى كل وقت أن يطرح سؤال سلامة موسى .. هل عصره ومجتمعه يهيئا للمرأة أن تكون إنسانًا راقيًا؟، وعلينا جميعا أن نتعلم من إبسن شرفًا جديدًا هو شرف الإنسانية، وأن نُلبي دعوته إلى الاستقلال النفسي، وأن نكون أحرارًا مُكافحين مُستقلين نستبدل التقاليد بالقيم البشرية التى تُوزن بميزان العقل.

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: