بيان الغياب …انثيال – سعيف علي

img

بيان الغياب …انثيال
سعيف علي


بعد بيان مقتضب لحصيلة غياب طويل
وفي آخر جدول حسابات متورم بالثقل
راقب وجهي الصّحو بحذر
ترقق في انثيال الضّوء
ثم انهمر على صفة اللّغة حتى يكون ماء مطر صيفيّ
…….
تعلق مرة أخرى بالرؤية اللاّزمة
شدد على صفة الوقوف في محطّة الظلال المربّعة
حاولت العيون المتورمة من السَّهر و الأرق
أن تصنع له كرسيًّا هزّازًا
أنْ تتأرجحَ على حشرجَة صوتٍ متعثِّر
أنْ تذكّر أطلسَ الجُغرافيا
حاجته الوهم لرسم خطوط الأرض
أن تذكره أيضا
أن خطّ طُول كان عليه مشاكسة المدار
لنعرف أين يسكن النورس
أين غرقت المرساة
أين علينا أن لا نتلوّى و نطيل مضغ العلكة


مرّة أخرى
تحاول العيون المتورمة
أن لا تجعل الأمنية باب اللّون
أن تتحدّث في سرّها عن شبق التّينة
عن وحدة الحرف الحلقي داخل الكلمة الصّموتة
لكن دقات القلب المنتظمة لن تعلم أن الوقت مفيق
أنّ دوار الرّأس علامة مهمّة على محنة قاليلي

3
ثمة جواب شرط مخفيّ في مآثرنا القديمة
ثمة دمية لا تناسب طفلة
تكره أن تمشّط شعرا مستعارا،
أن تلعب بكرة القماش
أن تجري في الحواري و تطرق أبواب الدّور
لتستجدي الأمل في مطر غزير و تغني
“أُمُّكْ طَانْقُو يا أوْلادْ غَسْلت رَاسْهاَ فِي الوَاد” *
حتى لا يتجاسر الذئب مرّة أخرى على الترجّل في الأزقة
حتى تستطيع إعادة نور النّهار إلى سمته الأسمر

4
ليس في يدنا ما يؤكد نهاية الحرب القديمة
لكن الشّمس المشرقة
لن تكون أبدا طريقا طويلة مثلما هي الآن
لن تكون أبدا قصاصة حظّ و سياسة
الفراغ كذلك و قد انتهى من نفض الغبار و رصّ الأمتعة
لن يعطي أبدا جوابا لظاهرة جوية غريبة
تسمى بلا مجازات
امتناع الألبسة عن الكيّ والارتخاء

5
ربما لا أجوبة عن الحرف الغائب اللّغة
لا حكايات السندباد
لا روائح الشّرق القديم
لا التعاويذ
لا وشم الحنّاء في أصابع الصّبيّة
لا الوجه المدلّل بكريم اللّمعة والبياض
ولا حتى هذا الكلام
يملك القدرة على رسم الوجه التائه في الجسد

6
ثمة لوم صغير تردّده ورقة التوت
أنّ الجداول لم تصل إلى رجع الصّدى و الصّدفة
لكن المهمّ فعلا أن سكب الماء على الوجه
صعود في ضوء مكتنز بالسّراب
دُوار بعد لعب طويل بأرجوحة معلقة
و ربما أحد أصوات الشجرة المورقة قهقهة

7
عليك أن تكون درعا للوطن
تُرسَمُ هكذا الحِكمة في مقرّر الدّرس و الأخلاق
كذلك يتوسم المعلم الوقور الخير فيك
لكن طفلا مشاغبا
يمسك أناملك
سيعلمك دروسا صعبة في ساحة اللعب و البطحاء
سيرغمك على ترديد الصوت و الحشرجة ؛
لاشيء يعادل الاعتباط
لا شيء يعادل جملة رياضية بلا استقامة
لا شيء يعادل مقاما تسرده الأسطورة
لا شيء ينبغي لترّهة ترسم الحقيقة
لا شيء يكلّف الوطن عناء الاهتمام بضمير المخاطب
لا شيء يكلّف القلب دقات ناقصة
لا شيء تخفيه المرآة عن السّاحرة

8
قد تعيد الطرق مسافاتها
لكن لن تكون القلوب تميمة لألعاب الصيف
حتى الهرج و الصوت العالي
لن يمكّنها من صمّام أمان في حلبة يجري فيها الثور
يصفق الجمهور فيها للسّاقطين و المتعثرين
لذلك كثيرا ما تحدثنا أفكارنا القديمة في تعب
لكننا لم نقدر على تنبيهها أنّنا قد فقدنا السمع
أنّنا غادرنا الصّوت فعلا

9
العودة إمساك الهتاف إذا
اعتراف أنّ المغرمين بأكواب الكريستال
قادرون ربّما على كسرها دون غضب مبرر
ربما قادرون أيضا على جعلها إحدى لعب السّرك المحببة
لكن الابتسام و الارتواء
سيبقى عادة من عادات البحر
لوما لآخر المارين بصوت المحارة الأجوف

10 
في آخر البيانات
وعد مكرور
احتجاجات و أمل و حكم لطيفة؛
عليك أن تكون رجلا صالحا
عليك أن لا ترمي الحجارة على العابرين في حرارة الشمس
لتبدأ القصة كما يجب
لتنتهي كما يجب
لنكون قد قراناها كما يجب أن تقرأ القصص
لأنه ثمة محاولات قليلة لإعادة الضوء إلى قناديل الزيت
حتى يستطيع اللّيل إكمال بكائه المرّ على القمر


*: لهجة تونسية تعني الأم طانقو تغسل شعرها بماء الوادي و هي أغنية شعبية يرددها الصغار زمن الجفاف و تكون مصاحبة لدمية قماش يطوفون و يطرقون بها أبواب المنازل حيث تقوم النسوة بصب الماء عليها…

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً