بورتريه- عبدو بلحاج

img
بورتريه- عبدو بلحاج
كان بهج الله يجلس في ركن من باحة السجن ، يلبس قميصا أبيض و بنطالا من الجينز و حذاء رياضيا قديما . أصبح هزيلا جدا و لا يمكن أن يتجاوز وزنه خمسين كيلوغراما . يبدو أثر تساقط شعر رأسه واضحا للعيان ، عيناه غائرتان في محجريه ، لحية خفيفة جدا تبقع وجهه المصقول بآلام و صرخات العلاج الكيمياوي الرهيب .
و كان رأسه مصلوبا بين كتفيه كأنه المسيح ، يعاني من حالة رعاش فظيعة ، لا ينظر إلى أحد و لا يكلم أحدا . بالكاد تصل يده إلى فمه ليسحب نفسا طويلا من سيجارته الكريستال ثم ينفث دخانها في الأرض .
بين الفينة و الأخرى كان يسحب ورقة من جيبه ليغوص في سطورها كما يغوص مؤمن في صلاته ثم يعيدها إلى مكانها الأول .
غرق بهج الله في نوبة من السعال الكابوسي ثم قذف من فمه بلغما شديد اللزوجة تحت قدميه . رفع رأسه نحوي فأشحت بناظري عنه و تظاهرت بمداعبة لحيتي الكثيفة . عندما عاد إلى الإنكفاء داخل عالمه الصغير عاودت متابعة كل حركاته و سكناته و أوجاعه . شعور رهيب بالشفقة كان يخالج سواكني و لكنها شفقة منافقة لا تغير من آلامه شيئا .
سحب سيجارة أخرى و بينما هم بإشعالها سقطت الولاعة من بين أصابعه و تدحرجت بعيدا عنه . أسرعت و إلتقطتها من الأرض ثم قدمتها له . مد يده و تناول الولاعة .. لامست أصابعه أصابعي .. كان الأمر مرعبا بالنسبة لرجل صاحب أحوال مثلي . مازال مستغرقا في صمته المخيف ، لم ينبس ببنت شفة .. نظر في عيني و رعاشه لا يتوقف عن نفضه نفضا كما لو كان يحتضن سلكا عاريا من الكهرباء . مزقت نظرته كياني ، شعرت برعشة تسري في كامل جسدي .. إستدرت و عدت إلى مكاني مع بعض السجناء .
لملم بهج الله نفسه ثم نهض متثاقلا ، مشى خطوتين تقريبا مستندا على الجدار . وصل إلى آخر الباب الذي يفتح على رواق ينتهي عند زنزانة . توقف قليلا و أظنه كان يملأ رئتيه بقليل من الأوكسيجين ليواصل رحلته العصيبة ثم فجأة سقط على الأرض .
فتح شفتيه كأنه يريد أن يقول بعض الكلمات لكنه لم يستطع . ترقرقت في عينيه دمعات المفارق ثم توقف كل شيء .
كانت روح بهج الله تمرق في ضباب النهايات .
رحل بهج الله لكنه ترك فوق كتفي أثر عظة حارة مثل عظة كلب مسعور .
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: