بقـايـا الثـقافـة الـعربية فــي إسـبانـيا

img

ترجمة عن الألمانية: بشار الزبيدي

نتيجة قرابة ثمانية قرون من الحُكمِ الإسلامي على شبهِ جزيرة أيبيريا الجنوبية ما زال التُراث العربي حاضراً في الثقافة الإسبانية ومثال على ذلك البنايات المعمارية الساحرة مثل قصر الحمراء في غرناطة أو مسجد قُرطبة والتي تُعتبر من المعالمِ الرئيسيةِ في إسبانيا. ولكن الوجود العربي ما برح راسخاً بقوة في الموسيقى وفن الطبخ وأخيرًا وليس آخِرًا في اللغةِ الإسبانية.

يسود هذا التأثير في أقصى جنوب المناطق الإسبانية “أندلوسيا” وهي تسمية مُشتقة من التسمية العربية “الأندلُس”. أُطلقت تسمية الأندلُس منذ بداية القرن الثامن على منطقةِ شُبه الجزيرة الأيبيرية التي هيمنَ عليها الموريون . انتهى الحُكم الإسلامي بعد قرون في غرناطة في عام 1492 م، عندما اضطر آخر أمير في غرناطة إلى التنازل عن السُلطة للملك الكاثوليكي فرديناند الثاني من أراغون وإيزابيلا الأولى ملكة قشتالة.

ومن أشهر الأمثلة على قوة السيادة الإسلامية التي دامت قرونا , قصر الحمراء ، الذي لا يزال شاخصاً فوق تلال مدينة غرناطة. كما يترك سنوياً مسجد قرطبة ذو الأقواس الحجرية التقليدية الملونة على شكل حدوة فرس والذي تحول إلى كنيسة كاثوليكية منذ سقوط الأندلس, انطباعاً قوياً في نفوس ملايين السياح. وفي نفس الوقت يشد المسافرين الرحال في الغالب إلى العاصمة الأندلُسية إشبيلية ليزوروا معلمها  “كاتدرائية خيرالدا”. كان برج الناقوس لهذه الكاتدرائية في الأصل مئذنة مسجد إشبيلية السابق، الذي تم تدميره في القرنِ الخامس عشر واستعيض عنه بالكاتدرائية القوطية. وجدير بالذكر أن قبر الرحالة (كريستوفر كولومبوس) موجود في الكاتدرائية. يُعتبر قصر المورق أو قصر إشبيلية (بالإسبانية: Reales Alcázares de Sevilla وبرج الذهب (بالإسبانية: “Torre del Oro”) الذي يعود تاريخه إلى القرن الـ 13 من بين مناطق الجذب الرئيسية في إشبيلية كما أنهما يشكلان جزءًا من التُراث العربي.

 

أي شخص سبق له أن سافر إلى الأندلُس يعرف بأن الموسيقى في هذه المنطقة مُنتشرة في جميع الأرجاء على وجه الخصوص في الشوارع والمطاعم وتُسمع نغماتها من نوافذ وأفنية البيوت التي تعكس حالة الابتهاج بالحياة ومزاج الجنوب الإسباني والتي تتميز بشجنها. تطورت الموسيقى في الأندلُس على مدى قرون وبالتالي تظهر فيها العديد من التأثيرات. فقد ترك الوجود العربي بصماته فيها: فإلى جانب التأثيرات اليهودية والإفريقية والمميزات االغجرية ، تُثبت الإيقاعات المختلفة للموسيقى استخدام آلات موسيقية من الماضي الشرقي للمنطقة مثل العود أو الكاسور.

وقد حضي المطبخ الإسباني بالإثراء عن طريق الهيمنة المغاربية: فقد وجد الأرز والباذنجان والخرشوف واللوز طريقهم إلى الأندلس عن طريق العرب وأصبحت هذه المأكولات الآن عناصر لا غنى عنها في فن الطبخ الإسباني. ناهيك عن التوابل الشرقية: مثل الزعفران  والفلفل والقرفة والكمون ، مما يجعل هذه الأطباق علامة مميزة ورائعة للثقافة الأندلسية ونمط للحياة هناك.

 

ثمانية قرون من الحُكمِ العربي أثرت أخيرًا وليس آخِرًا أيضاً في اللغة الإسبانية وتركت بصماتها في بعض الكلمات الاسبانية اليومية ويمكن مُلاحظة هذا التأثير للوهلة الأولى: فكلمات مثل (azúcar) (سكر) ، ((algodón (قطن) و (alfombra) (سجادة) أو (aalmohad) (الوسادة/المخدة), تدل بأنها ذات أصول عربية. و من المُصطلحات التي تُستخدم بكثرة هناك مُصطلح (Ojalá) ويشير إلى معنى ” على آمل ” أو بمعنى “إذا / في حال” والذي يتجذر أصله من المُصطلح العربي “إن شاء الله”.

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: