بداية النهاية -رانية طراد 

img
بداية النهاية -رانية طراد 
أغلقت ُ غرفة أخرى من بيتي.. هذاَ البيت الذي أصبح شبيهاً بمحطة قطار.. أقفُ فيه أنتظر لأودِعَ ثمّ أعود أدراجي… بدت لي العملية في البدئ سهلة… وغريبة، من أين أوتيتُ بكلّ هذه الشجاعة لأقفَ في كل مرة أنتظر على حداً تجربة جديدة.. أتعرف ُ عليها بشغفٍ، أدعوها لمقهى أو مطعم.. أتمعنُ في تفاصيلها… أشفرُ نبراتها ونظراتها.. وحركاتها وسكناتها، أعددُ أصبيعها.. وأختار زاوية محبذة لي.. لأنظر منهاَ على طريقتي… أحادثها لأسمعها وهي تروي لي بعض القصص.. ثمّ أتركها وأمضي.. أو أحيانا قد يحصل العكس.. تتركني أسمع وترحل.
 
اليوم… لم يترك أحدٌ فينا الآخر.. تُرِكناَ.. أغلقَ البابُ وإنطفئت الاضواءُ.. وكان صدا الأقدام عند البابِ كإقاع أغنية…وطنيةّ.. فيهِ حسمٌ وحزمٌ.. أهكذا تقرأ النهايات ؟
وقفَ الجميع إحتراماً لنقطة الختام،مصطفينَ..يعانقُ البعضَ الآخر ويودِعه بحرارة.. مشهد المجموعات أحاول دائما أن أتجاوزه…تجاوزاً ظاهريا.. حتى أخفي الضعفَ الذي أرتديه.. حاولتُ أن لا ألتفّ.. أن أسبحَ في بحرِ دموعي وأركبها خيلا… يجتازَ بي صعوباتي.. يركضُ وأكون الفارِس للحظات.. يلتحمُ فيها صوت البكاء بصفير الرياح… فأنسى خيبتي.. وأحَلقَ كالطير..
كنتُ أتصور أن الطيرَ أكثر حرية من كل الكائنات طليقا كطيف.ِ نسيم… محلقا في سماء لا تعرف ثبات.. عاشقٌ للترحال والرحيل ..في كل موطنٍ يبني عشاً..يتركُ أثر ويرحل.. يرحل في صمت، لم نتسائل يوما لما الصمت…
اليوم فهمت.. بعدما صعدت الميترو الخفيف.. ونظرت كيف للأحداث تمضي من خلفي.. وانا في الريح كالطير… لا أعرف ما المصير اللاحق .
عانقت ظلي.. كانت الشمس في كبد السماء.. رغم ظلمتي الحالكة.. حاولت أن أسترجع ما بقى عالقا.. متأرجحا في ذاكرتي.. يداعبني بخبثٍ.. كمرضٍ..خفتُ للحظات من أن يلتهمني، يأخذني مني.. أن أستسلم لوضع الاستلقاء وان أرى فيه هدوء.. كان هذا قابل أن يكون حقيقة. وواقع.. لولا صوتي الذي نداني… وناجاني.. فناجيته.. كمتصوفا.. لا يملك في جبتهِ غير ذاتهِ.
و قلت لها.. ترددتُ كثيرا.. قبل المجيئ.. ليسَ خوفاً، بل ترقباً وتمهل ،فلا شيء يبنى من فراغ.. كما لا تبني العجلة شيء، حتى وإن شعرنا للحظة أن ما نعتقده حق.. لا بدّ أن نعيد ترتيبه مرّات، حتى نستحسنه أكثر.. هكذا هي كل البدايات، مدّ وجزرٌ، دفعٌ وجذبٌ..من أجل الإنتصار للأحسن.. ربما.
لكن.. ما نجهلهُ أن ليست كل البدايات متشابهة، فنحن نعتقد أن الترتيب سوف يجعلنا أحسن، أكثر قدرة لمجابهة الأخطار التي قد تقتحمنا، وأكثر دلالة على الصلابة والحنكة، أليست التجربة هي ما تجعلك حتى تستنتج النهايات من البدايات، فكيف إذن يحصل أحيانا…ويأخذ نظامنا منعرج لم نُصوره في خارطة أفعالنا بطريقة مسبقة..
سمعتُ صوتا بعد السؤال، أجابني حرفٌ من السطر لم أتصور يوما سماعه.. . قال “لأنك تخطئ فهم الترتيب يا صديقي”.. وكيف ذلك..؟ شيئان لا يخضعان للنظام والترتيب.. نصّ اللغة ونصّ الصمت، لا معيار لهما غير ما أخذنا وما قدّمنا من نثرٍ وقصّ ونظر في أعين الآخرين.. المجال المحبذ لهما.
وحدها الأعين القادرة على إجتياز حدودهم، الغوص فيهما كما لوكانت سباحا ماهرا.. أو لاجئ متطفل.. يعزم الترحال في كل مرّة لا لشيئ.. حتى يقف ضد مبدأ الحد والحدود.
هكذا.. يأخذ متاع الرحلة.. ولا يختار طريقه.. ينتظر ما سوف يعترضه من إشارات.. تدله ليسلك عكسها.. تماما، كالعين،عندما نتطلع فيها، فنرى وجهنا ينعكس على قرنيتها، بمحاسننا و سيآتنا، نتعرى ونحن في مكاننا صامدون، نحاول الهروب.. مرة وأكثر.. لكن مبدأ الجاذبية يفرض وجوده اكثر من أي وقتٍ مضى.. يكون ملحاّ ،يحرجنا ويُقوّينا فندرك أننا بصدد بناء بداية.. لا تستقيم لنظام.. فإما ان تكون نصّ لغة أو صمت.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: