بحث في قضايا رواية ” الشيخ و البحر” لـــ إرنست هيمنقواي:

img
بحث في قضايا رواية ” الشيخ و البحر” لـــ إرنست هيمنقواي:
بقلم : عبد الرزاق بن علي
لم يكن الأسلوب المبسط الذي اعتمده الكاتب الأمريكي ” إرنست هيمنقواي” في روايته الحائزة على جائزة نوبل للسلام بعد صدور طبعتها الأولى سنة 1951 ينمّ عن ضعف قدراته بقدر ما كان حمّالا لرسائل تجعل القارئ يسافر عبر تخيلاته واختلاجات نفسه وينتج النص عن النص.
هل للإنسان حقا القدرة على المقاومة ؟ وإلى أي مدى يمكن له السّير عكس التّيار غير آبه بعلوّ الأمواج أمامه؟
لم تحجب بساطة المفردات عمق الرواية وأبعادها الفلسفية والسيكولوجية.  فيها طرح الكاتب من خلال الشخصية الرئيسية ” ساندياقو ” قضايا متعدّدة لعلّ أهمّها: قضية النّجاح والفشل واختلاف مفهومها من إنسان إلى آخر. … حيث كان البحث المتواصل والمكابدة اليومية للصّياد “ساندياقو ” بغية الحصول على سمكة واحدة كفيلة بإعلان نجاحه، إلا أنّه كان يعود آخر النهار خالي الوفاض. ….ومع ذلك الفشل المتواصل كان العجوز يتمتّع بقدرة هائلة على الإصرار والتفاؤل .وبما أنّ إيمانه بالنّجاح كان سلاحه الوحيد، قرّر في يوم من الأيام أن يتوغّل في البحر عازما على العودة بصيد ثمين يمحي به خيباته السّابقة. ….فكان له ماأراد باصطياده سمكة فاق حجمها كلّ توقّعاته. وحين بدا له النّصر قريبا، وجد نفسه وجها لوجه مع سمكة عملاقة تحاول جاهدة الإفلات من صنّارته. وكأن الكاتب أراد أن يتمثل الحياة بكل صعوباتها ويظهر قدرتها على المواجهة، إلا أنّه – في الآن نفسه – صوّر الإنسان المقاوم الذي لا يستسلم بسهولة ودون مقاومة لمطبّات الحياة في شخصيّة العجوز ساندياقو. إلا أن الكاتب قد تجاوز ما تمثله شخصية العجوز بكل أبعادها عندما قدم لنا شخصية الصبي الذي ما إنفك جاهدا الوقوف جنبا لجنب مع البحار العجوز. ربما لأن وجود الصبي بأبعاده الطفولية الفطرية (هو الذي حاول بكل ما أوتي من قوة أن يساعد البحار بنقاوة وصفاء الطفولة)  في بداية الحكاية ينم عن وعي الكاتب بأن الإنسان يولد محبا لمساعدة أخيه الإنسان على تجاوز مصاعب الدنيا وتقاسم همومها قبل أن يكتسب من المكر والحقد مايجعله ذئبا لأخيه.
فصراع الإنسان مع الحياة هو صراع وجود وإثبات وهو أيضا لا يعترف بالزّمن وتأثيره فيه، بل كلّما تقدّم العمر أضحى ابن آدم أكثر صلابة وإصرارا … تواصل الصّراع لثلاثة أيام وليلتين أنهك خلالها العجوز وخارت قواه دون أن يستسلم  حتّى هاجمته مجموعة من القروش الجامحة فأكلت صيده وعصفت بأمله الأخير في العودة إلى الدّيار بصيد غير مسبوق. …حينها لم يكن أمامه إلا العودة بهيكلها العملاق علّه يكون شاهدا على ملحمته البطوليّة في عرض البحر. … أو علّه يحقّق لنفسه انتصارا استحقّه، بل ربّما يكون أوّل من وجد معنى مستجدّا لمفهوم “الانتصار”. وهو أن يدرك الإنسان ويستشعر اختلاجات النّصر وسط الهزيمة وقدرته على تطويع الأحداث والتّحكّم في مخرجاتها حيث قال: “يمكن للإنسان أن يُدمّر ولا يمكن له أن يُهزم أبدا. ..” رواية رائعة حبلى بالدّروس والمعاني تتماهى في ثرائها مع ثراء البحر ….
ليس المهمّ أن تصل إلى آخر الدّرج كلّما هممت بالصعود، بل الأجمل أن تشعر بكل خطوة تخطوها وتدرك أهمّيتها المطلقة وأنّها السّبيل الأمثل لبلوغ الدّرجة التي تليها. فلن تستطيع بلوغ آخرها إن لم تمرّ بصعوبات سابقاتها. كم صرنا اليوم في أمس الحاجة إلى شحن المفاهيم معان متجددة تقطع مع الإدراك السطحي وتؤسس لفهم عميق يتجاوز حدود الحروف إلى بحار المعنى….
وهكذا هي الحياة في كلّ منعطفاتها… فالكتاب – موضوع دراستنا-  تجربة شخصيّة أراد صاحبها كسر الحدود أمام القارئ ليجعل له الطريق معبّدة ويفتح له نوافذ الإثراء والبحث وينير له ماهو مظلم في ثنايا عقله و إدراكه .
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: