باب الجنائز – إيناس مانسي

img

باب الجنائز – إيناس مانسي

لن يجتهد المرء كثيرا في تخيّل موته أو جنازته التّي سيتكفّل بها الآخرون، لأنّهم في النهاية مضطرّون إلی ذلك مهما بَلَغتَ من السّوء مبلغا. ليس عبثا أن يكون جسد الإنسان زكيّا حتی في موته فيتحلّل لتنبعث منه رائحة الجيف الكريهة، ولا أحد يتحمّل رائحة الجيف، سيدفنونك في النهاية لأنّك مصدر إزعاج إذا لم يفعلوا ذلك، وإن كان هذا السبب البدائي والحقيقي مُطَعَّما بالكثير من العاطفة.
نجتمع جميعنا في هذا الخيال الجنائزي، لكنّه سيختلف قليلا إذا كنت تسكن مدينة يكون فيها الموت تسمية دائمة الحضور .
لا يمكن أن تسمع عن شارع “باب الجنائز”، وتعتقد أنّه مجرّد اسم عادي لا يحمل علی عاتقه إيحاءات الموت وطقوسه وإن كان يضجّ بالحياة وبجلبة الدكاكين .
وحتی إذا كنتَ من سكّان المدينة، فلن تُفرِغَ العادة اسم المكان من معناه ودلالاته، فإن كان الإنسان يتعوّد اللّغة ومعاجمها فإنّ للموت معجم لا يُستَأنَسُ به أبدا .
قد تعبر شارع« باب الجنائز» كل يوم، و لكنك لن تنس أنّك في حضرة ذلك الموت المجازي الذي يجعلك تعبره واقفا علی قدميك منسجما معه بالتفكير فيه .. سيّما وإن كنتَ ستُصادف قبرا عند نهاية الشارع! هنا لن يعود الأمر مجرّد مجاز، إذ صارت التسمية مجسّما حقيقيا .
لم تكن هذه من المفاجآت السارّة التّي اعترضت حاتم وهو يزور مدينة «باجة» في أولی أيّام شهر رمضان لشراء بعض الحلويّات التقليدية التّي تُعرفُ بها المدينة .
توقّف حاتم في صفّ طويل أمام بائع الحلويّات، ولعلّه عَلِم جودة المحل من العدد الكبير للزبائن الذّين ينتظرون أمامه. هو يعلم أن ليس هذا المقياس الدّقيق لمعرفة جودة المحل، ولكنه ما لم يملك رصيدا من التجربة، فلن يملك تقييما شخصيا لهذه المحلات التي لم يتردّد إليها من قبل.
مع طول الانتظار، توجّه حاتم بنظره إلی ذلك القبر القابع في نهاية الشارع، متسائلا ما إذا كان للقبر علاقة بتسمية الشارع. تواترت في ذهنه أسئلة كثيرة، لم يفلح بإثنائها عنه بحقيقة أنّه مجرّد زائر عابر سيغادر المكان عاجلا، فلا حاجة له بمعرفة تفاصيل المكان .
ثم أقنع نفسه بأن مشهد القبر ليس غريبا، فالأمر مألوف بالنسبة له،إذ قرأ من قبل عن قبور كهذه في بلدان كثيرة سُمّيت بقبر “الجنديّ المجهول” ولكنّ حاتم كان يظنّ أنها قبور مُفرَغة من المعنى،بل مجرّد فعل سخيف لأحياء يُشفِقُون علی الموت من احتضان أشخاص مجهولين فألصقوا بهم شرف التجنّد صدقا وزورا، أو يشفقون علی الأموات من ذاكرة معدومة، فأضفوا عليهم مَسحة من البطولة التّي تثير انتباه الغرباء ليلتفّوا حولهم .
فقد سبق له رؤية قبر كهذا في “سوق السكّاجين” للمدينة العتيقة في العاصمة وسمع من الناس قصصا كثيرة عن ذلك القبر المضطجع في منتصف المَعبَر كما لو أنّه قاطع طريق يخطف من المارة نظراتهم المتأمّلة والخاطفة .
هو يعتقد أنّ الأحياء يخافون الضياع في الموت بلا هويّة، كما لو أنّ ميّتا بلا هويّة سيظل عالقا في عَدمه ولن يتمكّن من البعث في العالم الأخروي! لذلك يبنون قبورا لكلّ الجثث التائهة حتّی لا يفقدوا ثقتهم في أنّه ثمّة من سينتشل جثثهم إذا تاهت! أنعش تذكّر هذه المعلومات رغبته في معرفة قصّة هذا القبر القائم في آخر شارع باب الجنائز، فلعلّه يظفر بمعرفة نسخة من نسخ الجنديّ المجهول !
انتظرَ حتّی يحين دوره قبالة البائع، ليغتنم الفرصة لسؤاله عن القبر -وإن كان لا يطمع في تفاصيل كثيرة من بائع يتعامل مع الزبائن كأعداد يجب طرحُها تِباعا قبل موعد الإفطار-.
عرض حاتم حاجته من الحلويات أوّلا ثم أردف بالإفصاح عن سؤاله الملحّ؛ أريد سؤالك أرجوك، لمن ذلك القبر هناك؟!
أجابه البائع ضاحكا -وإن خلا السؤال من أسباب الضحك-؛ ذلك يا سيدي قبر “حمّه” عَشَّاقَ الدِّنيا !
وقد بدا أنّ البائع ممّن يحبّذون الإجابة عن الأسئلة بأسئلة أخری فلم يتردّد في سؤال حاتم عن مأتاه ووجهته وسبب مجيئه. أجابه حاتم علی عجل عساه يرد عليه سؤالا بسؤال آخر عن “حمّه” هذا! إذ لم يعد مجرّد جنديّ مجهول بل هو شخص معلوم له اسم وكنية أيضا !
لم يحبّ البائع أخيرا فكرة السؤال بسؤال فاقترح علی حاتم معرفة القصّة كاملة من شيخ كبير أشار إليه بإصبعه .
وقد كان الشيخ يجلس علی كرسيّ خشبي قديم بجانب مجزرة، لا تكاد العين تدركه من كثرة رؤوس الأبقار والأغنام المعلّقة أمام باب المحل فغطّت علی بنيته الجسدية الضئيلة. وعلی ضآلته بدا حادّ البصر، إذ كان يرمق النساء اللّواتي يدخلن الشارع بانتباه شديد، ولعلّه أتبع النّظر بخيال متفجّر عن أجسادهنّ فلا يتركُهنّ حتّی يترُكن مجاله البصري عند آخر الشارع .
وهنا كانت فرصة حاتم لإختراق مجاله البصري قبل التهائه بنساء أخريات، فبادر بتقديم التحيّة للشيخ والسؤال عن أحواله، ثم استسمح منه الجلوس بجانبه قليلا ليسأله عن قصّة القبر والشارع . ضحك الشيخ بدوره وكأنّ الأمر كان محلّ تندّر بينهم !
لم يفكّر الشيخ كثيرا في بناء حبكة لقصّته فأجاب بلا تردّد وكأنّما حفظها عن ظهر قلب أو كأنّه يجلس في هذا المكان تحديدا ليُخبر الغرباء العابرين لباب الجنائز عن قصّة القبر.
وقد بدا رجلا عالما حكيما متشبّعا بالحياة هازئا بها .
ثم بدأ بالحديث قائلا: هذا الشارع يا بني يذكّرني بقول “هارون الرشيد” «أمطري حيث شِئتِ فسيأتيني خراجُكِ» كذلك الموت في هذه المدينة يحصد الأرواح في كل أرجائها ولا يخرج بهم إلی مثواهم الأخير إلّا من خلال هذا الشارع ولأجل ذلك سُمي “باب الجنائز”، لأنّه المحطّة الأخيرة لعبور كل جنازات المدينة إلی المقابر المختلفة .
لكن يبدو أنّ أحدهم خالَف وِجهة الموت فتوقّف به عند آخر الشارع، وذلك هو قبر “حمّة” الرجل الذّي حمّله النّاس في موته ما لا يحتمله الأحياء وهم وحدهم من يقرّرُون ويُريدون .
زاد استغراب حاتم وانتباهه وهم يسمع هذا الكلام المُلغَز والكثيف من رجل بدا له منذ قليل مجرّد عجوز متعلّق بمنحنيات النساء العابرات .
ثم أكمل الشيخ قصّته بكثير من الثقة في صدق تفاصيلها؛كان حمّة رجلا قويا، يُقال أنه امتلك نصف المحلّات الموجودة في هذا الشارع، وقد كان قادرا ثريا حتّی أنه تزوج امرأتين مخالِفا بذلك القوانين التّي تمنع تعدّد الزوجات فاكتفی في زواجه الثاني بعقد عُرفي وإشهار مستغنيا بذلك عن مُباركة القانون، ولم يكن ذلك مشكلا وقتها، إذ كان القانون المانع جديدا وشاذا عن عادات الناس، فلم يخلو في البدء من تحدِّ البعض واختراقهم له بإقامة زيجات عرفية .
وقد أنجَب حمّة من المرأتين بناتا وبنينا كثر، تنازعوا طويلا في الولاء لأبيهم من جهة وفي الحرص علی ضمان نصيب من ثروته من جهة أخری.
ولأن كان أبناء المرأة الأولی من أم متزوجة بعقد قانوني عكس الزوجة الثانية، فإنّ ذلك قد أجّج النيران بينهم أكثر وأفسحت المجال للتراشق بالشتائم والتعيِير بالنَّسَبِ كأنّما هي عركة جاهلية تقرّ بأفضلية ابن زوجة حرّة عن ابن زوجة أمَة !
ولم يكن غريبا أن تستمرّ حربهم حتی يوم وفاة أبيهم، إذ اختلفوا علی مكان دفنه وأحقية كِلا العائلتين في دفن الأب في مقابرهم الخاصّة. و لولا حثّ النّاس علی إكرام الميّت بالتعجيل بدفنه لَمَا انطلق موكب الجنازة يومها .
فخرجوا بالنّعش من المسجد دون الاتّفاق عن مكان الدّفن،حتّی وصلوا به محمولا علی أياديهم إلی الشّارع الأخير « باب الجنائز».

عندما وصلوا نهاية الشارع وصار عليهم تغيير الوِجهة إلی مقبرة معيّنة، إحتدّ الشّجار بين الأبناء وعَلَت أصواتهم وتحوّلت الجنازة إلی شِجار سُحبت فيه السكاكين الخناجر وأُنزِل نعشُ حمّة ووُضِع علی الأرض، وسالت الدّماء بينهم، ولم يُفلح لا الكبار ولا الصّغار في فضّ الخلاف واستدراك الأمر.
ويقال أنّ أحد أبنائه عندما يئس من الظّفر بجثّة أبيه ليدفنها حيث يريد هو وإخوته،صرخ قائلا؛والله لن تأخذوا النّعش إلی أي مكان و لو اضطررتُ إلی دفنِه هنا.
وذلك ما حصل! دُفن حمّة في مكانه حيث وُضع التابوت عند نهاية الشارع. وكانت تلك الطريقة الوحيدة والغريبة لفض النزاع.
ومنذ ذلك الوقت حِيكت قصص كثيرة عن جنازة حمّة وموته وكُنِي بكُنيات كثيرة منها حمّة عَشَّاق الدِّنيا !
هنا علّق حاتم بعد صمت وتمعّن طويلين؛ وفيما عِشقُه للحياة أيّها الشيخ؟!
أجاب الشيخ وقد جمع أنفاسه وحكمته: هذا الشارع الذّي تراه هو آخر معابر الحياة للموتی في هذه المدينة. إنّ النعش الذّي يخرج من هذا الشارع فقد خرج من الحياة مكانيّا!
أعلم أنّ الأمر ليس بهذه السذاجة والبساطة، لكنّ الأحياء وهم مُرَشّحوا الموت دوما، ينظرون إلی المكان كأنّه نهاية العالم، وآخر مٍضيق في عبورهم إلی عدوّهم الموت وقد أُحرِقت كلّ صلة لهم بالحياة. ولمّا كان حمة هو الميت الوحيد الذي لم يتجاوز هذا الشارع فقد ظنوا أنّه انتصر علی الموت، فجثَم عند نهاية الشارع رافضا مشاركة الموتی مثواهم الأخير خارج هذا الشارع.
ثمّ أضاف مستنكر؛ أن يمتلك الميّت إرادة تقرّر مصيره لهو الحمق بعينه، ولكن منذ متی كانت الأساطير عاقلة ومقنعة، إنّه العقل عندما يعشق انحرافاته! لذلك قلت لك أنهم حمّلوا موته ما لا يُحتمل من فلسفة عَكسَت عِشقهم للحياة وقد كان حمّة أمثولة عِشقهم الظّاهر والخفيّ، فلقّبوه بحمّة عَشّاق الدِّنيا .
أنهی الشيخ قصّته وظلّ حاتم علی صمته وكأنّه وقع بدوره في عشق انحرافات العقل، فوقع في سِحر قصة حمّة وطرافة موته .
لم يكن القبر نسخة أخری من نسخ الجنديّ المجهول كما خمّن حاتم، ولكنّه ميّت أوقعه موته في فخّ الحياة فظلّ عالقا فيها مكانا وذاكرة، ومن تكون نهايته قصّة، لا يموت أبدا .
اقترب موعد الإفطار، وبدأ الشارع يفرغ من المارّة والباعة .
صافح حاتم الشيخ وشكرهُ علی سِعة صدره ثمّ نهض لينطلق في سَفره باتجاه العاصمة.
عندما أوشك علی الوصول، انتبه أنّه نسي كيس الحلويات عند الشيخ! وقد كانت سبَب ذهابه أصلا.
لكنّه سرعان ما استدرك انزعاجه من الأمر قائلا في نفسه؛ ليس لي أن أرغب في أكثر من ذلك !

 


ملاحظة : “باب الجنائر “مكان موجود في مدينة “باجة” من البلاد التونسية و لكنّه لا يحتوي علی أيّ قبر لأيّ شخص ، القصّة متخيّلة بالكامل أحداثا و شخوصا .

 

Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: