انكسار – كريمة كربيطو

img
قصّة 0 admin الوسوم:,

 

انكسار

كريمة كربيطو

 

يجلسُ فوق كرسيه المتحرك بالقرب من النَّافدة، ينظرُ في صمتٍ وبابتسامةٍ هادئة إلى الأطفال وهم يلعبون في الحديقة المجاورة لبيته. تأتي هي وبيدها فنجانين مزركشة من القهوة، ينظرُ إليها كما لو أنَّه لأول مرة يراها، يقول لها بصوت حزين :

–  هل تتذكرين يوم قلتِ لي أنَّ حياتنا يلوِّنها السواد. أتذكرين يوم قلتِ لي أن الأطفال نعمةٌ ستنيرُ حياتنا اُنظري كم هم رائعين يملؤون المكان بالحياة ويزهر بهم أمل وتفاؤل. لم يعد كلُّ شيء كما كان أصبحت بينهم مسافة وحرمان، كل شيء أصبح متوتراً بينهم. إحساس بالجفاء والنُّفور يزدادُ يوماً بعد يوم، وكلاهما لا يستطيعُ البوح بما يخالجُ دواخله ويخنق أنفاسه.

و في كلِّ ليلة كان يخلدُ للنَّوم باكراً هرباً من الحديث معها كان يخافُ من قرار لمحه في نظراتها فيختار الفرار منها ومن مواجهتها. كان هذا يُعذِّبهُ، لأنَّه يعلم أنها تغيرت وأنَّ حُبَّها له على وشك الاحتضار. لكنه اختار أن يُبقيها بجانبه معتبراً أنَّ حبه يكفي لكلاهما أمَّا هي فكانت تنتظره في كل ليلة آمِلةً منه أن يبادر ولو بكلمة لفهمه ومعرفة سبب ذلك النَّدم، الذي أصبح يتلاعبُ بمشاعرها. والذي حكم عليها بالتيه والحيرة والشك في حبِّها، كان ضجيجاً صارخاً ينمو في عقلها، وتيهٌ، وخوف صامت يمزِّقُ قلبها في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، وهي تقفُ قرب النَّافدة تسمع صوت الرياح الهادئة، وتتمتعُ بلون السماء الثائرة والغاضبة وبدموعها المتحررة، وترتشف نسيم الشتاء وتلاعب بشفتيها الهواء، وتتنهد كما لو أنَّها تحاول أن تتخلَّص من همومها وأحزانها مع ذلك الهواء كانت تنظرُ إليه وهو نائمٌ كملاك. حاولت مراراً أنْ تبوح له برغبتها في أنْ يكون لها ولدٌ من صلبهِ يملأ البيت عليها فرحاً وبهجةً. كانت تريد أن تجرب ذلك الإحساس بالأمومة، وتحتضن بين ضارعيها طفل صغير ويلامس إحساسها وشعورها بابتسامة ملائكية وبنظراتٍ بريئة تحيي بداخلها أملاً وارتياحاً قتلتهُ الحياة فيها، لكنها كانت تعلم قراره ورفضه القاطع في الإنجاب فهو لم يكتِّم الأمر عليها في أول يوم جاء ليطلب يدها قرر أن يضع قانون لحياتهم، وهي كانت راضيةً لأنه كان يوليها باهتمام وحبٍّ كبيرين أنسوها كل الأماني والأحلام. كما أنها قدرت إرادته لأنَّه عاشَ طفولةً قاسية جعلت من الحياة بالنسبة له رحلة صراع لجني المال أما الأطفال فبالنسبة له أكبر غلط يرتكبه الزوجان غير مسؤولين وقادرين على حماية أبنائهم من قسوة وظلم الحياة الغير العادلة والمتقلِّبة. كان يخافُ أن يعيش طفله كما عاش هو لكنها لم تستطع أن تظلَّ محافظة على الاتفاق قررت لوحدها أن توقف تناول حبوب منع الحمل، وبالفعل وبعد مدة بدأت تظهر عليها علامات التعب والإرهاق، فقرَّر أن يأخذها إلى الطبيب وهنا كانت المفاجئة حين أخبرهم بعد فحصها أنّها حامل في شهرها الثاني. كان وقع الصدمةِ قاسياً عليه، أما هي ففرحت كثيراً. شعر بعدم احترامها وتقديرها له وأنها خائنة لا تؤتمن بعد الآن، أما هي فكانت فرحتها عارمة وشعرت برفضه، وأنانيته، فهو لا يفكر إلاَّ في نفسه لكنها لم تبالي به.ظنت أنه سيتأقلم مع الوقت ويرضخُ لحكم القدر الذي أنجح خطتها. بعد مرور الوقت وفي أيام كانت كلها هدوء وصمت وترقب حكم عليها بالإجهاض وإرغامها بأنْ تنفِّذ حكمه وإلاَّ سيقوم بتطليقها لأنه غير مستعد لتحمل مسؤولية طفل اقتنعت بالرغم منها، ووافقت على القيام بالعملية وكانت تلك العملية بمثابة نهاية لحياتها معه، مزقتها قسوته ودمرتها وفي يوم قررت أن تجمع حقيبتها وتغادر المنزل تاركة كل شيء ورائها وهي تخرج من المنزل، سمِعت صوت الهاتف يرن، تعود لترد هنا ستكون المفاجئة رجل يخبرها أن زوجها قام بحادثة سير وأنه نُقِلَ إلى المستشفى تركض إليه وبعد خروج الطبيب من غرفة العمليات، سيخبرها أنه بخير لكنه أصيب بعاهة مستديمة حيت لا يمكنه المشي مرةً أخرى. علمت بعدها أنها تحبه ولن تستطيع أن تتخلَّى عنه حتى وإنْ طلب هو منها التخلي عنه، فأحياناً يكون للحب صورةٌ باهتة غير واضحة بسبب الأشياء والتفاصيل الصغيرة التي تتراكم فوقه كالغبار، لكن ريحاً واحدة قوية وصعبة قادرة على إزاحة ذلك الغبار ونحته. ويعودُ واضحاً راسخاً كما لو أننا لأول مرة نعيشهُ.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.