انطباعات عجلى عن عرض :”خيول” لجمعية “الشّارع فنّ”

img
 عندما تمرح الخيل
 انطباعات عجلى عن عرض :”خيول” لجمعية “الشّارع فنّ”
بقلم : الصادق بن مهني 
 
لست من هوّاة الاحتفال برأس السّنة .وإن أنا احتفلت فلكي لا أبقى وحيدا مع ذاكرتي وخيالات الماضي، ولكي أحسّني محاطا ب(بعض) من أحبّ أرنو إلى أيّام أفضل أريدها تتحوّل واقعا رغم العنت.
أمّا هذه السّنة فلقد كان للاحتفال طعم آخر. ومعاني شتّى بديعة.وأحاسيس حلوة.
احتفلت مع المرأة الّتي “عانتني” وعنيت بي وصبرت عليّ.ومع بنتي الّتي رسّخت فيّ حبّ الحياة والقدرة على البسمة حتّى وقد اكفهرّت الآفاق واجتراح التّجاوزوإن عسر التّجاوز وبدا مستحيلا.
احتفلنا يوم 30 ديسمبر.
بدءا احتفلنا بأن حضرنا معا عرض “خيول” .دعانا إليه المسرح الوطنيّ .وأمتعتنا به “كابيني كا” وجمعية “الشّارع فنّ”.
قلت “حضرنا”.والحال يدفعني إلى أن أصحّح فأقول :”عشنا”.
فمثل هذا العرض لا يحضر فيشاهد بل يعاش ويغدو لحظة حياة مشتركة يتماهى فيها الحاضرون جميعا. هو عرض على الخشبة وفي القاعة في نفس الآن ومعا. وهذا بالضّبط ما استشعره المشاهدون من الأطفال  وعبّروا عنه بضحكاتهم و بعض تعاليق.
ألحان بديعة.رقصات كرقصات الأزهار البرّيّة تدغدغها نسمات الرّبيع. حركات فيها توجّس وفيها اندفاع وفيها حيرة وفيها توثّب.وفيها صلاة.
أطفال يعاندون طفولتهم بل يلزمون بها الأكبر منهم فيغدون هم أيضا أطفالا مجنّحين.
ثقة في النّفس وفي الآخر-الآخرين.
إقبال على الحاضر والآتي .وتفاؤل بهيّ.
خروج عن السّائد الأغبر والمخيّم الحالك وبسط بهيج للزّاهي الملوّن.
احتفاء بالأنا وبالآخر.وحرّية تغلب أوجاعها . ومقاومة لا تقهر ولا هي تتعب.
وأنا أعيش العرض رأيت أزقّتنا تقهر الرّطوبة والزّمن العاتي.رأيت أطفالنا لا يكفّون يضحكون ويمرحون.رأيتهم يغدون أندادا لمن كبروا لكنّهم صانوا الطّفولة فيهم.
وذات رقصة رأيت “محمّد الدّرّة” ، رأيته مشفقا لكن نيّر الوجه متفائلا ورأيت سفّاحه الهمجيّ كتلة سوداء من حقد أعمى ووحشيّة صهيونيّة تختزن بشاعات القرون جميعها … لكنّي لمحت فجأة رصاصات غدر الطّفولة واغتيال إنسانيّة الإنسان لا تقدر على “الدّرّة” تقف دونه يصيّرها معلّقة في الهواء طيف بديع من طفولة تهرع إلى”محمّد” تحصّنه بصدورها العارية وتصدّ عنه البغي تحميه.
وذات نغمة لمحت “يقينا” تغالب غازات همّجنا المحلّيين ورأيت ملائكة من الآرض لا من السّماء يسارعون إليها ينجدونها يبثّونها حياة في الحياة. 
جمحت بنا الخيل لكن في رفق وتهادت الموسيقى وقهرت الشّمس  العتمة وعدنا جميعنا أطفالا نمرح ونزهو وغدا المستقبل رحبا ووطننا سهلا ونعيما وانطلقنا معا نرسم أيّاما بهيّة.
Facebook Comments

الكاتب جمال قصودة

جمال قصودة

شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة أنتلجنسيا للتنمية الثقافية و الاعلام ( مقرّها ميدون جربة ،تونس )

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: