انتقام !

img

أقصوصة لـسيف علوي

      امتطيتُ على إثره الميترو. رأيته يقفز إلى بابه. فقفزتُ. رأيتُهُ يدخلُ فدخلتُ. سأحدفُ تلك الجملةَ ثقيلةً صُلبةً شائكةً موجعةً في صماخِ أذنيه  لطالما حاولت اغتنام الفرص لأشتمه, فقط أقول له ما يؤذيه. لكنّه كثير التفلّتِ , يُتقنُ الدّخولَ في الزّحام وسرعة الذّوبِ في الكثافةِ والجمعِ. كم مرّة تمنّيْتُ موته  على نحوٍ شنيعٍ ..  ممتِعٌ   لا شكّ أنْ ترى رجلا في السّابعةِ والأربعين , وسيما , أنيقا , ضاريا , مُثيرا يتشظّى تحت عجلاتِ شاحنةٍ أو عربةٍ قِطارٍ. أن تخترِقَ رجولته الصّارخة َ تلك عبوة ٌ ناسفة ممتٍعٌ أنْ يتلهّى المرءُ أحيانا بمشهدٍ رفيعِ الفظاعةِ. تلبّستني روحُ ساديّة ٌلأيّامٍ. الفراشة فيَّ انسلختْ عنْ ذبابةٍ سامّةِ اللّدغِ .

ـ سأقتُلك, القتل في هذه الأيّامِ دُرَجة،  نشوة ُ المجانين الطائرة ُ .

أخبرتُهُ بذلك منذ سنواتِ, قبل أن تتشكّلَ نيةُ القتلِ في ذهني وقبل أن يتبلورَ مجرِمٌ يافعٌ في كياني.

ـ لن تستطيعي

وقهقه. كان واثقا من مراحلِ الهزال التي بلغتُ فلم يتوان في الازدراء وظلَّ كثير الضّحكِ.

ـ الضّحكُ, وجبة ُ الأدعياء, حلية ُ المتسربلين بالجبن, وإحدى علائم العجز.

ـ وليكنْ. الجبناء يمتلكون العالم, وبِجبنهم يبتكرون القوة .

ـ تلك هي القوة الهشّة ُ

ـ لا وجود لقوّةٍ هشّة .

أطلقَ ضحكة ً شرسة ً . أجال أصابعه في مأبضيّ كمنْ يكتشفُ الفتنةً للتو:

ـ يال هذا الثراء

ـ أنت مُتْرَعٌ بالضعفِ  والفجورِ . تيقّنْ أني سأنتقمُ.

عندما غادر المنزلَ عضضتُ أناملي وسفحتُ دمعا. وكان النّدمُ يستحيلُ إلى صابونٍ في الطّعمِ.. وهلْ شعرتُ كيف انتضيتُ سكينا من علبة السّكاكين التي جلبتُ في جهاز العُرسِ ؟ وهلْ دريتُ كيف اهتديْتُ إلى قطعةٍ يقطينٍ تمرّنتُ على القتل فيها فجعلتها في لحظتين نُثارا. بتُّ تلك الليلة َوقد استتبّتْ السّكينة في الرّوح، أمّا وقد راجعتُ الحادثةِ عارية من النسيانِ فقد أدركتُ أنّي تغيّرتُ حين ارتدى مجرمٌ شهمٌ أعماقي. باركتُ التحوّلَ الذي اعتراني لحينٍ لكنْ لم افتأ أنْ عزمتُ على تفجيرهِ.. ستكونُ الجملةُ التي أسدّدُها إلى ذهنه مخرّبة ً..

لقد تحوّلتُ إلى قنّاصةِ مُتعةٍ منذ بدأتُ أطارده.

ما تزال ذاكرتي تشتغلُ. جميلٌ أن تتحرّكَ أداة ُ التسجيل هذه فتحتفظ بالوقائع مفصّلة ً،أو ببعض المتلاشياتِ. ظللتُ أمارسُ هوايتي ـ أمضي إلى الحمّامِ, لأقتنص الطّهرَ.. نضوتُ ثيابي إلاّ ما ستر العورةَ . في مواضع ثريّةٍ من جسدي أكتشفُ آثارا عميقة َ الحضورِ.. فوق النّهدِ هنا خدوشُ أظافر كأنّها وشمٌ مُبعثَرُ الخُطوطِ لوشّامٍ لا يحذقُ فنَّ ترسيخ الوقائعِ في الجسد ِ.. ثمّة َ خطوطٌ لخطّاطٍ أخرقَ. بغتةً ومض الحدثُ:

ـ لن أسمح بانتفاض هذا الجسد مع سواي. لن ينفجر هذا الديناميت في غير حقولي..

ـ هُوَ لك, لتحي بانفجاره

ـ أنتِ منْ أكَلَةِ التفّاحٍ،،منكٍ تفوحُ رائحة ُ الرجسِ و الآثامِ .

ـ أنا أعشقك ، وبين يديك، عارية، كما يشاء الرّجال .

 

يتقدّمُ نحوي , يتشمّمني. يعصرُ النّهديْن منْ منبتيْهما . لا يُصدّقُ أنّهما يملآن الكفّيْن ويفيضان بيْن الأصابعِ رخييّْن سميكيْن. يعصرُ شرسا جوعان. فتكٌ حاقدٌ في يديهِ . يكاد النهد أنْ يستحيلَ إلى ماءٍ. بين الخنصرِ والبنصرِ يُخلّلُ إحدى الحلماتِ . يُطلُّ رأسُ النّهدِ مُكتنزا بالشّهوةِ والدّمِ .. تقتحمهُ أنوثتي، تسحبُهُ استدراجا نحو الحريق فيندهشُ ويصرخُ.. يحترقُ،لا ينالُ . يعوي عُواءَ الذئبِ المقنوص، النّارُ سياطٌ تجلدُ. ولا يصِلُ .يُـهرّىء لحمَه سفّودُ الشّهواتِ المبتورةِ.

جُنونٌ مذهِلٌ يُبعثِرُهُ..حتّى إذا ساحتِ الهشاشة ُ في مفاصلِه وتحوّلَ الدّمُ في شرايينِهِ إلى جفافٍ انتزعَ السّوطَ ـ سيجارةً متورّدة َ اللّهبِ منْ شفتيه،، وباردَ الأعصابِ يُطفىء حريقه وهزيمته، صقيعه وخوفه في جِلْدِي وقد خوى منَ الجَلـَدِ…

أتوسّلُ :

ـ دعْ رأسَ النّهدِ. جِدْ موضعا أكثرَ احتمالا للأذى

أعرّي يديّ :

ـ اغرسْ نارَكَ ههنا . لتعزفْ نارُك نشيشَها في لحمِي . إنْ كان لا بُدَّ أن تلتذَّ فبعيدا عنْ مواطنِ جمالي  خذِ الأصابعَ , اليديْن , أطرافَ القدميْن..

ـ بلْ سأفوّتُ عليك فرصة َ الافتتان والبهجةِ وغيبوبة َ الفرحِ واللذّةِ.

 

تقدّمَ نحوي , لم يعنَّ لي أنّه يجرؤُ على فعلٍ خسيسٍ . خلته هازلاً لقدْ كان فيما سبق ودودا ناعمَ الرّوحِ .. تقدّم أكثرَ. لم يكنْ في عينيْه ما يُنبىء بشرّ حقيقي ٍّولمْ تمضْ فيهما علاماتُ التّجاسرِ وشهوةُ الحقد ونيّة التدمير . ببطءٍ ظلّ يتقدّمُ . وتتصاعد نبرة ُ الضّحك في فيه . يقتربُ بتؤدةِ الواثقِ من بلوغ أهدافه . تتطايرُ من أذنيه خفافيش. غرفة النّوم تزدحم بأجنحةٍ سوداء. وحين يوقنُ أنّ فرَقًا فــظّا يحبو إلى الدّاخل , يشرعُ  في الغناء على نشيـش السيجارة في اللّحمِ . وإذا الفراشُ عرقٌ وعويلٌ.

هاأنا ذا أقلِعُ عن الحمّامِ .

في أعماقي ينبحُ حُزنٌ . لا أحتملُ الاستحمامَ في غيره من الأمكنةِ فلي به وشيجة ٌ خاصّة. كنت أرتّب أغراضي في الحقيبةِ على رِسْلِي . أدندنُ بغناء لا أحفظ إلاّ أوائلَ مقاطعِه. يضيعُ معظمُ المقاطعِ , أحتمي بالّلحنِ وقد تداخل فيه الغناءُ المبتورُ بإيقاعٍ مُـشوّشٍ . أنسجمُ مع ذلك التداخلِ حتّى ألتقي جارتي عند منعطفِ الدربِ.

ندخلُ الحمّامَ. مُتعة ٌ فتيّة ٌ تغمرُني وأنا أخلعُ الأثوابَ. وإذا كنتُ خارجة ً منْ حيض تلك المتعة تتصاعد فــتيْفَعُ .. تنسجمُ ـ وأنا أقبِلُ على الماءِ ـ أشياء في البالِ , وأخرى في الجسدِ , وأخرى في الوجدانِ .. ألِجُ المقصورة َ. في شغفٍ تشرئبُّ رؤوسٌ، كأنّ اللاتي حملْنَها لسْن إناثا.. ألمحُ منْ خلل الضبابِ عيونا منبهرة ، تتفحّصني، تغمزُ لأخريات بالانتباه.. أحسُّ بالشّهرةِ والانتصارِ . أفتح غُريْفة أخرى منْ غُرَفِ الحـمّام الشبيهة بالزّنازنِ طولا و عرضا. أكتشفُ ـ أهلا سارّة

ـ أهلا حبيبة, تأخّرتِ اليوم ؟

ـ لنْ يزدحم الحمّام اليومَ

ـ منْ يدري ؟

الأشباحَ كما لو أنّها تنبتُ في دياميس سحيقةِ الغسقِ في  غابةٍ خرافيّةِ الوحشةِ خريفيّةِ الغربةِ . تتطلّعُ نحوي العيونُ . ترمقني حتّى أتِمَّ الخلْعَ إلى الشفّافِ . تتحوّلُ أياديهنّ عنْ حكِّ العيونِ إلى حكِّ العيونِ لكأنّي فتحتُ لهنّ الضّوءَ , فإذا هنّ يهجرْن العمى ويُعِدْن اكتشافي .. أغتبطُ ثانية ً وأنا أسمعُ همسَ إحداهنّ تُخاطبُ جليستها :

ـ أيّ قوامٍ هذا ؟ هيكل من مرمر صقيلٍ .

أغتبط فعلا بعمقٍ. لا يفتأ الاغتباطُ أنْ يتحوّلَ إلى جزعٍ ينتابُ عندما ألمحُ المهموسَ إليها تحدّقُ في مواطنِ العفّة والحياءِ  بلا عفّةٍ ولا حياءٍ , وأسمعُ التّعقيب َ:

ـ انظري كيف شُكِّلتِ الألية ُ لديها. انظري إلى تناسق الفخذيْن في الطّول والاكتناز و الانسرابِ . انظري إلى النّهدين لا يملاّن الجُموحَ ولا يعرفان الطّأطأةِ . انظري…

وتنظرُ كلتاهما إلى موضعٍ انتماءِ الفخذيْن. أنتترُ يدي خطفا لفوطتي المخلوعة منذ وهلةٍ . أستُرُ العورة وأدلفُ إلى مقصورةٍ أخرى وجنونٌ علنيٌ يسحبني ويدفعُ  أمامي حبيبة..

 

مُتعةُ الاستحمام لم تكنْ تُضاهَى . وإحساسٌ كهذا ما كنتُ لأتنازل عنه لولا… هاأنا ذا أتخلّى عن

متعةٍ أخرى ..

لحظةُ الدّخولِ إلى الحمّامِ في السّنواتِ الخالية كانتْ لحظةً من التّصوّفِ : ثمّةُ بخار , ثمّةُ حرارةٍ، أطيافٌ تلوحُ من خلل الضّبابِ عاريةً أو نصفَ عاريةٍ. ثمّة َ عُرْيٌ و ماءٌ . ثمّة عُرْيٌ تحت الماءِ  ثمّة عُرْيٌ ودأبٌ نحو التّطهّرِ فـَمُتْعة ٌذاتُ مذاقٍ خاصٍّ . ثمّةَ جسدٌ ـ جسدي، و يدان تدلكان الحدائقَ في نُعومةٍ حينا وفي قسوةٍ ليّنةٍ آخرَ. وأنا أكتشِفُ في كلِّ مرّةٍ الحدائقَ ذاتها والبواكيرَ، و لكنّي أفتقدُ اليدَ الخشنة َدوما.

تنهالُ حبيبة ُ عليَّ حكّا، يداها تزلعان لحمَ ظهري . كانتْ تُتقنُ استنباطَ خيوطِ الوسخِ من تحت الجلدِ. لكنّ يديها كانتْ ذاتَ أظافِرَ طويلةٍ ومطليّة بالمانيكور. لقد كانتا إذا تأمّلتها , يديْ أنثى تُشبِهني . لذّة ٌ وحيدة ٌ تُشعرني بها حبيبة ُحين تخترِقُ قشرةَ الأوساخِ , وتجعلني أنتمي إلى جسدٍ جديدٍ , شمسيٍّ أبيض, قُطنيٍّ , له مسامٌّ تتنفّسُ , له حالاتٌ من الارتخاءِ والاشتدادِ , وله وضعيّاتٌ من التّلاشي.

ـ تريّثي, لا أحتملُ .

في ما يشبهُ السّخرية َ تردُّ:

ـ أ حسّاسٌ جسدكِ إلى هذه الدّرجة؟

ـ نعم. ويداك جارحتان و كأنّ أظافرك براغي .

توشّي كلامها ببعض الضّحك :

ـ ما منْ طريقةِ أخرى لاستخراج الأدران وتلميع الجسد .

 

أحسُّ كلمة َ “الأدران” منْ متعلّقاتِ حيوان  شنيع القذارةِ , من خصائص خنزيرٍ أو ثعلبٍ. أعيبُ عليها سوء انتقائها اللّفظَ :

ـ عليك بالمطالعة لتهذيب الّلغةِ.

تعقّبُ مُستاْنِفة الضّحكَ :

ـ لا حمّامَ بلا مزحٍ , إن جئتِ لتصمتي فابحثي عنْ ” حارزةٍ ” أخرى .

ـ ادلكي جيّدا وبليونةٍ . و إلاّ أهملتكِ متى حان دورُك.

تضحكُ . أقاسمها نخبَ متعةٍ تافهة. تأتينا قهقهاتٌ أخرى, من الغُرَفِ الأخرى. تطلب حبيبة ُ أن أتهيّأَ لدلْكٍ أخيرٍ. أتهيّأ . على أطراف كتفيّ أحسُّ ضغطَ يديها. وإذْ تصلُ إلى الإبطيْن , تخفّفُ منْ  قسوة َالضّغطِ . تداعبُ بطراوةٍ مواضع الإبطيْن , ما تحتهما و وصولا إلى حدود الخصرِ وفراغاتٍ الأجناب . أحسُّ بالنّوم . أستسلمُ للإغماض . تشعرُ حبيبة ُ أنّي آخذة ٌ في التّخدّرِ  وترى الأجفان مُسْبَلَة تزيد في مداعبتي وهدهدتي ,, أدخلُ حينذاك إلى هدأةِ التّخيّلِ والحلمِ . فما تفتأُ أنْ تخزني بأحد الأناملِ، أفزعُ على الضّبابِ والبخارِ وملامح الأشباحِ والانتعاش بالماء و الرّغوات تنزلِقُ فقاقيعها على صدري ووجهي وأذنيّ وعنقي والنّاهديْن..

أحسُّ وأنا أحملِقُ في الصّابون يتحوّلُ إلى سائلٍ بين السّيولة ِ و اللّزوجةِ  مطّرِدَ الانزلاق, أنّني بجعةٌ سحريّة ليس بإمكان أمهر الصيّادين قنصُها  ثمّ وأنا أحملقُ فيما تصلُ إليه عيناي من الجسدِ بأنّني منيعة ٌ جدّا إلاّ على الماءِ ..

الماءُ بين السّخونةِ والبرودةِ، أستدعيه فيأتي . أدلقُ الدّلوَ منه فيستحيلُ إلى سُيولٍ صغيرة لمّاعةٍ , ثمّ إلى قطرات من ضوءٍ تومِضُ على بلّلور من لحمٍ . أمحو بأناملي القطراتِ . المَحْوُ  لا يُلقي  في العادة صوتا. أسمعُ صوتَ المحو ينقرُ نغما فوق نظيفِ الجلدِ .. من شعري المُبلَّلِ تزيغُ قطراتُ لؤلؤيّة الطّهرِ.

الذّاكرة  تنفتحُ  كسلى على صورٍ لا أحصيها إن حاولتُ , و إذا جعلتْ تتْرى فهي  لا تكتملُ.

 

…الآن

سأقولُ تلك الجملة َ.أقلُّ ما يُمكنُ فعلُه إذا استحالَ القتلُ .الآن , فكرة ُ الانتقام تشقُّ الذّاكرة َ وتركلُ النّسيانَ . هي ذي تتحوّلُ في الوجدان إلى إحساسٍ ورغبةٍ.

لذلك أنا أطاردُهُ…

ما أن رأيته حتّى تبعتُهُ . رغم الإعاقةِ, مشيُهُ كان خفيفا، لكأنّ له ساقيْن من فلّلين.. عيناه كانتا تصطلمان بالفتنة والفطنةِ. وحدسُهُ كان سريعا. في يده عصا للتوكّؤ والدفعِ . في جيب بدلته الدّاخليِّ يختبىء سكّين مستوردٌ , في أعلى حافّتهِ زرٌّ صغيرٌ يُغري منْ يُمسِكُه بالفتحِ . وإذا فُتِحَ , ينبثِقُ نصلٌ طويلٌ نسبيّا , مُذبّبٌ مُرهفٌ شهيٌّ, لطالما وددتُ لو أنتزعُهُ منه, وأصنّفُه في مُتحفِ الذّاكرةِ هديّة نادرة . لم يكنْ يُفارقُهُ.. كان يُحبّهُ , ولا يُتيحُ لأحدٍ حُظوة لمسهِ. وحدهُ منْ يستمتعُ بطقسِ إخراجِهِ .. في هُنيهاتِ التّأنّقِ, في لحظاتِ التّقشير, يتناولُهُ بلطفٍ. يُداعبُهُ. ويلمعُ بين أصابِعِهِ . يلاعبُ حدّهُ في نشوةٍ غريبة. يُعيدُه إلى غمدهِ ثانية ً. يُكرّرُ فتحَ الزرِّ ثانية ً. يُنْعِشُه الضّغطُ المُعاوَدُ وصوتُ انبثاقِ الحَدِّ من الغِمدِ. يبدأ ُ في تقشير تفّاحةٍ أو برتقالةٍ أو نهدٍ. متْعَتُهُ في المنتهى . وهو يقضمُ التّفّاحة َيتلمّظُ ثم يزدردُ، يتراءى كواحدٍ منْ أبطالِ مُحترفي الجريمةِ ومبتكري أفانينها بحذقٍ وبراعةٍ و برودةِ دم نادرةٍ.

كان ذلك السكّين ُ تُحفتَه الباهضة َ. وبقدر ما كنتُ أشتهي امتلاكه بقدر ما صرتُ اشتهي تحويلَه إلى مُتحف صدرهِ. سأعملُ على غرسها في القلبِ وتمزيق الشّغافِ. إنّ شغاف لا يُولّدُ الشّغَفَ حقيقٌ بالتّمزيقِ . وأنا منْ تُمزّقُهُ. أنا منْ يخترقُ ذلك القلبَ المُحصّنَ , منْ يكسِرُ أواني َ الخزفِ الهشِّ . أنا من يجعلُه آيلا للعدمِ..

تقدّمتُ داخلَ العربةِ . واستطعْتُ أن أحتلَّ مساحاتٍ بين الزّحامِ . مساحاتٍ للخطى . كان وجههُ آنئذٍ يطفو على وجوه كثيفةٍ. الملامحُ بائنة ٌ بوضوحٍ. حدودُ وجهه داخلَ غابةٍ من الوجوه ِلاحتْ كنبتةٍ فذّةٍ تتدلّى من سلالةٍ فريدةِ الفصيلةِ . ورغم المسافة الفاصلةِ نظر باتّجاهي.  تأكّد منْ أنّي التي يعرفُ ابتسم َ. أترى أدركَ أنّي اقصدهُ ؟ أتُرى استفاقتْ تفاصيلُ الحكايةِ في ذاكرته؟ لم يُشِحْ بوجهه عنّي رأيتُه يحزر, يحدسُ وينظرُ إلى المسافةِ بيننا. ولم يخطُ. تفقّدَ موضع يدِه وكرّرَ الابتسامَ. تقدّمتُ نحوه متّئدة ً . نيّة ُ الانتقام تدفعني . وتسحبني  إلى حيث يقفُ وحيث يُمكنُ أن أنفّذَ المواجهة، ثقة ٌ خرساء ُ..

ضحك هذه المرّةَ . ولولا بعضُ غمغماتِ المسافرين لوصلني صريرُ الضّحكةِ التي يحتفِظُ مسمعي بنحاسيّتها وجرسِها المميّزِ .. كدتُ أدركُه حيثُ الفعلُ أو القولُ آنئذٍ سيان, الصفعُ أو الشّتيمةُ , قرّرتُ في صمتٍ أن أشتمه ما لم أتمكّنْ منْ صفعِه داخلَ العربةِ. وانشغلْتُ بمتعة القرار يوشِكُ أن يتمَّ , نفس المتعةِ التي عرفتُ وأنا أقرّرُ قتلَه ذات يوم حديدِ الوطأةِ.. لكنّ جموع الرّاكبين تدافعوا لتوقّفِ الميترو , ولانسلال موجةٍ جديدةٍ من البشرِ على عربةِ السّفرِ السّريع. انسدَّ الأفقُ الصّغيرُ الضيّقُ وقد كنتُ استمدُّ منه طريدتي , أحدّدها وأجدلُ أحابيلَ قنصها..

بغتة, داهمني الاختناقُ وأنا أحملقُ بحثا عن العدوِّ. لا مسلكَ للعبورِ ولا مساحةَ للتقدّمِ والدنوِّ من باب العربة الذي مايزالُ مفتوحا. جاهدْتُ نفضَ الاختناقِ مجاهدتي دفعَ بعضِ الواقفين وتنحيتـَهمْ عن أمامي. وأمكنني بالجهادِ إدراك البابِ في اللّحظةِ التي استأنف الميترو فيها سيره. أوصِدُ البابُ وقدماي على الدّرجةِ الأولى من درجاتِ المهبط. نظرتُ حواليّ.. لقد كان واقفا هنا . المكان الآن صفرٌ. ههنا كان يضحكُ , تماما عند هذا الموضعِ . موضعُ الأقدام صفرٌ من قدميْه. مئاتُ النّعالِ تملأ العربة َ …

واشرأبّ الرّأسُ دهشة ً وتتطلّعا, كان على رصيفِ الميترو يمشي هادئا كالصّبرِ, أنيقا, وسيما , صفيقا. بيده عكّازٌ. في شفتيه سخرية ٌ تبتسمُ. لابدّ في  جيبه لا في قلبه السكّينُ التي اشتهيتُ انتضاءها يوما.  لابدّ سينتضيه بعبقريّةٍ كما انتضى ضحكاته منذ قليلٍ.. داهمني دوارٌ  دنوتُ أكثرَ من فتحةِ البابِ و أردتُ التقيّؤَ , لم أقدرْ. تردّد القيء على  حلقي . أوشكَ أنْ يجوزَه  لكنّه تراجعَ دفعة ً واحدة ً  وظلَّ في حركةِ مدٍّ وجزرٍ داخلَ المريءِ .. كدتُ أنْ أتفجّرَ لولا أ نْ عجّلتُ بالهبوطِ في المحطّةِ التي تلتْ محطّة َ حصاني الطريدِ, وفي صدري غليانٌ كالحمم تتشكّلُ قبلَ الفيضِ, فترتطمُ في الدّاخلِ بالدّاخلِ .

التقطتُ أنفاسي برهة , ثمّ عدتُ أدراجي :

“لا بدّ أنْ أعثرَ عليه ذلك المتفلّتِ دوما كالشّهبِ الرّاجمةِ” .

حثثتُ الخطى على لهْمِ المسافةِ الفاصلةِ بين المحطّتيْن ـ محطّةِ هبوطه ومحطّةِ هبوطي . حتّى في الهبوط مختلفان. خطاي كانت ثقيلة ً رغم سرعتها . كم مرّة أحسستُ أنّني أتعثّرُ . ولعلّي كبوْتُ ولم أنتبهْ .عنَّ لي ذلك حينما رأيتُ بعضَ منتظري الحافلةِ ينظرون باتّجاهي ويضحكون. وبعضَهم يُعلّقُ على توقيعاتِ حذائي  لمُرافقٍ له :

“كان عليها أن تُرافِقَ ناقرَ دفٍّ ليتناغمَ الإيقاع.”.

وصلني الكلامُ ولكنّي لم أسمعْ . كلُّ التّركيزِ انصبَّ على ما تبقّى منْ مسافةِ بدتْ للمرّةِ الأولى أطولَ منْ حزني الذي طفق يتنامى…

رأيته ثانية. يقفُ ملتفتا إلى حيث يفِـدُ ميترو جديد . ظهره إلى الجدار مُـسْـنَدٌ . وحواليه ناسٌ يتناثرون. عكّازُه إلى صدره مضمومٌ . يستلُّ من جيب صدره سيجارة، يُشعلها ويُعيدها دخانا مُصفّى إلى الرّئتيْن.. رأيته ينظرُ إلى الخلفِ. الخلفُ عنده مكانٌ، مسافة ٌ تُـقطَعُ بالسّاقيْن. لا خلفَ عنده يُرى بالذّاكرةِ .لا يُسعفه إحساسٌ شفّافٌ بالماضي… تربّصتُ بهِ. خطوتُ اختلاسا إلى حيث يقفُ. لن يفلتَ هذه المرّة. سأصطاده كما فعلَ منذ ثلاث سنين. سأنتضي أسلحتي لأقشّرَ روحه, هنا  في محطّةِ الميترو, بمحاذاةِ الشّارعِ المليء بالقوالب البشريّةِ المتحرّكةِ..الفضيحةُ.لا تعني شيئا. أنا في اليمّ ملقاة لا أخشى البللَ. الفضيحة ُ بلّلتني في الدّاخلِ , كما بلّلته إلى العظمِ, وبلّلتِ الجميعَ..

الشّارع كان عاريا تماما رغم خضرةِ الميترو وتألّقِ أضواءِ المساءِ وإشعاع العاصمةِ. بعض خطوةٍِ يفصلني عنه أو أقلُّ. عليّ مخاتلتُه. أتيتُه من الخلفِ . لم يشعرْ, منهمكا في انتظار الأخضر, بوجودي . انتترتُ عكّازَه من تحت إبطه فيما هو يستند إلى جدار, وأنا أفصِحُ :

 

ـ تقدّمْ بلا عكّازٍ إن استطعتَ. اخطُ خطوة ً واحدة ً. أنتَ الآن بلا توازنٍ. أنتَ الآن بلا شجاعةٍ وإلاّ لكنتَ ابتعدتَ عن المحطّةِ..

 

منذُ سنواتِ خمسٍ زمن عودته،، عرفتُ به عرجا مستديما. وبدون العصا لا يقوى على أنْ يستقيمَ. تلك إذنْ حكمة ُ العصا, أو ذاك مأربٌ آخرُ.

ـ الآن سأؤذيك. سأنزعُ جلدك ,أجلد ما تحته .

رأيتُه للمرّةِ الأولى بلا جلدٍ . نظر إليّ نظرة َ توسّلٍ كالمتضرّعِ لإله غير شفيقٍ.

قال:

ـ سارّة , كنتُ متأكّدا من لقائنا ثانية ً وفي المحطّةِ تحديدا.

ـ ليستْ نفسَ المحطّةِ التي منها انطلقنا باتّجاه الذّعر والانسحاقِ..

ـ أنتِ على حقٍّ, ليست المحطّاتُ متشابِهَة.

ـ أ مازلتَ تحتفظ بذاكرتكَ؟ أ ما زالت ذاكرتك تحتفِظُ ببقايا صور؟

ـ بديهيّ , أنا لا أنسى الأشياءَ , ولا الأحبّة َ و لاالوعود ولا الأفكارَ.

 

وجدتُني مدفوعة ً إلى ضحكٍ أصفرَ, هي السّخرية تسيحُ بها المرارة ُ ويسحبها الجِدُّ إلى موقفٍ:

ـ عرفتكَ مخاتلا, بارعا في تقمّص أدوار الشّهامةِ .هذه المرّة اختصرت كثيرا من المسافةِ. سأوفّرُ لك كثيرا من الوقتِ ..

 

حاولَ أن يتقدّمَ, فتعثّرَ, رأيتُ علامة َ سُقوطٍ أولى . استعاض عن ذلك بابتسامةٍ بين الحرج والمكر والطّفولة القديمةِ :

ـ سارّة, هلْ نتحاورُ هكذا ؟ ناوليني عصاي لأمضي معك دون ترنّحٍ إلى فضاء آخر للتّحاورِ.

ـ ماذا يا فاضلُ ؟ أ مازلتَ تُدعَى فاضلا ويناديك به النّاسُ ؟ هلْ تُجيبُهم بكبرياء؟

ـ أرجوك…

وضحكتُ.. دوّى صدى ضحكتي في الشّارعِ . استدار من الخلقِ كثيرٌ نحوي. حملقتُ فيهم واحدا تلو آخر ولم أنكسرْ . لم أخفض رأسي ولا دفنتُ وجهي بين يديّ كما كنتُ أفعلُ في أزمنة الخجلِ.. عاودتُ النّظرَ إليه فبدا كالعاري بلْ عاريا، قبل الإرداف:

ـ أنت عاقلة ٌ ياحبيبتي. ناوليني العكّازَ رجاء لا أستطيع الاعتدالَ ولا السّيرَ السويَّ .

أدركتُ للمرّةِ الأولى أنّه ذليلٌ , حين انخرط في لحظة توسّلٍ . قلتُ في نفسي :

” هي ذي أندرُ فرصِ الانتقامِ لأردّ الكيلَ مضاعفا “.

قلت علنا:

ـ هات السكين والسّيجارة َ أوّلا.

 

سارع إلى تسليمي السكّين ,وامتنع عن السّيجارةِ. كأنّه أدرك ما أنتوي فعلَهُ مستبعدا جرأتي على التّنكيل به بذبحِهِ.

تناولتُ السكين وضغطتُ على الزرّ, أحسستُ أنّني استعيدُ نشوتَـه القديمة َ ذاتها..

ـ لن تفعلي. أنتِ أكبر ُ من أن ترتكبي حماقة أوْ أذًى

ـ لماذا عذّبْتَني؟ لماذا أهنْتَني؟

ـ لن ترحميني إنْ أخبرتـُكِ. لنْ يرْحَمنِي أحد.

ـ لا ليس لديكَ ما تقول.لن تقوى على كذبٍ جديد. فلا تبحثْ عن الرّحمةِ.

ـ بلى . لو تسمعيني بهدوءٍ وصبرِ.أنا الآن خيال , ظلُّ كائنٍ

ـ لقد سفّني الصبرُ .لمَ قهرْتني على نحوٍ فضيع. الآن دوري لأسأل: لماذا قتلتَ أنوثتي بوحشيّةٍ؟

لمَ آلمْتَني ؟ كيف سوّلت لك رجولتُك العيث بي؟  أين تعلّمْتَ الجريمةَ أيّها السّافل؟

ـ اسمعيني

ـ هذه المرّةَ، لا. لن تنطلي الألعوبة َ سأنتقمُ لسنوات من القهر والغربة.

ـ لا. لن تفعلي. أنتِ أكبرُ من تؤذي أحدا، وأكبرُ من تتلفي أنوثتَكِ الملهبة

ـ أنوثة؟ أنا الآن تجاعيد،هو ذا الوردُ يتيبّسُ في الحدائق.انظر الخصلاتِ تنسلخُ عن سوادِها.

ـ أنتِ أجملُ ممّا رأيتُ سالِفا.

ـ لقدْ كنتَ أعمى لا يبصِرُ بغيْرِ وميضِ سجائرِه وأخرسَ لا يسمعُ إلاّ فحيح َ النارِ في الفتنةِ. ومع ذلك لم أتحوّلْ إلى مومس، ما أزالُ صامدة ً. أنتَ الوهِنُ الآن.

ـ قولي ما شئتِ، أنا عاذرُكِ

ـ لن تدفعني إلى التّراجع. سامزّق بنطالَكَ في هذه المحطّة، لتبداأْ  عاريا مِن هذا المكانِ.الآن أجرّدكَ من كبريائكَ أو تقولَ لي السرَّ. سأزرعُ السّيجارةَ في أطرى لحمكَ لتبوح أوترى الوجعَ .

ـ لنْ تفْعلي لأنّي أحببتُكِ دائما

ـ أنتَ أصغرُ من هذا الإحساس الذي تدّعيه،أنت نذلٌ كبيرٌ

ـ وأنتِ أكبرُ من الانتقام

ـ ولكنّي أصغرُ من الآلام التي أطعمْتني.

 

وتقدّمتُ نحوه، ويدي تشهِرُ السكّين ذي التقنيةِ المتطوّرةِ. كان لابدّ مِن قتلِه، مِنْ طعنِه على الأقلّ، أو خدشِه حتّى. كان لابدّ مِن سماعِ صوتِ الألم.. اقتربتُ أكثر.. النّاسُ في حيرةٍ ينظرون. هاهم يرون امرأة ً فظّة ً بصدد اقتراف القتلِ. يروْن رجلا أنيقا ولكنه موهون في مرتبةِ التسوّلِ. تحلّقَ المتفرّجون.

ناديْتُهم:

تعالوا، اقتربوا، ستجدون المشهد َ مسلّيا.

ندَّ صوتٌ مِن لحلبة:

ـ اخجلي يا هذه. لاتنسي أنّكِ امرأة.

صوتٌ آخرُ:

ـ إنْ كان فيك عقل فاقلِعي. كفّي عمّا لايليقُ.

أجبتهم:

ـ اكتشفوا الحكاية َ أوّلا. أنتم عُميٌ . هلْ أخبِرُهم الحكاية يا فاضل؟

ـ ……..

ـ لم صَمـَتَّ؟ تخشى الفضائحَ؟

ـ ……….

ـ حقّا ؟منذ متى؟ هلْ تتكلّمُ أم أفعل؟ لي من الجرأةِ ما لا تملكُ. أيّها المارّون في الأرصفة، أيّها الواقفون، اسمعوا…

ـ أرجوك سارّة. سأتولّى حكْـيَها.

يصمتُ لوقتٍ غير قصير. والمتفرّجون ينتظرون جوعى، دائما هم في حالةِ جوعٍ إلى حكاية ما.

يستأنِفُ:

ـ أنا مذنبٌ في حقِّ هذه المرأةِ.

ـ هذه المرأة؟ قلْ لهم مَنْ تكونُ .

يتردّدُ قبل المواصلةِ:

ـ هذه المرأة … زوجتي

ـ بالاسم ،، في وثيقة الزّواج

ـ… … هذه المرأة… ما تزال عذراءَ منذ ثلاث سنوات مِن الزّواج.

غمغم الحاضرون، وعلا ضّجيجُ الغرابة والسّخريةِ.

ـ لم أكنْ أعاشِرُها.. نعم..

قالتْ سارّةُ:

ـ هذا رُبُعُ الحقيقة.إنّه لايقوى على التصريحِ بساديّتِهِ. أخبِرهم بتعذيبي.

ـ كنتُ أعلّمكِ أنْ تكرهيني.

ـ علّمتني كُرْهَ نفسي، فتخطّيْتُ أنوثتي.

ـ لقد أحببْتُكِ حقّا

ـ هذه هراء

ـ لايمكنُ أنْ تكوني لسواي ولا يمكنُ أنْ أكون لك.

ـ هذا هراء أشدُّ. إنّكَ تُعلّمني فقدان العقل بعد فقدان الجمال.

ـ بلْ أعلّمك الحبَ الحقيقيَّ.

ـ لم أعدْ امرأة ً. أنتَ تهذي.

ـ كنتُ مصابا بداء شنيع، سارّة.

ـ هذه خُدعة ٌ

ـكنتُ مُصابا… بالأيدز

ـ هذا افتراءٌ

ـ توخّيْتُ الحذرَ، خوفا من نقل العدوى.

ـ هذه مُغالطة ٌ كبرى، وتفنّنٌ مبتكَرٌ في القسوةِ

ـ لم أشأْ أن يولَد لنا أطفالٌ مرْضى.

ـ ماذا تروي؟

ـ فضلّتُ أنْ أعذّبكِ على أنْ تحبّيني

ـ لم تـزوّجْتني إذنْ؟

ـ ألا تذكرين وعدي لك بالزّواج قبل سفري إلى ألمانيا. وحين عدتُ وفيْتُ. كان لا بدّ أن أفي.

ـ أيّ وفاء خائنٍ هذا؟

ـ بتصوّرٍ ما

ـ ليكنْ ما رويْتَ الحقيقة ، لم آذيْتَني بفظاعةٍ؟

ـ لتتقني النقمةَُ فتهجريني،، لكنّكِ لم تفعلي.

خطا نحوها بما يشبِه الخطوةَ.. عرّى صدرَهُ وهو يقول:

بيْن يدْكِ سكّيني، فاغرسي حيثُ شئْتِ. الآنَ أعلّمكِ الرّحمةَ. فادفني هذا الحدَّ في كبدي.

أشرَقَ بيْن أصابِعي ضوءُ الطّعنِ. لكأنّي أسمعُ ترنيمة َ دمٍ يقطُرُ منْ ولعِ العودةِ مِنْ عِظامِ فاضل. صوتُ عودةِ السكّين يختلِفُ عنْ صوتِ مُضيِّهِ.الفارِقُ هو اللّونُ والصّوتُ.

ـ سأقتُلُكَ يا فاضل. لا أطلبُ إلاّ الصدق قُبيْلَ انتزاعِ روحكَ. لتكنْ صادِقا للمرّةِ الأخيرة.هلْ أحببْتني يا فاضل؟

ـ إن صدّقتِ ما رويْتُ ،فقد أحببتُكِ.

ـ ألم تندمْ على ما فعلْتَ بي؟

ـ إنْ كانت الغايةُ نبيلةً فلا شيْء يسْتدْعي النّدمَ. الوسيلة  القذرةُ تصبِحُ آنئذٍ جزءا مِن نُبْلِ الغايةِ.

ـ لم لم تُصارِحْني بسرّكَ؟

ـ سيُضحي الموقِفُ أشدَّ مأساويّة ًمتى خالَطَه الصّفحُ أوتوّجَه الطّلاقُ.

ـ الآن أعلّمكَ النّدمَ.. أنتَ مقتولٌ لاتستحقُّ طعنة  حاسمة ً.

ـ هيّا إذنْ اقتصّي منّي. استوتِ الأشياءُ في التوِّ. لحظة  ماسوشيّتي الآن لا تتكرّرُ. اغتنمي قوّتَكِ. اغتنمي شغفي اللحظة بالألمِ . و أنا واعٍ بهذا الشّغَفِ.

ـ سأعلّمكَ النّدمَ. اللّعنةُ على الحبِّ.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: