النحت على الحجر، فاطمة عسيلي

img

“النحت على الحجر” – فاطمة عسيلي 

 

رغيف خبز ينكسر من بين أصابع خشنة يرتفع في الهواء يقفز من بين شفتين مشققتين يلامس أسنانا صفراء ثم يختفي في ظلام دامس. قطة بنية اللون تقف وراء النافذة تراقب هذا المشهد المتكرر آملة أن ينالها نصيب. غصينات الزيتون تتراقص بخفة، غير بعيد عنها يقف الصبار جامدا أمام الريح. مقدم الأخبار، يمرر تقريرا يصف الأوضاع المحلية. عجوز في عقدها الثامن، تتذمر من سوء الأحوال الجوية و تطالب بتحسين ظروف العيش لتسرق مزيدا من السنوات.. أمام الشاشة شاب في ربيعه الثالث يتابع النشرة. و في الزاوية الأخرى من الغرفة يجلس سيد خمسيني يقرأ بصمت جريدة من وراء نظارات سوداء. اخذت القطة ترمق الشاب بنظرات غريبة حتى أنه كاد يجزم أنها تريد محادثته بشأن مهم. ترك مقعده و اتجه نحوى النافذة، فتح الشباك و طرد القطة ثم عاد الى سكونه. رن جرس الهاتف، نظر طويلا إلى الإسم الذي ظهر على الشاشة كأنه يقرأه للمرة الأولى، رن الهاتف طويلا حتى استنفذت البطارية رمقها الأخير. الأمور على مايرام، رسالة هاتفية تصله من زميله في العمل. لا يحتاج طمأنينة، يريد سعادة عارمة تغمره للحظات، كتلك النشوة التي تصاحبك حين تقفز من قمة عالية، ريح قوية ترتطم بوجهك تغلق عينيك حتى ترى. التفت إلى والده و نظر اليه ليخبره أنه حقق اليوم ما كان يطمح له منذ صباه، هو الآن يشغل المنصب المهم الذي حلم به كثيرا، يزور والدته بانتظام و يملك سيارة و منزلا و أشجار الزيتون. البعد الرابع، ذلك الجدار الخفي، بين الحقيقة والوهم، بين ما أراه و ما يظهر لعينيك. كل المفاهيم يمكن أن تنقلب بمجرد أن ننظر إليها من زاوية مختلفة. أخرج دفترا كان قد خبأه في الخزانة و فتح الصفحة الأولى. محا اسمه و لقبه و تاريخ ميلاده. محا مدينة انجبته. محا شهادته العلمية و مناصبه القديمة. أخذ قلما وكتب، الهواية : النحت على الحجر.

Facebook Comments

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.