النجمة التي سقطت من ليل فان غوغ

img

قصّة – رجاء البحري – تونس

توقفت زخات الرصاص لتلي الإعلان الغريب لمشابك “لولا” للشعر و التي اتخذت شكل نجمات بحر لوحة…
“الليلة المقمرة..” همس و قد روعته البقع الحمراء القانية التي لطختها.
التقط أنفاسه و هو ينظر خلفه للبركة الحمراء المتراقصة تحت ضوء النجوم… بعد وقت لم يدر كم طال انتفض و قد داهمه النعاس. “لا يجب أن تستسلم للنوم” .همست.
تلمس أطرافه المتجمدة ثم رمى عنه سترته الملطخة دما بعيدا . صدح صوته مرتعشا يمزق الصمت بين عويل و ضحك ليستحيل أغنيات حملته بعيدا.. غنى مطولا دون أن ينقضي الليل.ارتعب فجأة و هو يصغي لصوت رهيب مزق الصمت المريب أشبه بخوار الأعماق السحيقة رجح أن يكون للحوت.مادا لو قلد أصوات الكائنات بصمت ليبقى مستيقظا ليلته. بكى و هو يكتم عواءه الذي خيل إليه أنه يسمع رجع صداه بين الجبال البعيدة .. هو لم يفهم كيف تسللوا ليطبق الخوف على مدينته التي نهشتها فجأة حرب الشوارع التي التهمت رفاقه.
سالت على خده دمعة سارع بمسحها مستجمعا رباطة جأشه . ما الذي تفعله بي هذه اللوحة ؟!
رفع رأسه ليجد النجوم تتطلع إليه في حنو غريب. نجمته” لولا” كما يسميها ماتزال ساطعة و هذا يعني أن ساعته لم تحن بعد . “لكل نجمته . إذا ما أفلت فارق هذا العالم”. هذا ما تناقلته الجدات . كثيرا ما تندر بهذه الرواية لكنه في هذه اللحظة يميل لتصديقها أكثر من أي وقت مضى و كثيرا ما سمعها تهمس إليه أن _كل شيء سوف يمضي- وهو متسلل عبر الجبال المزروعة ألغاما و وحوشا آدمية حتى عبر الحدود الليبية في شاحنة أحد المهربين. بكت معه لما وقع في الأسر وقد ألجمها الهلع و هي تراه يباع و يشترى. ما لا يعلمه أنها رأت ما هو أكثر هولا حتى كرهت حياتها في السماء. في إحدى الليالي المقمرة أوحت له بقتل سيده المخمور و سرقة ماله غير أنه قبض عليه مجددا ليقتاد كدرع بشري.فر و قد انتابته حالة من الهستيريا.
انتفض من كرسيه ليجلس مجددا .
دفع كل ما يملك لأول غريب وعده بتسفيره لأوروبا.
انتفض مغمض العينين و هو يتذكر زخات الرصاص تنهال على المركب في عرض البحر .تساقطوا كالفراش و البحر فاغر فاهه في حين كانت النجوم ترقبهم خرساء مثل الحياة تماما.. .لذيذ هذا السلام و هذا الخدر الذي يتسلل إلي أطرافي و يأخذني إليك أم تراك وقعت على صفحة الماء.
كان الفجر يطل على البحر الممتد و لوح يطفو على السطح و قد علقت به نجمة بحر.
غير بعيد جثث متناثرة على الشاطئ تحلق حولها نفر من البشر ينتزعون أحذيتها و كل ما في وسعهم بيعه ليفروا على صرخة أحدهم و قد أطبق على يده فك حاول انتزاع نابه الفضي ليتقدم شاب عشريني جمع الثروة التي خلفوها وراءهم بعد أن نزع ملابس إحدى الجثث ثم واراها التراب . ارتدى الجينز و السترة التي كانت على مقاسه تماما . تخير له حذاء حمله مهرولا ليغيب بين الشجيرات لما سمع صفارات خفر السواحل غير أن صوتا استوقفه ” -كل شيء سوف يمضي-“.
كانت نجمته . .. إنها هي ما تزال عالقة باللوح الذي لفظه البحر. التقطها غير مصدق و لاذ بالفرار.

انتبه الدكتور لاضطرابه الشديد . “يمكننا تأجيل جلستنا للحصة المقبلة إذا شئتم ”
“شكرا.. لا داعي لذلك.- فكل شيء سوف يمضي-
همس صوت في حين انقشع كل أثر للأحمر من “الليلة المقمرة”
خيل للدكتور أنه سمع صوتا أنثويا نطق على لسان مريضه الذي تلألأت على وجه ابتسامة لشخص يراه لأول مرة منذ طرق صاحب امبراطورية ” لولا “للأكسسوارات بابه للعلاج .
فكر و هو يودعه هل كان فان غوغ لينتحر لو اهتدى لنجمته في الليلة المقمرة .

Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة

أصلان بن حمودة ، كاتب و صحفي تونسي شاب يكتب قصص الناس و أخبارهم . حاصل على العديد من الجوائز الوطنية في مجالي الشعر و القصة القصيرة .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: