الموت حليف التفكير-رانية طراد

img
الحياة، مجرّد الحياة يا صاحبي بطولة، هكذا تكلّم بأسى وحسرة إلياس نخلة بطل رواية الأشجار وإغتيال مرزوق، ذلك الرجل الذي وهب عمره للحياة فلم يجني سوى الموت، وربّما لو صادقنا الفلسفة أكثر، لوجدنا أنّ الفلسفة (التفكير) تدرّب على الموت، مرحلة من التصدّع والتشتتّ، تتسرّب فيه من شقوق الذاكرة وميض، ينآى بنا نحو عوالم أخرى، حيث لا نجد سوى مراثية لهذه المناخات، نصّ ينفلت بنا إلى عقال أزمنة سريالية؛ حيث لا رائحة هنا سوى رائحة البحر، الموت (مدير التحرير – أسامة سليم)
العيش، هوَ الأعمق من كلّ هذا… والأتفه منه بكثير.
ربما سؤال لمَ العيش قد صار متأخراً شيئا ما، كماَ البرهنة عليه شيء من قبل الغباء، فكيف نتسال عن شيئ موجود ب ’’لمَ‘‘؟ يأخذني بحر إلى المجهول، كالموج التي تلاطمت وأكلت الأجسام تعبث بي صباحا مساءا، وتلتهمني بطريقة أخرى مغايرة، ليس غرقا في الماء بل في السؤال، وربما لا ماء أعمق من السؤال.
منذ زمن بعيد، قرابة العشر سنوات، سمعت خبر موت صديقي ورفيقي في الدراسة غرقاً.. كان هذا في اليوم الأول من بداية العطلة الصيفية، أي من إنتهاء السنة الدراسية.أي لازالت آخر اللحظات عالقة فينا، معانقة الروح للجسد، وصورة وجهه الباسم مرسومة للحظة الأخيرة حتى بعد الدفن؛ لا يمكنني تصور عكس هذا…
َكان الخبر أكثر من واقعة، ومن حدث موت أو قصة قدر محتوم. كما أنه أكثر من مجرد شعور بالفراق أو الاشتياق، كان سؤال لم الوجود إذن ونحن مستعدون للموت في أي لحظة، في كل مرة زرت فيها البحر إثر موته إلا وطرحت نفس السؤال، مع خوف شديد ينتابني فيمنعني من الغوص في مياه البحر خوفا من الموت… أو ربما من الإجابة
لمَ العيش يلي سؤال لمَ الوجود… سؤال يسأل آخر، ونحن نجيب في كل مرة، لقد نجونا من الموت بأعجوبة… من كل المياه… ومن كل الاسئلة.. لقد حاولنا الهروب بشتى الوسائل حتى لا ننتهي، بلا سبب…. رغم أن للموت أسباب أكثر من البقاء والتواجد، لكننا نحافظ عليها بلا سبب، ففي غالب الأحيان نختار اللاّسبب واللاإحابة حتى لا تبتلعنا المياه.
يقال أن صديقي هذا رفض يومها الذهاب للبحر، كما رفض الغوص في أعماقه، ولما سُئِل لماذا؟.. لم يجب، ولما شُتمَ.. أجاب بالموت.. فألقى بنفسه نحو الإجابة بلا تفكير، ربما لأول مرة، سبقت الإجابة الفكر… وسقطت العقلانية في قاع البحر، لم تكن تعلم أن الإجابة عن السؤال قد لا تكون شكا فقط، أو محاولة في التفكير، هي أيضا موت وضربٌ لكل الأقوال، أنا متأكدة أن صديقي جاهل بكل هذا… وأنا أيضا..
لقد كنا نحب الحياة، بعنف، ولا ندرك عن عمقها شيئاً غير هلع الموت.. إلى حين حضوره، تغيرت المفاهيم وإنقلبت الموازين ولم تعد الحياة، مجرد عمق موت.. بل عمق سؤال…
أحاول إستعابه في كل مرة، مثل كل أحداث العالم، كل حروبه مجاعاته وقتالاته وسياساته، مثل كل أخباره، إغتيالاته… وموته… وأحيانا درجات موته التي أقل من الموت.. وأقل من الحياة، وأعمق من البحور والاجابات، فمحاولة فهم السؤال، هو أكثر من محاولة للموت، وأكثر من محاولة للغرق، وأكثر من محاولة للسفر والرحيل، هو أكثر من خبر وأكثر من شعور وأكثر من إيمان، هو ما لا يقال ولا يسمع، هو المشهد الذي لا نعرف توصيف لكننا نبكي كثيرا دون ملل، أو نقص دون تعب، أو نغني بدون كلمات، هو أكثر من نص، ومن لحن ومن بحث عن سبب.. هو كل هذا وأقل منه بكثير… و اتفه منه بأكثر.
لمَ العيش، سؤال سألته بعد الموت، وبعد الوجود، وبعد السؤال، ولازلت أسأله.. بعد غياب الأسباب والاجابات… ومازلت سأسأله، وأتسائل عنه، إن لم أمت غرقا.. بصفة في بحر جواب قبل التفكير، لرفع نخب صديقي…
(توفي علاء في 1جوان.. غرقا في إحدى البحار التي إختار ها أن تكون إجابة عن سؤاله، والكثير ممن ماتو.. في نفس المكان… لكن هل من أجل نفس الإجابة؟) شكرا للموت… حليف التفكير
Facebook Comments

الكاتب Slim oussama

Slim oussama

مواضيع متعلقة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.