المهمّشون و الأحلام المعطوبة

img

 

المهمّشون و الأحلام المعطوبة

في الكتاب القصصي ” و سقط ظلّي على الرّمل “

للقاص التونسي أحمد بن إبراهيم

بقلم : فاطمة بن محمود / تونس

 

في الأسابيع القليلة الماضية ظهر في المكتبات التونسية الإصدار الأول للقاص التونسي أحمد بن إبراهيم بعنوان ” و سقط ظلي على الرّمل ” عن دار البُراق للطباعة و النشر والتوزيع .. الكتاب يضم أربعة عشر قصة اختلفت في تيماتها و لكنها تلتقي جميعها في الانتصار للقيم الانسانية و إضاءة جوانب الخير و الجمال في الحياة .

عتبة العنوان :

اختار القاص أحمد بن إبراهيم عنوانا ذو ملمح شعري لمجموعته القصصية ( وسقط ظلي على الّرمل)

تقول الدكتورة فاطمة عبد الله الوهيبي في كتابها ” الظل.. بوابة الحياة و الموت ” أن الظل لا يظهر الا في فضاء بصري وهذا يعني أنه يلزمه مصدر ضوء ليتحقق حضوره في هذا الفضاء وهو ما ينتهي بنا أولا إلى فكرة الإنعكاس فالظل إنعكاس لشيئ ما و ثانيا إلى فكرة الإمتداد والتضاعف ترتبط في النهاية بفكرة الحركة والزمن ..

يحدّد القاص الرمل بما هو الفضاء الحسي بكل ما يحمله الرمل من دلالة بما هو أحد عناصر الحياة كما تحيل الى محيط صحراوي له خصوصية ثقافية تميزه عن غيره وتهيمن عليها التصورات الدينية الإسلامية حيث يعتبر الظل في حديث شريف انه الإله وحده يتفرّد به في يوم القيامة ” لا ظل إلا ظل الله سبحانه” . و إن أردنا تنزيل الظل في الدلالة الأدبية سيكون  ذلك مع نيتشة مثلا إذ يعتبر ظل الشاعر هو الشعر و بهذا المعنى يصبح الظل عند القاص أحمد بن إبراهيم هو قصصه التي صاغها بعناية ليعبّر من خلالها عن موقفه من الحياة في وجوهها المختلفة.

لكن القاص أحمد بن ابراهيم يجعل ظلّه / قصصه تنفصل عنه وتسقط عنه وكأنه يريد أن يعبر عن لحظة تأزّم يعيشها المبدع عندما تتخلّى عنه نصوصه وتسقط بعيدة عنه، ربما تعبر هذه اللحظة الدراماتيكية عن صعوبة تواصل الكاتب مع ذاته وغربته عن واقعه، وهو ما يعكس ربما صعوبة اللحظة التي تشتد الهوة فيها بين المبدع و الواقع على إعتبار أنه بقدر ما تشفّ روح المبدع و بقدر ما يتوغل الواقع في الرداءة و البؤس تشتد المسافة الفاصلة بينهم و يجد الكاتب نفسه غريبا عن ذاته و ربما يشعر أن إبداعاته بلا معنى ..

     يرد العنوان في شكل جملة تبدأ بحرف الواو فكأنها مقتطعة من سياق ما و كأن القاص هنا يعتبر العنوان ليس تلخيصا لتيمات قصصه أو إشارة مختزلة لمناخاتها  بل يتنزل في سياق دلالي معين و تدخل بنا مباشرة في بنية التفكير لدى القاص و تيماته المختلفة التي يشتغل عليها في هذا الكتاب القصصي .

تيمات الكتاب :

العوالم الداخلية المهشّمة للشخوص …

     يركّز القاص أحمد بن إبراهيم في قصصه على التعامل مع قاع المجتمع يجوس بقلمه في عوالم المهمشين و المقصيين من أبناء الشعب الذين يحملون قلوب هشة و أحلام كبيرة و لكن يصطدمون دائما بواقع صلب و ضروف قاسية تجعلهم تجعلهم يسقطون في فوضى الواقع.. لذا ألاحظ ان الكاتب بن إبراهيم يختار هؤلاء المهمّشين و يمنحهم أدوار البطولة في قصصه و كأنها طريقته في ردّ الإعتبار لهم لذلك نجده يحاول الدخول في عوالمها النفسية و يرصد مختلف إنفاعالاتها و هواجسها لذلك، نجده في مختلف القصص ينشغل كثيرا بما تعيشه هذه الشخوص من أحلام معطوبة ومعاناة موجعة .. و من خلال عوالمها الداخلية نستشفّ طبيعة الواقع الإجتماعي الذي تهيمن عليه الرداءة و البؤس و يحتكم الى  صراعات القوة و العنف و هذا ما يجعل للظلم تمظهرات مختلفة تبدو في ما يعيشه أبطال قصة ” من تجاويف الأكفّ ” ( ص 17 ) عندما نجد السائق يتعامل مع واقع بألم موجع يدفعه للإهتمام بتربية إبنته بعد موت زوجته وأيضا للفتاة التي إلتقى بها في شاحنته و تحاول التصالح بطريقتها مع واقعها المر الذي خلّف لها أحلامها مهشّمة .. لقاء كل من السائق و الفتاة هو لقاء الأحلام المنكسرة على أرض الواقع  الحادة ، أيضا في قصة ” بقايا جنون ” ( ص 53 ) حيث يشتغل القاص على شخصية مرتبكة لإامرأة  تعيش أحلام اليقظة ولا تنجح في التصالح مع واقعها يختار لها الكاتب إسم زهرة عبّاد الشمس وهي أبعد من أن تكون زهرة فقد تحطمت رؤاها و أصابتها في مقتل لذلك نجدها على امتداد القصة مهتزة لا تستقر على حال ..أيضا في قصة ” جناح و حنين ” ( ص 101 ) حيث نجد بطل القصة يعيش تناقضات مختلفة تنتهي به إلى فشل مرير في الحياة و عجز تام عن التواصل مع ذاته و مجتمعه ..

     اذن من خلال العوالم الداخلية لشخوص قصصه يكشف لنا أحمد بن إبراهيم عن واقع هشّ و مجتمع تسوده الرداءة و سيطرة القدر بما هو قوة ميتافيزية على مجمل الأحداث و هذا ما يجعل من شخوصه تعيش تنقاضات شديدة ويهيمن عليها الإرتباك و القلق و الحيرة و يستبد بها اليأس و القنوط، و لعل هذا  يكشف طبيعة الحياة  حسب القاص الذي يراها ربما صراع شديد بين الانسان و القوى الغيبية و بين المؤهلات الذاتية والمعوقات الخارجية و بين الخير و الشر، و هذا ما يضفي على شخوص هذا الكتاب ملمح وجودي لعله يعبّر عن نزعة الكاتب وإن لم يكن أول من يبدو متأثرا بالصراع الوجودي و لكن تكمن جدّة ذلك مع أحمد بن إبراهيم في أنها تأتي لتؤكد طبيعة المرحلة السوريالية التي تعيشها الشعوب العربية في ظل أنظمة إستبدادية جعلتها تعاني إحباطات شتّى  ترتشف من هزائمها خاصة بعد ” ربيع عربي ” فاشل طوّح بانتظاراتها و جرف أحلامها في الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية لذلك لا نتفاجأ عندما نكتشف ان في كل قصص الكتاب ينتهي صراع الشخوص بارتطامهم بالواقع و هزيمة أحلامهم التي لا تتحق ، لا أحد من الشخوص استطاع ان يحقق ما يريد تماما مثلما ان الشعوب العربية لم تحقق ما تريد من أحلامها، و لذلك أعتقد ان القاص أحمد بن ابراهيم لم يكن يقطف قصص من مخيلته بقدر ما كان يلتقطها من الواقع و يبدو أنه قد إختار أن يكتب صوت المهمّشين و المنسيّين و المنكسرين ربما لأنه ينحدر من عوالمهم  لذلك بدا لي دقيقا في وصف أجوائهم، عميقا في سبر عوالهم، متألما لاحباطاتهم .

خصوصية التقنية السردية :

     على مستوى التقنية السردية إختار القاص أحمد بن إبراهيم أن يتحدث السارد بلسان الشخوص و لعل وظيفة السارد هنا تتمثل في مهمة سردية بالأساس اذ يقوم بتقديم الشخصيات ويصف عوالمها النفسية و أيضا يهتم بالأمكنة و كل ما له علاقة بالبطل الرئيسي وأيضا يتكفل القاص أحمد بن إبراهيم بضمان وظيفة تفسيرية من خلال السرد عندما يهتم بما يحدث للشخصيات و يحاول التوغل في عوالمها ويسلّط الضوء على مشاكلها و ازماتها ..

     ألاحظ هنا ان موقع السارد في قصص أحمد بن إبراهيم يترواح بين الرؤية من خلف السارد و الرؤية مع السارد
تتمثل الرؤية من خلف السارد عندما يبدو هذا الأخير متحكما في كل  العوالم النفسيبة و الإجتماعية للشخصية مدركا  لكل أبعادها الفكرية و مطّلعا على بنيتها السيكولوجية بما يسمح له بتنقل هذه الشخصيات بكل سلاسة في الزمان و المكان و في تعاملها مع الأحداث التي تعيشها وهنا تحكى القصة غالبا بضمير الغائب و نلاحظ هذا مثلا في قصص ” هذيان ” ( ص 37 ) و قصة ” من تجاويف الأكف ” ( ص 17 ) و قصة ” النغم الحائر ” ( ص 25 ).

أما الرؤية مع السارد فتبدو في قصص أحمد بن إبراهيم من خلال تساوي في المعرفة مع الشخصية بمعنى أن السارد هنا لا يقدم لنا أي تفسير للأحداث قبل أن تصل إليها الشخصية ذاتها إليه أي أان السارد و بطل القصة في تناغم يتحركان معا ويتفاعلان مع الحدث و يفسرانه في نفس اللحظة فلا أحد يسبق الآخر للقارئ و لا أحد منهما يتخلّف عنه. يبدو هذا مثلا في قصص مثل ” جناح  و حنين ” ( ص 101 ) .

يبدو أن القاص أحمد بن إبراهيم قد إختار أن يراوح في قصصه بين الطول و القصر فان كانت بعضها تتجاوز عشرين صفحة فإن بعضها الآخر لم يتجاوز الصفحة الواحدة ولعل الموضوع هو الذي يفرض طول القصة فان كانت قصة ” سفر ” ( ص 15 ) لم تتجاوز الفقرة الواحدة فان قصة  ” لم أنته بعد ” ( ص 81 ) قد امتدت على قرابة العشرين صفحة.. و لعل هذا يشي بقدرة القاص بن إبراهيم على التعامل مع مواضيع قصصه والتحكّم فيها وفق ما تقترحه القصة نفسها فقصة ” سفر ” التي تقترب كثيرا من نمط القصة القصيرة جدا وردت في شكل مشهد شاعري يجمع بين الوردة و الريح وما يحدث من مراوغة من الريح تجعل الوردة لا تقاوم كثيرا و تقطع ساقها لتنطلق مثله في سفر .. لعل ما أراد أن يقوله القاص هنا لا يحتمل إطالة أكثر قد تنتهي بترهّل الموضوع في حين ان في قصة ” لم أنته بعد ” نلاحظ من العنوان نفسه أن هناك كم من الأحداث المتسارعة التي تصنع أجواء نفسية وذهنية لبطلة القصة و و تطوّح بها تلك الأحداث فتجعلها تعيش تمزّقا بين المنشود و الموجود، بين رغبتها في تحقيق ذاتها وإنشدادها إلى واقع عائلي محافظ يفرض عليها نمط حياة لا تريده و عندما تختار البطلة أن تلحق بأحلامها تجد الطريق يعجّ بالعوائق مما يحوّل تلك الأحلام إلى أوهام مدمّرة ..

ما يشبه الخاتمة …

     إجتهد القاص أحمد بن إبراهيم أن يكتب بأسلوب قصصي جميل بدا متمكّنا من اللغة العربية و تكشف عن قدرته على اللعب داخل اللغة و لكن لم تكن هذه اللغة التي يكتب بها بن إبراهيم قصصه صلبة و جافة بل اكتست مرات كثيرة ملمحا شعريا دون مبالغة من ذلك قوله في قصة ” نافذة ” ( ص 16 ) ” نَزَلَتْ بمبيت الطالبات حديثا، رأت المدينة “تعتعة” عكس قريتها سَافرتْ في صلواتها سرّا تتمنى اليتم. و لكن السماء خشيت التورّط معها هذا الصباح و زميلاتها في الدرس” ..
أعتقد ان هذا الكتاب القصصي الأول للقاص التونسي أحمد بن إبراهيم قد ورد تاما على أكثر من مستوى إن في بنيته السردية أو في مضمونه بما يُرَفِّع النسق على مجايليه من جهة و على صاحب الكتاب القصصي نفسه اذ يفترض ان يتجاوزه في إصداره القادم وهو ما أعتقد انه مهمة صعبة لأنه إستهلّ مسيرته في الكتابة الأدبية بكتاب قصصي جيّد يفرض إحترام النقاد و القراء و ربما الهنّة الوحيدة لهذا الكتاب طريقة طباعته التي لم تفيه حقه فصفحات الكتاب سرعان ما تغادر موقعها الأصلي و تتناثر بين يدي القارئ بما أن تصفيفه ورد دون المأمول.

Facebook Comments

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “المهمّشون و الأحلام المعطوبة”

  1. شكرا جزيلا صديقي المبدع جمال قصودة.. ما تقومون به من خلال موقع انتلجنسيا هو عمل وطني بالاساس. يجب دعمه والمحافظة على تالقه..

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.