المنسيَّة-أحمد المهداوي

img
المنسيَّة
– بقلم: أحمد المهداوي، شاعر وقاص مغربي.
– بدتِ السّماء ملبّدةً بالغيوم، والجوّ مكفهرٌ يعلوه الشُّحوب، لا طير في الأجواء ينقّب عن مأكلٍ أو مشرب، ولا تسمعُ لأرجل المشاة حسيسا، لا شئ إلَّا الفراغ، وأعلى صوتٍ تستشعره الصَّمت المُطبقُ على الأرجاء، الكلُّ موصدٌ بابه كأنّما يخشى شيئا لا يعلمه، الكلُّ منهمكٌ في ذاته لا يلتفت لما عداه، الكلُّ متقوقعٌ حول نفسه في زاويةٍ ما من زوايا بيته؛ هكذا كانت ملامح القرية القابعة على حافّة النِّسيان يتآكلها الإهمال المميت.
دقّت السَّاعة السادسةُ والنِّصف صباحاً استيقظت (فاطمة) تتثاءبُ على مهلٍ مخافة أن تؤذي الفكّ السُّفلي إذا ما فتحت فاهها بسرعة؛ فقد أصيبت إصابةً بليغةً على مستوى الفك السُّفلي بعد حادث مرورٍ مرَّ عليه قُرابة السَّنة ونيف تقريباً لكن لا زالت آثار الحادث باديَّة العلامات والنُّدوب على مستوى الوجه والعُنق الطَّويل الذي تتعلَّق به قلادةٌ من الزَّمن الأمازيغي السَّحيق.
قامت حينئذٍ، وأسدلت شعرها الأسود الطَّويل على كتفها وبدأت في تمشيطه الهُوينا؛ فقد بدأ يتساقطُ هو الآخر بفعل الزَّمان، ويال الزَّمان وفِعله، المتطاول على عذراء عانسٍ تعيشُ في كنفِ أبٍ وأمٍّ فعلت بهما الأيَّام المفاعيل، وإخوةٍ لا يرون في الأخت سوى عارٍ يجبُ التَّخلُّص منه بأيّ ثمن بعدما أسنَّت ولم تتزوج لحدود السَّاعة.
في ذلك الصَّباح لم تكن تحسُّ (فاطمة) برغبةٍ في الأكل؛ تشعر كأنّها تُغالبُ القيء، لكن لم تبُح بشئ خشية أن تتلقَّفها الأيادي تترى من كلِّ جانب فلا تعلمُ من أين تأتي الضَّربة؛ خاصَّة وأنَّ أخاها الأوسط العاطل عن العمل (المعطي) متربِّصٌ بها كلَّ حين، ويقعد لها كلَّ مرصد.
بيد أنَّها بدأت في ذات الوقت تشعر أنَّها لم تعد قادرةً على احتمال الألم، إلّا أنَّها كتمت على مضضٍ حرَّ ما تجدُ من ألم وقامت لتأدية الأعمال المنزليَّة المنوطة بها في كلِّ صباح؛ فمن حلب الماشية إلى إعداد وجبة الفطور مرورا بكنس الأرضيَّة التُّرابية المتراميَّة الأطراف وتقديم الطَّعام انتهاءً بحيَّاكة السَّجاد على المنسج اليدوي الذي قبل أن يتمَّ بدء طقوسه يمرُّ عبر مراحل نُقشت في ذاكرة (فاطمة) نقشاً منذ نعومة أظفارها؛ فقد اعتادت على الإعتكاف لتمشيط الصُّوف وغزله، ثمَّ إضفاء لونٍ معيَّنٍ عليه من مصادر طبيعيَّةٍ من جذوع الأشجار، وأوراق الأعشاب، وقشور الرُّمان وأنواع من المعادن.
كانت تبدو سعيدةً للغاية؛ وهي تغمر خيوط الصوف في الماء الملوَّن المغلي لبعض الوقت ثم تسحبها من الماء، وتُترك لتجف تحت أشعة الشمس قبل البدء في استعمالها لحيَّاكة السجّاد على المنسج اليدوي؛ الذي يتطلب منها ومن باقي النِّسوة في القرية دقَّة متناهية في وضعه حتى تنسج الزَّخارف بشكل متساوٍ.
هكذا مرَّت حياة (فاطمة) الَّتي لم تُبدِ تأفُّفاً يوماً، ولم تهمِس بصوتٍ حتَّى؛ فقط تنهمكُ في الأعمال المنزليَّة طوال اليوم في انتظار أن تجود الحياة بزوجٍ من أبناء القرية أمَّا خارج ذلك القُطر الصَّغير فلا مطمع لها على الإطلاق، بيد أنَّها تبدو في هاته الأيَّام زاهدةً للغاية بلا مطمعٍ في أحدٍ بعدما توالتِ السَّنوات واستطال أمر زواجها حتَّى أمست سُبَّةً تتقاذفُها الألسن، ومعيرةً تُعيَّر بها بنات القرية الجامحات أو يُخوَّفن بنفس المصير إذا ما لم يعتدلن في سلوكهن.
كلُّ هذا يمرُّ على (فاطمة) لكنَّ الفتاة البالغة من العمر خمسة وأربعين سنة لا تبدي أيَّة ردَّة فعل على الإطلاق، فقط تستمِعُ لما يُقال من بعيدٍ أو قريبٍ دونما محاولةٍ للدِّفاع عن النَّفس التي لم تعد تبالي بشئ على الإطلاق سوى بموتٍ رحيمٍ ينهي تلك المأساة التي تجثم على صدرها المهروسِ من جرَّاء الحادث الدَّموي الذي ألمَّ بها في لحظة سهوٍ خاطفة.
مرَّ اليوم بطوله على كاهلها، وأرخى اللَّيل بسدوله على القرية المنسيَّة، وهي ما تزال تعتصرُ ألماً، وتنوء وجعاً في صمت، فجأةً أحسَّت بآلامٍ أسفل الظَّهر صارت تئنُّ معها كلَّما شعرت أنَّ الألم يزداد حدَّة لكن تظلُّ في الآن نفسه صامتةً واجمة لا تُنبؤ عمَّا يتآكل دواخلها، غير أنَّها بالرُّغم من الألم شعرت حين وضعت رأسها على الوسادة أنَّه لم يعد بمقدورها الإستيقاظ لفترةٍ أطول فغطَّت في نومٍ عميق.
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: