المنسيَّة-أحمد المهداوي( الجزء الثاني )

img
– بقلم: أحمد المهداوي، شاعر وقاص مغربي.
– شارعٌ يتيمٌ حزين يحاصرهُ الوباء كسيلٍ جارفٍ آتٍ من كلّ صوبٍ وحدبٍ في الأرض، ورعدٌ يزمجر دويُّه في السَّماء، وفرائصُ الكون ترتعدُ خلف ستارةٍ باليَّة تتقاذفها أيادي الرِّيح التي تخالطُ مكاء الشَّجر المُفرغ من روحه، بدا لوهلةٍ وكأن القرية اتَّشحت بالسَّواد، كلُّ من في المكان ذاهلٌ عن أمره لا يرقب الوضع إلا من خلف سُدَّة بابٍ، أو خرمٍ في حائط، أو من نافذةٍ ترابيةٍ متآكلة الأطراف، إلا رجلٌ واحدٌ ووحيد يجلسُ القرفصاء وقد تغطّى بثوبه ثم أَخرج طَرفه الذي أَلقاه على عاتقه الأَيسر من تحت يده اليمنى، ثم عقد طرفيهما على صدرِه، يتململُ بين الفينة والأخرى ناحيَّة اليمين، وتارةً على الشِّمال يهمهمُ بالقول في سرِّه -أوما ترى أن الحوادثَ جمةٌ…وترى المنيةَ للعبادِ بمَرْصَدِ-، وإلى جانبه كلبه باسطٌ ذراعيه بالوصيد.
ترآى كلُّ هذا في مِخيال (فاطمة) أثناء النَّوم فقامت فزعتً لا تدري ما الخطب، ولا تعرفُ منِ الرَّجل، ولا تعلمُ ما معنى تلك الإشارات المتلاحقة في عُمق النَّوم المضطرب، لم تشعر سوى بقشعريرةٍ تسري في كلِّ أنحاء الجسد المتذرِّي بالعرق، وأحسَّت بزيادة في معدَّل التنفس تسارعت معه نبضات قلبها التي تخفقُ بشدَّة حتَّى كأنها تكاد تخترقُ صدرها المهروس، عيناها العسليتان جحظتا فجأة، ومالت شفتيها على غير العادة إلى السَّواد بعد أن كانت قرمزيَّة اللَّون، واستبدَّت ملامحُ الهلع والفزع على وجهها الغارق في ذهولٍ صامت.
أحسَّت كأنَّما أصيبت بالخطل النَّومي؛ فكلُّ تلك التَّخيلات والتَّصورات والأحلام التي عادةً ما تتحوَّل إلى كوابيس لا وجود لها في بداية النُّعاس إشارةٌ على الإصابة بخطلٍ نومي خاصَّة وأنَّ الحادثة تكرَّرت غير ما مرَّة.
استنهضت نفسها في ثقلٍ بالغ كأنَّما الإعياء يكبِّل أطراف جسدها النَّحيف، وبينما هي تسيرُ على حصير السمار الصَّحراوي إذا بها تسمعُ صوتاً غريبا ينادي:
– فاطمة…يا فاطمة
تسمَّرت من الخوف كتمثالٍ في ذات مكان الوقوفِ عند قِربة الماء الطِّنية، وأخذت تسأل عن هويَّة الطَّارئ الغريب، وتحاول التقاط الصَّوت مرَّةً أخرى كيما تحدِّد مصدره لكن عجزت عن ذلك فظلَّت واجمةً مكانها في غير ما مقدرةٍ على الحركة كأنَّها أصيبت بشللٍ مؤقَّت.
سُرعان ما عاود الصَّوت القول:
– لا تجزعي إنَّما أنا الرَّجل في الحلم…
– هاه…هاه، وانكمشت في الظُّلمة تماماً كما تتقزَّم الدودة خوفاً من الأذى كتعبيرٍ عن سلوك فطري.
– يا فاطمة…أنا لن أؤذيك على الإطلاق فقرِّي عيناً، ولا تدخلي على نفسِك ما أرى.
– ما ترى !! لكنَّني لا أراك.
– لا تستطيعين رؤيتي، لكن باستطاعتك سماعي فقط.
– لكنَّني رأيتُك في الحُلم !!.
– لم تريْ سوى انعكاس ظلِّي، أما أنا فلا أرى، ثمَّ صمت لبرهةٍ قبل أن يستطرد بالقول:
– إنِّي ألازمُك منذ سنين خلت…ما تركتُك يوماً واحدا، سوى يومِ الحادث.
– وما علاقتك أنت بالحادث ؟! تساءلت في ذهولٍ واستغراب.
– لا تسألي عمَّا إن يبدُو لك يسُؤكِ يا فاطمْ.
– أريد جواباً على هذه المسألة.
– للأسف لستُ هنا للإجابة على أسئلتك، وإنَّما جئتُ كيما أطمئن عليك بعد غيَّاب.
– ألن تخبرني عن نفسك على الأقل ؟!.
– قد علِمت، ثمَّ سكت.
– لم أعلم شيئا، وكيف لي أن أعلم وأنت لم تخبرني بشئ !!.
– هاكِ هذا العُقد المصنوع من العنبر ففي كلِّ خرزةٍ فيه علامةٌ من علامات حُلمك الفائت.
– لم أفهم شيئا !! وبدت علامات التَّعجب والدهشة تعتلي وجهها الشَّاحب في ظُلمة اللَّيل.
– الوقتُ كفيلٌ بإفهامك، وتعليمك مالم تكوني تعلمي، ثمَّ اختفى الصَّوت كما جاء فجأة.
ندهت على الرَّجل الغريب مطالبةٍ إيَّاه بالمجيء لكن بلا جدوى لم يلبِّي النِّداء اللَّيلي، غير أنَّه ترك علامةً أخيرةً على بطنِ (فاطمة) كانت تلك المنعطف المؤدِّي إلى حياةٍ أخرى غير الحياة التِّي اعتادت أن تعيشها في يومٍ من الأيَّام.
Facebook Comments
سجل اعجابك رجاءً و شارك الموضوع :

الكاتب admin

admin

جمال قصودة شاعر تونسي ، أصدر كتاب " الغربة و الحنين للوطن في شعر سعدي يوسف " دار القلم ،تونس 2015، مدير الموقع و رئيس جمعيّة المواطنة الفاعلة ( مقرّها ميدون جربة ،تونس ) وهي الجمعيّة الراعية للموقع .

مواضيع متعلقة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: